اخطاء لا تغتفر!

السياسيون الأكراد مثال لارتكاب الاخطاء التي لا يمكن العودة عنها.

كثيرا ما يقترف السياسيون واهل السلطة اخطاء تكتيكية بسيطة وهم يخوضون المعترك السياسي ويديرون شؤون البلاد، ولكن سرعان ما يعالجونها ويضعون لها الحل المناسب، وقد يعمدون الى الاستقالة ومعاقبة الذات اذا ما رأوا ان الخطأ يقتضي ذلك، وهذه طبيعة البلدان المتقدمة، لا يوجد فرق كبير بين الخطأ الكبير والخطأ الصغير كلاهما خطأ يجب ان يعاقب مرتكبه مهما كان منصبه ومكانته في المجتمع والدولة.

ولكن في البلدان المتخلفة لا يقيم للخطأ الاستراتيجي الكبير الذي يدمر بلدا اي اهمية تذكر فضلا عن الخطأ الصغير، فالقائد الضرورة لا يسأل عما يفعل ويتصرف حسب هواه وبما تمليه مصالحه الشخصية ونزواته الطائشة، فهو فوق القانون. فقد ارتكب صدام حسين خطأ تاريخيا عندما غزا الكويت وتحدى المجتمع الدولي في عام 1990، وما زال العراق والمنطقة تعاني من تداعياته القاتلة. والحزبان الكرديان ارتكبا خطأ استراتيجيا كبيرا عندما تخليا عن اقليمهما المستقل اداريا وسياسيا عن بغداد منذ 1992 ولم يعلنا الاستقلال بعد سقوط الدولة العراقية عام 2003، بل اعادا عقارب الساعة الى الوراء وارتضيا ان يخضعا للنفوذ العراقي ثانية وشاركا في تشكيل الدولة من جديد جريا وراء سراب الديمقراطية العراقية والوعود الكاذبة للاحزاب الشيعية الحاكمة بتطبيق المادة 140 واعادة المناطق الكردية المغتصبة الى الاقليم، متناسيان ان الديمقراطية لا يطبقها اناس غير ديمقراطيين، وان الافكار الطائفية المبنية على اساس الانتقام والثأر لايمكن ان تبني دولة ديمقراطية، فراهنا على حكم الاحزاب الميليشياوية الدموية على تسوية القضية الكردي من خلال الدستور والمبادئ الديمقراطية، فخسرا الرهان ووضعا الشعب الكردي في ازمة غير قابلة للحل!

وازاء الخرق المستمر لبنود الدستور من قبل تلك الاحزاب الشيعية واستعمال البرلمان كمطية لتحقيق اهدافها التوسعية، وقف الكرد عاجزين أمام هذه التجاوزات بسبب وجودهم الضعيف وغير المؤثر في البرلمان العراقي، فهم يمتلكون أقل من ربع المقاعد في البرلمان (50 مقعدا او اكثر بقليل من مجموع 325 مقعدا)، لذلك فهم دائما بحاجة إلى أصوات الكتل الأخرى الكبيرة لتعطيل أو تفعيل مشروع سياسي كبير، في حين أن الدستور العراقي في العهدين الملكي والجمهوري يشير إلى أن العراق شراكة بين قوميتين رئيسيتين ومكونين أساسيين: عربي وكردي. والدستور البعثي أيضا يقرر أن العراق مكون من قوميتين رئيسيتين: القومية العربية والقومية الكردية، في حين أن النظام «الديمقراطي» الجديد يؤكد على أن العراق يتشكل من عدة مكونات رئيسية، وهي «المكون الشيعي والمكون السني والمكون الكردي والمكون التركماني والمكون اليزيدي والمكون المسيحي.. إلخ»، وهذه المكونات بدورها تتشكل من احزاب مختلفة لا تحصى وكل حزب يسعى الى تحقيق مكاسب كبيرة من خلال العملية الديمقراطية، وفي النهاية لا يمكن لاي حزب او مكون "غير الشيعي" التوصل إلى حل نهائي في أي قضية مفصلية كبيرة ما لم تتوافق عليها جميع هذه المكونات والاحزاب المتناقضة فكريا وطائفيا وعرقيا، وهذا شبه مستحيل. وأبرز مثال على ذلك المادة 140 الدستورية التي ما زالت تنتظر توافق الكتل والمكونات والإثنيات المختلفة منذ سنوات من دون نتيجة.

يبدو ان الكرد لم يستطعوا ان يأخذوا حقوقهم مع الحكومات العراقية المتعاقبة لا عن طريق الحروب والقتال المستمر ولا عن طريق السلام والديمقراطية! ولا احد سمح لهم بتشكيل دولتهم المستقلة بعد اجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر من عام 2017! فأين المفر؟