الإنطلاق إلى عالم النشر الذاتي

شركات النشر بدأت تتأثر ماديا  بظهور الأدوات التقنية السهلة الاستخدام للانطلاق نحو النشر الذاتي.


صاحب دار نشر: النشر الذاتي لا يمكن أن يستمر لأنه يتطلب تفرغا وتسويقا، ولا يمكن لفرد بنفسه أن يتحمل تلك الأعباء


حسن عبدالمجيد لا يمكن للكتب المنشورة ذاتية أن تصل إلى نفس مستويات العناوين التي تدعمها دور النشر التقليدية،

ساهمت شبكة الإنترنت وظهور الكتب الإلكترونية في اكتشاف طرق النشر الذاتي التي بدأت تزدهر بشكل كبير، كما وصلت نسبة حقوقها إلى نحو أكثر من حقوق المؤلفين للكتب المطبوعة، وذلك لدى مجموعة الناشرين، وقد أدى ازدهار هذا النوع من الكتب إلى تمهيد الطريق أمام النشر الذاتي.
يقول الشاذلي محمد مدير إحدى دور النشر: بدأت شركات النشر تتأثر ماديا  بظهور الأدوات التقنية السهلة الاستخدام للانطلاق نحو النشر الذاتي، كما أنّه مع بداية ظهور الإنترنت فُتحت أفاق جديدة حيث ازدهرت كتابة المدونات والمحادثات القصيرة وكتابة المذكرات والأسفار والتعليقات وتحميل الصور، وكلها أشكال مختلفة من النشر الذاتي بطريقة أو بأخرى.
ويضيف: ومن ناحية أخرى هناك شركات توفر خدمات لتسهيل كل مراحل النشر الذاتي تُعرف باسم “Create Space” فهي لا تسهل طبع الكتاب فقط، وإنما تضمن صدوره بشكل أنيق وجذاب وبغلاف ملون ذي جودة فنية عالية، إضافة إلى تزويده برقم حسب المعيار الدولي (I.S.B.N.) وبذلك يكون للكتب المنشورة ذاتياً نفس مواصفات الكتب الصادرة عن دور النشر التقليدية، ويشار هنا إلى أن أكثر الكتب التي استفادت من التقدم التكنولوجي وازدادت أعدادها بطريقة النشر الذاتي، هي كتب الصور الفوتوغرافية وفنون العمارة والتصوير التي ازدهرت بسبب التطور الذي أحدثته التكنولوجيا الرقمية في تصميم وإنتاج المنشورات المرئية.
ويتحدث د. محمد زاهر أستاذ جامعي عن تجربته فيقول : كنت أعتمد في نشر كتبي العلمية على دور نشر كبيرة كانت تكلفني ماديا كثيرا، ولكني فكرت في النشر الذاتي فإن للنشر الذاتي مزايا عديدة، منها سرعة الوصول إلى الأسواق، حيث من الممكن أن يتم الانتهاء من متطلبات عملية نشر الكتاب خلال أيام قليلة، بينما من الممكن أن يقطع الكتاب العادي كثيرا من الزمن حتى يرى النور، كما يملك الكاتب القدرة على التحكم الكامل في عملية التخطيط، والتحرير، والتصميم، بينما تكون هذه القدرة على إجراء التغييرات في النشر التقليدي أقل بكثير، إذ إن الكاتب سيضطر إلى مراجعة دار النشر، وربما لن يتمكن من إجراء أي تغيير في نتاجه وجهده.
ويضيف: ومن جهة أخرى لا أجد نفسي مضطرا إلى طباعة أعداد كثيرة من كتابي، حيث أمكن استخدام تكنولوجيا “الطبع على حسب الطلب” للكتاب والناشرين بتخفيض مخاطر النشر الذاتي، وتساعد تلك التقنية على طبع الكتب عند الطلب فقط، دون ضرورة تكديس الكتب في انتظار بيعها. ويساعد هذا الأمر على تخفيض النفقات. كما أنه بالنسبة لأي ناشر ذاتي يمكن لبيع النسخ مباشرة إلى المستهلك أن توفر عليه النسب المطلوبة للناشرين والموزعين التي قد تصل أحياناً إلى 50% من سعر المبيع.
ويؤكد مصطفى مرسي  مدير دار نشر: لم يعد هناك من يلجأ إلى دار نشر للطباعة أو التسويق؛ فالأمر اختلف حيث ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على الترويج المجاني لبيع الكتب على الإنترنت، وهناك أمثلة كثيرة على كتاب استطاعوا تحقيق نجاح باهر في هذا الخصوص، فقد قام كثير من الكتاب بإصدار كتب منذ عقد مضى بطريقة النشر التقليدية ولم يستطعوا بيع الكثير من النسخ، ولكن هناك من قام أخيراً بإصدار روايات قام بنشرها ذاتياً من خلال النشر الذاتي، وتمكن من بيع نسخ كثيرة. وهناك بعض الأدباء يقومون بإنشاء مجموعة من القراء الذين وافقوا على قراءة كتبهم قبل نشرها أو ما يسمى بـ "القراء المسبقين" في مقابل حصولهم على نسخة مجانية، كما استطاع الأدباء التواصل، من خلال وسائل التواصل الرقمية، مع أكثر من 10.000 شخص، وبالإضافة إلى الترويج الذاتي.

ومن وجهة نظر عبدالمنعم الأسواني (صاحب دار نشر): لا أعتقد أن النشر الذاتي ممكن أن يستمر لأنه يتطلب تفرغا وتسويقا، ولا يمكن لفرد بنفسه أن يتحمل تلك الأعباء، ورغم المحاولات الفردية لبعض الأدباء للنشر الذاتي إلا أنه لا توجد حتى الآن شركة تمكنت من إحداث اختراق تقني حقيقي في تطوير الكتب الإلكترونية باللغة العربية، باستثناء بعض الشركات القليلة.
ويضيف: بالنسبة لدور النشر، فيتميز موقفها بالفتور تجاه فكرة الكتب الإلكترونية، والنشر الذاتي، فهي لا تزال تعتقد بأن الاستمرار على الطريقة التقليدية في النشر کفيل باستمرار تجارتها. أما في الغرب، وبدلاً من إظهار الخوف من ازدهار النشر الذاتي، فقد بدأت دور النشر بالتأقلم مع الأوضاع الجديدة، وصارت تقدم معلومات أكبر عن البيع، وبدأت شركات بالالتفاف على طرق النشر التقليدية للحصول على عقود للنشر، وذلك من خلال إنشائها موقع يسمح للكتاب الطامحين بتحميل كتبهم على الموقع، لتتم قراءتها من زوار الموقع وإضافة التعليقات عليها، ومن ثم تصنيفها من قبلهم. ويحظى الكتاب الذي يحصل على أفضل التعليقات والتصنيف كل شهر على فرصة مراجعته من قبل محرري "هاربر کولينز" لدراسة إمكانية نشره.
ويضيف أيضا: كما بدأ ناشرون آخرون تقديم خدمات أخرى، إذ دفعت شركة "بنغوين" 116 مليون دولار أميركي إلى إحدى الشركات التي تدير مجموعة من البصمات للنشر الذاتي، لتسهيل أمور الراغبين بنشر كتبهم على طريقة النشر الذاتي. والبرهان الآخر على الاهتمام المتزايد بالنشر الذاتي هو الاستعداد المتزايد للشركات للتعاقد مع كتاب المستقبل.
يقول د. حسن عبدالمجيد أستاذ أبحاث المكتبات: قد يقول البعض إنه لا يمكن للكتب المنشورة ذاتية أن تصل إلى نفس مستويات العناوين التي تدعمها دور النشر التقليدية، فمهما كان الكاتب موهوبا لا يمكنه مضاهاة التصاميم التي يضعها الخبراء والتدقيق والتقييم الذي يقوم به المحررون المحترفون. ولكن الناشرين الذاتيين الناجحين لم يعودوا مجرد كتاب عاديين، وإنما أصبحوا أصحاب مؤسسات صغيرة، حيث يقومون بالاستثمار في مؤسساتهم ويوظفون خبراء التحرير وأصحاب المهارات في اللغة والتدقيق والتصميم وخلافه، ليتحولوا إلى مشروع حيوي ونابض في مجال النشر. 
وكما حصل مع وسائل الإعلام في هذا العصر الرقمي، تم قلب منطق القرن الماضي رأساً على عقب، إذ أمكن لكل ما هو صغير وذكي أن ينافس ما هو كبير ومنظم ويحمل علامة تجارية واضحة. وكما عبَّر عن ذلك موقع شركة "إيندي ريدر" التي تقدّم، من بين خدماتها الأخرى، خدمة النشر الذاتي: "لنفكر في هذه الكتب مثل السلع المصنَّعة يدوياً على نطاق ضيق بدلاً من السلع التي تُنتج وتباع في المتاجر على نطاق واسع". (وكالة الصحافة العربية)