التحكيم الإلكتروني في بيئة إلكترونية

محمد ماجد محمود أحمد يذهب في كتابه إلى تحليل ظاهرة كيف يتصل الملايين من الناس عبر العالم فيما بينهم ويقومون بأشغال وأعمال عبر الشبكات المعلوماتية.


تجنب بطء إجراءات المحاكم التقليدية الغارقة في الاختناق ومحدوديتها


لا يزال القضاء يبطل القرارت التحكيمية لعدم تنظيم محضر بما رفعه الطرفان إلى المحكم

يذهب د. محمد ماجد محمود أحمد في كتابه “التحكيم الإلكتروني في بيئة إلكترونية” إلى تحليل ظاهرة كيف يتصل الملايين من الناس عبر العالم فيما بينهم ويقومون بأشغال وأعمال عبر الشبكات المعلوماتية، ويرى أنه لا مجال بالتالي لتفادي وقوع نزاعات يتعين تصور أشكال جديدة لحلها، وتوفير حلول سريعة لها تتناسب مع طبيعة الشبكات المعلوماتية الدولية، وتجنب بطء إجراءات المحاكم التقليدية الغارقة في الاختناق ومحدوديتها.
في الوقت الذي لا يزال القضاء يبطل القرارت التحكيمية لعدم تنظيم محضر بما رفعه الطرفان إلى المحكم، أو عدم توقيع المحاضر، أو عدم إصدار القرار في جلسة علنية، وفي الوقت الذي يفرض فيه قانون المرافعات الحضور الشخصي للأطراف أمام المحكم، وإصدار الأحكام في جلسة علنية، إلا أنه في المقابل نجد أن الفقه يبحث في التحكيم والقضاء عن بعد أو ما يسمى  بالتحكيم الإلكتروني.
يقول المؤلف: “لقد  أدى التطور المتزايد في معدلات التنمية الاقتصادية، والانتشار المذهل للتجارة العالمية، والتقدم التكنولوجي الهائل في وسائل التقنيات الحديثة، إلى ظهور روافد جديدة وأساليب حديثة في مجال التجارة الدولية، ومن الطبيعي مع هذا النمو المتزايد في التجارة والاقتصاد واختلاف المصالح والأهداف أن تظهر العديد من المشكلات، وكان لا بد من استحداث وسائل جديدة لحل هذه المشكلات بما يتناسب مع هذا التطور السريع وبما يحقق العدالة الناجزة السريعة التي تتطلبها مثل هذه الأنواع من المعاملات.”
ويرى الكاتب أن العالم يمر الآن بثورة علمية وتقنية، وتطورات متلاحقة وسريعة في عالم الاتصالات من حواسب إلكترونية، وأقمار صناعية، وظهور لشبكة الإنترنت بكل ما تقدمه للاتصال الإنساني من فرص ووعود، وقد وضعت شبكة الإنترنت ما يقرب من مائتي دولة في العالم في حالة اتصال دائم ذلك أن البيانات والمعلومات التي يتم إدخالها وتحميلها على الشبكة، تنتشر في ثوان معدودة في كل الدول المرتبطة بالشبكة بحيث يتاح لكل مستخدم الدخول إلى هذه المعلومات والبيانات.
ويعتبر أن ظهور التحكيم الإلكتروني جاء نتاج عدم مسايرة القوانين الوطنية، وتعقد وسائل تعديها لتساير هذه التكنولوجيا المتقدمة والتطور السريع والمتلاحق في أساليب التجارة والاتصالات، بالإضافة إلى صعوبة قيام القضاء بالخروج على هذه القوانين والابتكار وصولا إلى حلول حديثة تقوم على التفهم الواضح للأعراف والعادات التجارية الدولية التي أصبحت تحكم هذه العلاقات، لذا ظهر ما يسمى بنظام التحكيم الإلكتروني كأسلوب من أساليب فض المنازعات بعيداً عن القضاء العادي والتحكيم العادي، وذلك باختيار أطراف النزاع حكما يحكم بينهم فيما تنازعوا فيه فيصير حكمه ملزماً لهم ناهياً للنزاع.

القانون تطور باعترافه بتكنولوجيا المعلومات في فاعلية ونشاط التجارة مما أوجب على القضاء معالجة الأحوال الجديدة في نقل المعلومة وأخذها في الحسبان عند نظرها للدعاوى المتعلقة باستخدام هذه الوسائل

والتحكيم وسيلة رضائية اختيارية، ولا ينعقد إلا برضاء الأطراف، فهو يتيح للأطراف الحرية في اختيار القانون الواجب التطبيق على الموضوع وعلى الإجراءات بعيداً عن مشكلات تنازع القوانين وتنازع الاختصاص الدولي، وكذلك تحديد ميعاد ومكان التحكيم ومكان تنفيذه، لذلك فإن التحكيم يتميز عن القضاء بأنه يكون باتفاق مسبق بعكس القضاء الذي يكون الالتجاء إليه دون اتفاق مسبق مع الطرف الآخر، كما أن القضاء يلتزم بأحكام القانون المرتبط بالنزاع، دون محاولة أو سعي للوصول إلى حلول توفيقية لفض النزاع مثل ما هو مقرر في التحكيم الذي يعطي للمحكم سلطة واسعة في الاستعانة بالقواعد والأعراف سواء الدولية أو المحلية ويقوم قضاؤه على قواعد العدالة والإنصاف فضلاً عن السرية والسرعة في فض المنازعات.
ويرى الكاتب أن القانون تطور باعترافه بتكنولوجيا المعلومات في فاعلية ونشاط التجارة مما أوجب على القضاء معالجة الأحوال الجديدة في نقل المعلومة وأخذها في الحسبان عند نظرها للدعاوى المتعلقة باستخدام هذه الوسائل. وقد كان من الطبيعي والمنطقي في هذا المجال أن يتولد عن التباعد بين أطراف المعاملات نتيجة التطور التقني المشار إليه، واستخدام هذه الآليات، ظهور منازعات قانونية تحتاج إخضاعها لهيئة أو محكمة مؤهلة لنظرها تختلف في طبيعتها وتشكيلها عن تلك التي تنظر المنازعات التقليدية، كما أنها تحتاج إلى قواعد قانوينة مختلفة عن تلك التي تحكم المنازعات التقليدية، إذ أن معطياتها تقضي بأن إبرامها لا يتم في نطاق مكاني محدد، ولا بين أطراف يجمع بينهما مجلس عقد واحد أو يعرف بعضهم البعض.
 يقول المؤلف: ”وهكذا نشأ التحكيم في مجال البيئة الإلكترونية، وهو لا يقتصر على المنازعات الناشئة عن التجارة الإلكترونية بل أنها تمتد لتشمل عقود تبرم بطريقة تقليدية مثل عقود الملكية الفكرية، وعقود المستهلك، وعقود التأمين، أو المسئولية عن الأشياء، كما أنها تشمل - من باب أولى - المنازعات التي تنشأ عن أنشطة تتم في إطار إلكتروني مثل الأضرار التي تلحق بالحياة الخاصة نتيجة استخدام الإنترنت".
وعن الفارق بين التحكيم العادي والتحكيم عبر الوسائل الإلكترونية، يوضح المؤلف أن هناك شخصاً محايداً يفصل في النزاع بين أطراف بحكم تحكيمي يتم تنفيذه جبراً. وفي الواقع أن الحل في الحالتين لا يختلف إلا من حيث الوسيلة التي تتم بها إجراءات التحكيم، فبينما يجري حكم التحكيم التقليدي بطريقة تستلزم حضور الأطراف بأنفسهم أمام هيئة التحكيم وتبادل المستندات كتابة، فإنه في التحكيم عبر الوسائل الإلكترونية يتم باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في هذا المجال.
يقول: "ولا شك أن ذلك كله لا يخلو من مشاكل، ثم بعد صدور الحكم التحكيمي لا بد أن هناك مشاكل تتعلق بكيفية تنفيذه مروراً إلى وسائل الطعن عليه بالبطلان، لذا فإن الدراسة ستقسم على عدة أبواب نبدأها ببيان ماهية التحكيم الإلكتروني ومميزاته ومخاطره، والوضع الحالي له، ثم الإطار القانوني للتحكيم، ثم حكم التحكيم وتنفيذه".
يذكر أن كتاب "التحكيم الإلكتروني في بيئة إلكترونية”، لمؤلفه محمد ماجد محمود أحمد، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. (وكالة الصحافة العربية)