اسبانيا تمنع نقل أسلحة إلى إسرائيل وسط تعقيدات التحالف مع واشنطن
في خطوة تعكس تصعيدا ملحوظا في موقف مدريد من الحرب الإسرائيلية على غزة، كشفت صحيفة الباييس في تقرير لها نشر الاثنين، أن حكومة بيدرو سانشيز منعت الولايات المتحدة من استخدام القاعدتين العسكريتين في روتا (قادس) ومورون (إشبيلية) لعبور طائرات أو سفن محملة بالأسلحة والذخائر المتجهة إلى إسرائيل.
ويأتي القرار بعد أيام من إعلان الحكومة الإسبانية تعليق عقود تسليح مع تل أبيب وفرض حظر على تصدير الأسلحة إليها، في إطار حزمة من تسع إجراءات تهدف إلى الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وبحسب الصحيفة، أكدت مصادر من اللجنة المشتركة الإسبانية-الأميركية أن القاعدتين "سياديتان وتحت إمرة ضباط إسبان"، ما يعني أن أي نشاط عسكري فيهما يستوجب ترخيصاً مسبقاً من السلطات الإسبانية.
غير أن الأمر ليس مطلقاً، إذ يمكن لواشنطن الالتفاف على المنع عبر استخدام قواعد أوروبية أخرى كألمانيا أو إيطاليا قبل التوجه إلى إسرائيل، دون أن يظهر ذلك في خطط الطيران الأصلية. كما أن مدريد لا تجري عملياً تفتيشاً على الشحنات الأميركية العابرة، تفادياً لتقويض الثقة بين الحليفين.
وهذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها الجدل حول طبيعة استخدام القواعد العسكرية الإسبانية، ففي يونيو/حزيران 2002 سمحت مدريد بمرور طائرات أميركية كانت تقل سجناء أفغان إلى معتقل غوانتانامو، وهو ما أثار آنذاك انتقادات واسعة.
أما في ما يتعلق بالبوارج الأميركية، فالإجراءات تتطلب إذناً مسبقاً قبل خمسة أيام، لكن دون أن يشمل ذلك التدقيق في نوعية الأسلحة المحمولة، التزاماً باتفاقيات تعود لفترة الحرب الباردة، على الرغم من أن الدستور الإسباني، بعد استفتاء 1986 حول البقاء في حلف الناتو، يحظر إدخال أسلحة نووية إلى التراب الإسباني.
وفي سياق متصل، أبدت الخارجية الأميركية استياءً من الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها حكومة سانشيز، ووصفتها بأنها "مقلقة للغاية"، معتبرة أنها قد تعرقل العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة. ويأتي هذا التوتر في ظل تراكم ملفات خلافية بين مدريد وواشنطن، تشمل تقاسم أعباء الناتو، والعلاقات مع الصين وملف هواوي، إضافة إلى النزاعات التجارية.
ويكشف التحليل الاستراتيجي للقرار عن معادلة معقدة.. فمن جهة، تحاول إسبانيا ترسيخ استقلاليتها السياسية والأخلاقية برفض دعم آلة الحرب الإسرائيلية، ومن جهة أخرى تسعى إلى تفادي صدام مباشر مع واشنطن قد يضر بالتحالف العسكري التاريخي القائم منذ "اتفاقيات مدريد" لعام 1953.
وهذه المقاربة المزدوجة تضع مدريد أمام تحد دبلوماسي حساس، حيث توازن بين ضغوط داخلية أوروبية متزايدة لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وبين الحفاظ على علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الأكبر للأمن في الحوض الغربي للمتوسط.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحا.. هل يمثل هذا المنع تحولا استراتيجياً دائماً في السياسة الدفاعية الإسبانية، أم مجرد رسالة سياسية ظرفية مرتبطة بالملف الفلسطيني؟
سيتوقف الجواب على قدرة مدريد على تحويل موقفها الأخلاقي إلى سياسة مستدامة، وعلى استعداد واشنطن لتقبل شريك أوروبي أكثر جرأة في فرض سيادته داخل منظومة الأطلسي.