الانتقام أولا. لمناسبة استعادة الأرشيف العراقي

لا يوجد أساس للتسامح في العراق. كل شيء يحل بالعنف، وبأثر رجعي.


ثقافة الإلغاء كانت دائما هي السائدة.في العراق


العراقيون رفضوا المصالحة مع ماضيهم على أساس المواطنة والتعددية

هل العراقيون شعب متسامح؟

وقائع السنوات الماضية تجيب بالنفي القاطع. سيُقال في تفسير ذلك إن إيران وأحزابها العاملة في العراق قد لعبت دورا في الوصول إلى تلك النتيجة المؤسفة.

ذلك صحيح. لإيران باعتبارها طرفا خارجيا أسبابها التي تدفعها إلى الانتقام من العراقيين وقد كان ذلك نوعا من العقاب المؤجل ردا رديئا على حرب الثمان سنوات. اما الأحزاب الدينية فإنها إضافة لتبعيتها إلى إيران فإنها لا تملك في منطلقاتها النظرية هامشا للتسامح. فهي تمارس القسوة كما لو أنها جزءا من الوعد الإلهي.

غير أن الصحيح أيضا أن العراقيين لم يعرفوا التسامح في تاريخهم السياسي ولم يعملوا على ترسيخ ثقافته وإدراجها ضمن منهج عملهم لبناء المجتمع.

ثقافة الإلغاء كانت دائما هي السائدة.

ذلك واحد من أهم أسباب تفكك المجتمع وغياب ثقة الفرد بالدولة وعدم نشوء حياة سياسية سوية.

لا نحتاج إلى أمثلة من التاريخ لنثبت واقعية تلك النتيجة.

عراق اليوم يقدم صورة واضحة عما كانه دائما. فبعد أن مكن الاميركان الذين احتلوا العراق عام 2003 الأحزاب الدينية المعارة من الحكم بدأت تلك الأحزاب حملة اغتيالات شملت الاف العراقيين الذي لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا موظفين في الدولة العراقية، أطباء ومهندسين وطيارين وضباطا وعلماء ومؤرخين وصناعيين وسواهم.

اما حين وضع أحمد الجلبي قانون اجتثاث البعث موضع التنفيذ فقد وقعت واحدة من أسوأ لحظات التاريخ الإنساني في العراق. فمَن لم يتم قتله جرى تجريده من حقوقه المدنية.

وكما في كل القوانين الجائرة التي تبنتها سلطة الاحتلال فقد تم استثناء البعض منها على أساس طائفي منافق. فلا يكفي أن تكون شيعيا لكي تستثنى بل يجب أن تمارس النفاق السياسي أيضا.

كانت هيئة الاجتثاث تستند في قراراتها على وثائق هي جزء من أرشيف الحزب الذي حكم العراق خمسا وثلاثين سنة. يومها استولت مؤسسة الذاكرة العراقية التي كُلف كنعان مكية من خلالها بجمع أرشيف الدولة العراقية وبضمنه كل ما يتعلق باليهود العراقيين قبل تسفريهم.

كان مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي الحالي أحد مدراء تلك المؤسسة التي لم تستمر في العمل طويلا واختفت.

ما يتعلق باليهود تم تسليمه إلى إسرائيل. اما أرشيف الدولة العراقية فقد تم تسليمه إلى إحدى الجامعات الأميركية التي يُقال إنها رممته من أجل البحث العلمي. تلك كذبة. ما يقصد بالبحث العلمي هو عبارة عن عمل مخابراتي يُراد منه أن يلاحق العراقيون بعضهم البعض الآخر وأن تكون التصفية الجسدية هي أساس التحول من حقبة سياسية إلى حقبة أخرى.

اليوم يجري تسليم أرشيف الدولة العراقية إلى العراقيين. ولكن مَن هم العراقيون الذين يجري تسليم ذلك الارشيف المهم على المستوى التاريخي لهم؟  

إنهم زعماء ميليشيات أو عملاء مباشرون لإيران أو قتلة وقطاع طرق تسيرهم عقدة الانتقام منذ أن كانوا لاجئين في إيران يحاربون بلدهم ضمن فصائل الحرس الثوري الإيراني.

بالتأكيد سيُعتمد ذلك الأرشيف بداية لحقبة جديدة من الثأر والانتقام. فالعراقيون الذين رفضوا المصالحة مع ماضيهم على أساس المواطنة التي يتطلب العدل فيها اجراء الكثير من التسويات هم اليوم في أشد الحاجة إلى وثائق تجعلهم يشعرون أنهم على حق.

ذلك حق يدمر قدرة الإنسان على أن يكون عادلا في بناء مجتمع جديد يشعر فيه الآخر المختلف يضعفه أمام العدالة. لم يكن مانديلا عادلا بقدر ما أشعر الآخرين بحاجتهم إلى العدالة.

أعتقد أن العراقيين يستعيدون تاريخا هم ليسوا في حاجة إليه اليوم. ذلك لأنهم سيستعملونه في الحاق المزيد من الضرر بأنفسهم.