الجزائر أمام المرآة.. النظام الذي لم يجرؤ على مواجهة واقعه
ليس سقوط الأوهام حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو لحظة وعي مؤلمة حين تدرك الأنظمة أن التاريخ لم يعد ينام على نفس الوسادة القديمة.
هناك، في عمق الجغرافيا المغاربية، تتصدّع أسطورة اسمها الجزائر الثورية أمام مرآة القرار الأممي الأخير، الذي لم يترك للنظام الجزائري سوى مواجهة صورته الحقيقية. العالم تغيّر، والمفاهيم التي كانت تُخدّر الجماهير بشعار “تقرير المصير” سقطت عند أول امتحان للواقع، لتكشف أن ما بُني على الوهم لا يصمد أمام التحوّل.
إن قرار مجلس الأمن باعتماد الحكم الذاتي المغربي كأساس وحيد للحل ليس مجرد انتصار دبلوماسي، بل هو إعلان نهاية مرحلة من الوعي الزائف، ونهاية خطابٍ حاول أن يجعل من الصحراء ذريعة لتأجيل الحرية داخل الجزائر نفسها.
من هنا تبدأ القصة، لا من قاعات الأمم المتحدة، بل من عقل النظام الذي لم يفهم بعد أن الجغرافيا لا تهادن الكذب مهما طال زمنه.
إن ما يعيشه النظام الجزائري اليوم ليس مجرد نكسة دبلوماسية، بل انهيار فلسفةٍ كاملة حكمت سلوكه منذ سبعينيات القرن الماضي، حين حاول أن يجعل من ملف الصحراء رافعةً لشرعيته الثورية، ودرعًا لتأجيل استحقاقاته الديمقراطية الداخلية.
لقد استيقظ النظام فجأة على واقع جديد: العالم تغيّر، ومجلس الأمن لم يعد يشتري شعارات الحرب الباردة، بينما نجح المغرب في تحويل الصحراء إلى مختبر للتنمية والحداثة، في حين ظلت الجزائر أسيرة خطاب الخنادق بعقلية ستالينية لينينية.
في هذا التحول الأممي، لم يكن القرار فقط انتصارًا دبلوماسيًا للمغرب، بل صفعة وجودية لنظام لم يعرف كيف يتطور، إذ إن الشرعية الثورية التي تأسس عليها انتهت زمنياً، والعسكرة التي كانت في الماضي رمزاً للانضباط، صارت عبئًا على اقتصاد هشّ يعيش على ريع الغاز وذكريات الماضي.
ما بعد القرار لن يكون كما قبله، فالنظام الذي كان يلوّح بورقة “تقرير المصير” في كل محفل أممي، وجد نفسه فجأة أمام إجماع دولي يعتبر أن لا حل إلا ضمن السيادة المغربية.
هذا يعني أن الجزائر فقدت وظيفتها التاريخية في هذا الملف، وأن كل استثمارها المالي والإعلامي والسياسي على مدار نصف قرن تبخّر في لحظة صدور القرار. الأخطر من ذلك أن النظام سيفقد تدريجيًا مبررات التعبئة الداخلية التي كانت تقوم على فكرة “العدو الغربي الصهيوني المساند للمغرب”. فحين تسقط الأكذوبة المركزية، تبدأ الشروخ في جدار السلطة.
لهذا يمكن القول إن النظام الجزائري سيدخل مرحلة ارتباك خطيرة. فمن جهة، سيحاول عبر أبواقه الرسمية والإعلامية إنكار القرار والتشكيك في خلفياته، ومن جهة أخرى سيبحث عن عدو جديد لتبرير فشله، لأن أنظمة كهذه لا تعيش إلا بالتناقض، ولا تبقى إلا بتغذية الخوف الجمعي من الآخر.
لكن هذه المرة، لن يجد كثيرًا من المستمعين؛ فالشعب الجزائري أنهكه التكرار، وبدأ يطرح الأسئلة المؤجلة: إلى متى سيبقى الريع بديلاً عن التنمية؟ وإلى متى سيظل العسكر يختطف السياسة باسم الثورة؟ إن لحظة ما بعد القرار ستكون مرآةً للوعي الشعبي الجزائري أكثر مما هي أزمة للنظام، لأن سقوط الأكذوبة الخارجية سيسحب الغطاء عن الأزمة الداخلية.
من الناحية الجيوسياسية، سيؤدي هذا التحول إلى إعادة رسم التوازنات في شمال إفريقيا. فالمغرب يتجه نحو ترسيخ موقعه كقوة استقرار وتكامل اقتصادي إقليمي، بينما ستجد الجزائر نفسها أمام عزلة متزايدة، إذ لن تستطيع إقناع حتى أقرب حلفائها — من جنوب إفريقيا إلى إيران — بجدوى استمرار دعم جبهة فقدت شرعيتها الواقعية.
فالصحراويون أنفسهم باتوا يقرأون التحول العالمي بعين أخرى، ويدركون أن زمن المخيمات انتهى، وأن المستقبل في التنمية لا في الوهم الانفصالي. النظام الجزائري، الذي كان يراهن على ازدواجية المواقف داخل مجلس الأمن، اكتشف أن الدبلوماسية المغربية اشتغلت بذكاء استراتيجي طويل النفس، ربطت من خلاله الصحراء بمنظومة الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة، أي أنها نجحت في جعل القضية المغربية قضية أمن عالمي، بينما فشل النظام الجزائري في تجاوز سرديته الماضوية.
لذلك، فإن مآلاته المستقبلية قد تسلك أحد مسارين: إما أن يختار التكيّف مع الواقع الجديد عبر مراجعة شجاعة لسياسته الخارجية، أو أن يهرب إلى الأمام بالمزيد من التصعيد، وهو خيار يحمل في طياته بذور انهيار داخلي، لأن الحرب مع الواقع لا تُكسب.
في كلتا الحالتين، سيتغير مركز الشرعية، وسيتبدل شكل الخطاب الرسمي الذي سيحاول امتصاص الصدمة عبر شعارات جديدة، لكن دون جدوى، لأن ما حدث ليس مجرد قرار أممي، بل زلزال في بنية الإدراك السياسي للسلطة.
فحين يتحول الحلم إلى كابوس، يفقد النظام مبرر وجوده. قد يطيل عمره عبر أدوات القمع والتخويف، لكن التاريخ لا يرحم من يسبح عكس نهر الوعي. والوعي هذه المرة لم يعد قابلًا للابتزاز، لأن كل شعارات “تحرير الصحراء” سقطت أمام واقع أن الصحراء حُررت فعلاً من أوهامهم.
هكذا تنقلب الدعاية على صانعها، وهكذا ينهزم النظام الذي رفض أن يرى الحقيقة حين كانت واضحة كالشمس فوق رمال العيون والداخلة.
إن القرار الأممي الأخير لم يكن فقط إعلان نهاية نزاع، بل إعلان بداية نهاية نظام فقد البوصلة، لأنه ظن أن الجغرافيا يمكن تزويرها كما تُزوّر الانتخابات. لكن الأرض لا تكذب، ومن لا يصالحها يُدفن فيها.