الجهاد الإلكتروني يقود إلى عولمة الجهاد

باحثون عرب يقرأون الفكر الجهادي الحديث في المدونات الفقهية القديمة والمعاصرة.


معظم التنظيمات الجهاديّة الإسلامية المعاصرة تعتمد على كتابات منظّرين معروفين


أغلب حركات التحرّر العربيّة الوطنية رفعت شعار الجهاد أو هي استلهمته في نضالها ضد الاستعمار

اكتسب مفهوم الجهاد حالياً معنىً يدور حول العنف المسلّح، ويُمارَس باسم المبادئ الإسلاميّة، على الرغم من أن هناك معاني أخرى له ذات صلة بمجاهدة هوى النّفس.  كيف تمت مصادرة مفهوم الجهاد المعنوي من قبل الجماعات الإسلامية، وتجيير معناه لصالح الإرهاب، والاعتداء، وقتل الأسرى والتنكيل بهم، والفساد في الأرض وقتل الأبرياء ... إلخ؟ 
يقدم هذا الكتاب "الجهاد في المدونات الفقهية القديمة والمعاصرة" معالجات مجموعة من الباحثين العرب المتخصصين لقضايا الفكر الجهادي الحديث، متسائلين: أيرتبط الفكر الجهادي بتنظير ابن تيميّة وابن القيّم فحسب، أم له مراجع أخرى؟ وهل صحيح أن الفكر الجهادي الحديث لم ينطلق من فكر ابن تيميّة وإنما من الفكر التكفيري لمحمد بن عبدالوهاب؟
كشف الباحثون عن أن معظم التنظيمات الجهاديّة الإسلامية المعاصرة تعتمد على كتابات منظّرين معروفين لمفهوم الجهاد، منهم: المقدسي، وأبو قتادة، وسيّد عبدالعزيز، وأبو بكر ناجي، وغير هؤلاء كثير. وكتاباتهم تستند إلى مرجعيّة قرآنيّة مستمدة من آيةٍ في سورة التوبة تدعى "آية السيف" نسخَت عشرات الآيات التي تدعو الناس إلى المودة والرحمة والمجادلة بالحسنى وعدم الإكراه في الدين... إلخ. 
كيف حدث ذلك؟ كلنا يعلم أن أغلب حركات التحرّر العربيّة الوطنية رفعت شعار الجهاد أو هي استلهمته في نضالها ضد الاستعمار. لكن كيف ظهرت الحركات الأصوليّة الدينيّة بعد الاستقلال؟ وهل كان لظهور الدولة الوطنيّة الحديثة دور في بروز الحركات ذات الفكر الجهادي؟ كيف استطاع الخطاب الجهاديّ الإلكترونيّ أن يعولم الجهاد في شكل نشاط فعال على شبكة الإنترنت، حيث تمكن من أن يجند الأنصار من كل بقاع الأرض، ويقنعهم بمعارك خارج أوطانهم؟

البحث في الأسباب الاجتماعيّة لارتفاع وتيرة الأعمال الجهاديّة واستمرار جاذبيّة الجهاد على الرغم من حملة مقاومته الإعلاميّة والعسكريّة

سعي الباحثون المشاركون في الكتاب - الذي أشرف عليه الباحث د. بسام الجمل وقدم له الباحث د.أنس الطريقي - إلى قراءة هذا الفكر الجهادي من عدة زوايا، وقد أشار الطريقي في مقدمته إلى أن "مفهوم الجهاد هو من أكثر المباحث التي استقطبت اهتمام الإسلاميّين المعاصرين كتابة وتنظيراً، فتحوّل عندهم إلى نظام معرفي يستمدّ مشروعيّته من تأويلهم للتوحيد، ويبدأ من جهاد النفس ليشمل البُعد المدنيّ والاجتماعيّ وصولاً إلى جانبه الحربيّ القتاليّ. 
وقال: لئن تجسّدت تنظيراته "الجهاديّة" المتطرّفة مع أبرز منظّري التيّار السلفيّ الجهاديّ كأبي مصعب السوريّ (1958)، وأبي محمّد المقدسيّ، وأبي قتادة الفلسطينيّ، والسيّد إمام بن عبدالعزيز الشريف المصريّ (1950)، وغيرهم، فإنَّه يجد أصوله في شجرة سلاليّة تعود إلى مفهومه الفقهيّ الأوّل في المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة. 
وعلى هذا النحو يمكن تتبّع حلقات هذه السلسلة عبر مسارين تأويليّين لمفهوم الجهاد: يعود الأوّل ذو التأويل الحربيّ القتاليّ إلى الشافعي والطبري وصولاً إلى ابن تيميّة، فإلى تحييناته المعاصرة مع سيّد قطب وأبي الأعلى المودودي، فإلى أيمن الظواهريّ ومن جاء بعده من منظّري السلفيّة الجهاديّة، وأمّا الثاني ذو التطوّر السّلميّ، فأصوله تعود إلى الإمام مالك وصولاً إلى محمود شلتوت ومحمّد أبي زهرة وغيرهما. 
ودون توخّي زاوية نظر معياريّة تفاضليّة تنافي منطق البحث العلميّ، يسمح هذا التقسيم على اختزاليّته الضروريّة بتبيّن موجّهين أساسيّين لمفهوم الجهاد في مساره التأويليّ الإسلاميّ. وفي سياق المشروع الكلّي التفهّميّ  المؤطّر لهذا الملفّ فإنَّ مدار الاهتمام هنا أيضاً هو التأويل القتالي الرّاهن لمفهوم الجهاد، بوصفه التأويل المحمّل مسؤوليّة الإرهاب ونبذ التعايش. 

كيف ظهرت الحركات الأصوليّة الدينيّة بعد الاستقلال؟
قراءة الفكر الجهادي من عدة زوايا

وأكد الطريقي أن ذلك يجري عبر توزيع مراكز الاهتمام على ثلاثة شواغل: أوّلها شاغل التعرّف، الذي يقصد منه التعرّف على مضمون مفهوم الجهاد عند الجماعات الجهاديّة الرّاهنة، وذلك بشرح دلالته، وتفكيكه إلى مقولاته الفرعيّة من قبيل جهاد الدفع وجهاد الطلب، وما يدخل تحتها من معاني الكفر والردّة، وتحليل النسق الذي تنتظم فيه هذه المدلولات وتكتسب منه معناها، والحفر فيها لكشف أصولها أي مرجعيّاتها المعلنة والضمنيّة. وبهذه الصورة يجمع شاغل التعرّف منهجيّاً بين التفكيك للمضامين، والتحليل للأنساق التي تحتويها، والحفر في المرجعيّات التي تموّلها. 
وأمّا الشاغل الثاني، فهو شاغل التقييم. وهو ينكبّ أوّلاً على تقييم التأويل في ذاته، من جهات إمكانه الدلاليّ اللّغويّ الاشتقاقيّ، وسلامته النظريّة النسقيّة من التعارض الداخليّ، وثانياً بوجهة نظر مقارنيّة أي مقارنة بالأصول الإسلاميّة في القرآن والسنّة، والنّصوص الثواني. فأمّا الشاغل الثالث، فهو شاغل التجاوز وتأسيس البدائل والبناء، فهنا ينظر في المداخل الممكنة لتحويل الجهاد إلى مبدأ دافع للخلق والإبداع والتعايش. وعلى أساس هذه الشواغل الثلاثة، وفي تقاطعها، كتبت مجمل موادّ هذا الملفّ. 
في قسم البحوث، انشغل الباحث المنجي الأسود في بحثه "النصوص التأسيسيّة لمفهوم نظريّة الجهاد المعاصر" بتأكيد تاريخيّة التنظير القديم والمعاصر للجهاد في الإسلام، من خلال متابعة التدرّج الحاصل في تأويل المفهوم منذ ظهوره في آيات القرآن. مبيّناً أنَّ المفهوم في مظانّه القرآنيّة نفسها كان مفهوماً تاريخيّاً استجاب لمعطيات تاريخه وشروطه. 
وركّز الباحث في القسم الثاني من بحثه على بيان الخروج التأويليّ الذي مارسته النّصوص الجهاديّة المعاصرة على المعنى البكر للجهاد في القرآن، بآليّات الوساطة والانتقائيّة، التي جعلتهم يتبنّون تأويله المطوّر من قبل ابن تيميّة، وابن القيم، وابن عبدالوهاب. لقد انزاح جميع هؤلاء عن المقصود بالجهاد في القرآن، عن طريق توسيع مجاله لكلّ من يخالف العقيدة الواسطيّة التيميّة. 
واهتمّت الباحثة فوزيّة الفرجاني في بحثها الموسوم بــ "الإرهاب المشرعن: دراسة في التأويل القتالي للجهاد، كتابات عبدالقادر بن عبدالعزيز منطلقاً" بآخر تحيينات مفهوم الجهاد القتاليّة التي رسّمته في معنى الإرهاب، ممثّلة هذه التحيينات في كتابات منظّر تنظيم الدولة الإسلاميّة بالعراق والشام عبدالقادر بن عبدالعزيز. إنَّ ما يميّز هذا التنظير هو أنَّه شرّع التسوية بين الجهاد والإرهاب، وتبنّاها بالتأكيد على الدور الإرهابي المقصود للجهاد. وقد قامت الباحثة بشرح النسق الفكريّ للمفهوم في هذا التنظير، وتبيّنت خلفيّاته ومراجعه، وعرّضته للتقييم فكشفت حدوده التأويليّة ومزالقه النظريّة والعقائديّة. 
واعتنى الباحث محمّد سويلمي في بحثه المعنون بــ "الخطاب الجهاديّ الإلكترونيّ وعولمة العنف المقدّس" بظاهرة الجهاد الإلكتروني بوصفها التعبيرة الأخيرة عن عولمة الجهاد، في شكل نشاط شبكيّ منزوع السياقات المجاليّة والثقافيّة، قادر بفعل هذه الوسيلة على تعميم نوع من المتخيّل السياسيّ الكونيّ الطامح إلى استنشاء الأمّة الأسطوريّة المثاليّة. فبحث في أصول هذه الظاهرة في تحوّلات العولمة، وفكّك آليّات خطابها الشبكيّ، ورهاناته، وتحوّل الخطاب الدينيّ من خلاله. 
أمّا الباحثة زينب التوجاني، فقد وجّهت اهتمامها في بحثها "فتاوى الاستئصال، بين قتال عاد، ومباهلة الطوفان" نحو الكشف عن حقيقة بنية ميثيّة كامنة في كلّ ذهن بشريّ، تمثّل أساس السنّة الثقافيّة الإسلاميّة، وتتولّى في كلّ دورة من دورات التاريخ الشرعنة لمفهوم الجهاد بمعنى القتل. من هذا الباب طرقت الباحثة فتاوى الاستئصال المعاصرة باعتبارها امتداداً لمفهوم الاستئصال القرآنيّ، وآخر تحييناته الرّاهنة، فبحثت في عناصر هذه البنية الميثيّة، ووظائفها، وذلك بالتركيز على ما يُسمّى في الأدبيّات الجهاديّة عند تنظيم القاعدة بفتوى قتال عاد، وفي أدبيّات تنظيم داعش بمباهلة الطوفان. 
ومقابل ما ذهبت إليه زينب التوجاني، أقام الباحث الشيخ التجاني أحمدي بحثه "مفهوم الجهاد بين النصّ القرآنيّ والأنساق الفكريّة المتطرّفة، دراسة في المفاهيم والأسباب والمبادئ" على تمييز أساسي يبرّئ فيه القرآن من تأويلات الجهاد القتاليّة العنيفة في العقل السلفيّ الجهاديّ. ولهذا خصّص بحثه للتفريق بين دلالة الجهاد في القرآن المرتبطة بالإخلاص للّه، ودلالته الحربيّة المرتبطة بالدولة عند الجهاديّين.

مفهوم الجهاد عند الجماعات المتطرّفة مفهوم مركّب بفعل التركيب الذي في التاريخ الرّاهن، ففيه نعثر على أسباب تأويليّته العنيفة لا في القرآن

ومن جهته تناول الباحث أحمد زغلول مفهوم الجهاد في بحثه "الجهاد بين التراث الفقهيّ والتكييف التنظيميّ، دراسة في واقع الممارسات الحركيّة للإخوان المسلمين" من منظور باحث عن المبدأ الأوّل الموجّه للإسلام الحركيّ، هل هو الفكر أم الممارسة؟ وكشف من خلال متابعة مسار حركة مفهوم الجهاد عند جماعة الإخوان المسلمين أنّ ما يحكم سلوك الإسلام الحركيّ هو التوتّر القارّ بين التنظير والممارسة الواقعيّة. 
وبمنطق الباحث عن وسائل التصدّي والمواجهة دعا الباحث إسماعيل نقّاز في بحثه "مراجعات نقديّة لمفاهيم الجهاد، والتعدّديّة الدينيّة، دراسة في الخطاب الفقهيّ والسياسيّ" إلى مراجعة التراث الفقهيّ والسياسيّ الذي يستند إليه الفكر المتطرّف الرّاهن، بحسب أهداف اللّحظة الرّاهنة التي يحصرها في التعدّديّة والتعايش. هذه هي فرضيّة مقاومة هذا الفكر التي يقترحها هذا البحث، وينجزها عبر مواجهة مفهوم الجهاد في الفكر المتطرّف، بتأويله من منظور مطلبي التعدّديّة والتعايش، ليكشف كلّ سوءاته النظريّة والتطبيقيّة التي انطلقت من كتب الفقهاء الأوائل. 
 أمّا في قسم القراءات في كتب، فقد توغّل الباحث المنجي الأسود مع الكاتب البحريني علي أحمد الديري في كتابه "نصوص متوحّشة، التكفير من أرثوذوكسيّة السلاجقة إلى سلفيّة ابن تيميّة" إلى التراث الإسلاميّ القديم للبحث عن النّصوص المؤسّسة للتوحّش المعاصر، استناداً إلى فرضيّة أنَّ آليّة  إنتاج التكفير فيها ناتجة عن تحالف رجل الدولة ورجل الملّة. هكذا كانت الحال مع أبرز كتّاب هذه النصوص في نظره في التاريخ الإسلاميّ، وهم ثلاثة في هذا الكتاب: الغزالي، وابن تومرت، وابن تيميّة.  
ومن جهته اقترح أحمد زغلول قراءتين في كتابين مختلفين، يهتمّان بظاهرة الجهاد من زاويتين: تطوّريّة، وأخرى سوسيولوجيّة، فرصد في الأولى تطوّر مفهوم الجهاد في الفكر الإسلاميّ من خلال قراءته لكتاب محمود محمّد أحمد، "تطوّر مفهوم الجهاد في الفكر الإسلاميّ المعاصر". واهتمّ في الثانية بالبحث في الأسباب الاجتماعيّة لارتفاع وتيرة الأعمال الجهاديّة واستمرار جاذبيّة الجهاد على الرغم من حملة مقاومته الإعلاميّة والعسكريّة. 
وفي قسم الحوارات، كانت خلاصة الحوار الذي أجري مع الأستاذ محمّد الرّحموني في توصيته بضرورة الوعي بأنَّ مفهوم الجهاد عند الجماعات المتطرّفة مفهوم مركّب بفعل التركيب الذي في التاريخ الرّاهن، ففيه نعثر على أسباب تأويليّته العنيفة لا في القرآن. 
وفي قسم الترجمات، تكفّل الباحث عبدالمجيد يوسف بتعريب مقال مكرم عبّاس المعنون بـ "الحرب في الإسلام" يتبنّى فيه فكرة أنَّ مفهوم الجهاد في القرآن كان مؤسّساً لرؤية جديدة للحياة عند العرب، تجذّرهم في فلسفة قويّة للعمل، قائمة على البذل الكثيف للطاقة، وأنَّ التنظير الفقهيّ القتاليّ للجهاد كان منسجماً مع الإيبستميّة الموجودة آنذاك في الفكر المسيحيّ، وكان جهاداً بيد الدولة ومن أجلها. ولكن بداية من سيّد قطب حدث المنعرج العنيف لمفهوم الجهاد.