الروائي النرويجي يان غرو يحكي تحديه للإعاقة في 'أعيش حياة مثلك'
تم تشخيص إصابة الروائي النرويجي يان غرو بضمور العضلات الشوكي في سن الثالثة. وهنا في كتابه "أعيش حياة مثلك" يروي كل ما مر به في مراحل حياته المختلفة - شبابه مع والديه وأخته في النرويج؛ سنوات دراسته في بيركلي في الولايات المتحدة، وسانت بطرسبرج، وأمستردام؛ وحياته الحالية كأستاذ وزوج وأب - يمزج هذه الذكريات بتأملات أنيقة وحكيمة بشكل مدهش حول العالم، والهياكل الاجتماعية، والإعاقة، والخسارة، والعلاقات، والجسد: باختصار، حول ما يعنيه أن تكون إنسانًا. وعلى طول الطريق، يتحرك غرو دون عناء بين قصته وقصص الآخرين، متضمنًا تأملات حول الفلسفة والأفلام والفن وأعمال الكتاب من جوان ديديون إلى ميشيل فوكو.
يقول غرو "أنا لا أتحدث عن البقاء على قيد الحياة. لا أتحدث عن أن أصبح إنسانًا، بل عن كيف أدركت أنني كنت إنسانًا منذ الأزل. أكتب عن كل ما تمنيته، وكيف حصلت عليه. أكتب عن تكلفته، وكيف استطعت تحمله".
إن جان غرو في كتابه الذي ترجمه محمد عبد العزيز وقدم له إسلام وهبان، وصدر عن دار العربي، يجعل من الكتابة بمثابة رحلة للبحث عن حياة حقيقية.. حياة رغم صعوبتها إلا أنه قادر على التحكم في إعادة صياغتها، فأنت أمام محاولة جادة لمواجهة الذات وفهمها ومن ثم مواجهة العالم ومحاولة ترويضه، فأنت أمام طالب على كرسي متحرك وصل إلى أرقى المناصب الأكاديمية وسافر إلى مختلف دول العالم ولديه أسرة مميزة مكونة من زوجة وطفل وسيم، ولكن لم تكن هذه الرحلة بهذه السهولة.
إن جميع أجسادنا قابلة للفناء، والألم، ومُعرّضة للانقراض، لكن جسد جرو أشدّ هشاشة وضعفا، وهو يدرك ذلك تمامًا أن جسده، يشير في مذكراته "لا أنا خارج الذات المتجسدة ولا أنا بمعزل عن الجسد". إن غرو لا يمكنه المشي أكثر من بضع خطوات، قدميه ملتوية، جسده ضعيف، يستخدم كرسيًا متحركًا، يحتاج دائمًا إلى المساعدة، غالبًا ما يتألم ألما غير مدروس بالنسبة لمعظمنا (النهوض من الكرسي، وارتداء الملابس، وإعداد وجبة، والذهاب إلى متجر) حتى في ظل وجود تخطيط مثل هذه الأمور يظل الأمر عملا مؤلما بالنسبة له. فماذا، إذن، عن المرور عبر الأبواب، وصعود السلالم، ودخول الطائرات؟ كيف يذهب إلى الكلية، ويقيم علاقات، ويقع في الحب، وينجب طفلاً، ويعيش الحياة التي يريدها في عالم يضع العقبات، في كثير من الأحيان حرفيًا، في طريقه.
وعلى الرغم من كل ذلك فإن جرة يقدم في كتابه قصة حب زاخرة بالفقد والحزن والفرح، حيث نعيش كل تفاصيل حياة تحتفي بالألم كما تحتفي بالحب: حبيبة تدفع جرو في المطار ثم تنساه عند نقطة استلام الأمتعة؛ زملاء مدرسة يشكلون سلسلة خلف كرسيه المتحرك على الجليد في يوم شتوي؛ والداه يكتبان رسائل يائسة بحثًا عن علاج مناسب لابنهما؛ ابنه الصغير يصعد إلى حضنه وهو جالس على كرسيه المتحرك، ليقفز ويهرب مسرعًا ليلحق به. إنها قصة عن تقبّل الجسد وحدوده، تعلّم حب الحياة والبقاء منفتحًا على الأمل.
ومن جانب آخر أكثر عمقا فإن كتاب "أعيش حياةً مثلك" ليس سردًا للمعاناة والحرمان، ولا قصةً مُخلِّصةً عن النجاة في وجه الصعاب. إنه بحث ذكيٌّ باهر، وعميقٌ في الذات، لما يعنيه أن تكون مُعاقًا ومختلفًا بشكلٍ واضح. إنه يصف ببراعة "عملية أن أكون أنا في هذا العالم"، متأملًا في معنى أن تكون إنسانًا، ومعنى أن تكون وحيدًا ومليئًا بالأمل والشوق والحب.
يذكر أن يان غرو وُلد عام 1981 في أوسلو، وهو روائي يكتب للكبار والأطفال كما أنه دارس أكاديمي، وهو أيضًا أستاذ البحث النوعي في جامعة أوسلو.
مقتطف من الكتاب
ذهبت إلى أخصائي العلاج الطبيعي لعمل بعض تمارين الإطالة لذراعي ورجلي، لأنه من مصلحتي فعل هذا، أن أؤدي ببعض التمارين حتى أشعر بالألم، للتحقق من أن التقلصات في عضلاتي لن تزداد سوءًا. كان ذلك في الثمانينيات. ولا تنطبق مبادئ هذا الوقت وأفعاله الآن.
كنت طفلًا غاضبًا، وما زلت غاضبًا، كان مصدر سخطي في ذلك الوقت؛ أن يعرف شخص آخر ما هو الأفضل لي، أو ما أحتاج إليه، إنهم أناس أكبر مني فحسب، شبه غرباء، لا أستطيع التخلص من وجودهم.
لا يزال هذا هو مصدر سخطي؛ النيات التي لا أستطيع أن أعتبرها جيدة، وغير قادر على قبولها إلا كشكلٍ من أشكال الرغبة في التمتع بالسلطة، والرغبة في السيطرة. كنت طفلًا لا يُترَك وحده أبدًا.
أن تكون طفلًا يعني أن تكون غير واعٍ بخصوص نفسك، وأن تكون متحررًا من أغلال هذا العالم. الوجود في عيون الآخرين هو أن تكون مرئيًّا، أن يقدر المرء على رؤية الذات من الخارج يعني أن يتحكم المرء في نفسه.
ماذا كان يفعل الطفل طوال اليوم؟ لا شيء، هذا هو الجواب عن سؤال الكبار. لهذا السبب لا يستطيع الطفل فعل أي شيء، بينما الكبار يراقبونه. وكذلك المرء لا يستطيع أن يفعل شيئًا وهو مُراقَب من شخص آخر.
نظرة الآخرين ـ الكبار - تجعل الوقت محددًا أكثر، يُوضَع كل شيء في إطار صارم، الساعات التي تُقضى في المدرسة، ووقت الفراغ؛ الذي يصبح وقت انتظار، أظل أتحرك فيه بين المكتب والحائط، أسحب كتابًا من فوق الرف. أجلس إلى المكتب. أحدق عبر النافذة. الدقائق تمر ببطء حتى تظن أنها لا تمر.
حلم أن تكون غير مقيد بالعالم. حلم أن تكون حرًّا.
***
هل أُضفي طابعًا رومانسيًّا على الأشياء الآن؟
هل يوجد أطفال في مكان ما في العالم لا يراقبهم الكبار؟ أطفال يعيشون بسعادة، بلا قيود؟!
بالطبع أنا أضفي طابعًا رومانسيًّا على الأشياء.
أكتب عمَّا حلمت به حينها، وما زلتُ أحلم به حتى اليوم؛ حرية مطلقة في الحركة. أن أعيش بعيدًا عن قيود اللغة، بعيدًا عن قيود الجسد.
كنت أحيانًا أدخل هذه الغرفة، هي مساحة خاصة بالنسبة لي فحسب، وهي تجربة الغوص في الماء.
كنت أذهب مع عائلتي كل يوم سبت إلى "بيرج جارد"؛ وهو مركز اجتماعي بشمال أوسلو.
كان هناك حمام سباحة دافئ المياه في الطابق السفلي، وكان صباح يوم السبت هو موعد زيارتنا لهذا المسبح، لأكون حرًّا وأتصرف براحتي.
لم يكن عليّ أن أقلق في هذا المسبح بشأن السقوط أو التصرف بجنون، لم أكن سباحًا جيدًا، لكني كنت أضرب المياه بطريقةٍ هزلية. ما زلتُ أتقن هذا. كنت وقتها - وبينما أنا جالس وسط المياه الدافئة - أشعر براحةٍ كأنني أجلس في المنزل.
كنت خفيفًا بما يكفي للقفز في حمام السباحة في "بيرج جارد"، وقويًّا بما يكفي للوقوف على قدمٍ واحدة، وخفيفًا بدرجةٍ كافية للتحرك في المياه. هناك بالفعل أكون حرًّا.
ما إن أصبحت أذهب إلى المدرسة، كنت أذهب إلى هذا المسبح، بينما يذهب الآخرون إلى فصل الألعاب الرياضية، ثم اتخذت هذه الزيارات منحًى أخرى.
حيث إنني لم أكن الطفل الوحيد الذي يجري توصيله إلى حمام السباحة في حافلة صغيرة. كان هناك طلاب آخرون أيضًا، وأطفال من الفصول الخاصة، أطفال كانوا مختلفين حقًّا، مختلفين عني؛ هؤلاء الأطفال يسيل لعابهم ويصيحون وينتحبون.
أطفال لا يمكن أن أكون مثلهم، لا يمكن أن يكونوا مثلي، لا يمكن لأحد أن يعتقد أنني كنت مثلهم، أليس كذلك؟
كان هذا شكلًا جديدًا من السخط، وخبرة أخلاقية جديدة اكتسبتها.
حتى الشخص الضعيف قد يحتقر الضعف!
***
من كلمات الأكاديمية الأمريكية "روزماري جارلاند تومسون" "Rosemarie Garland"، وهي أستاذة للغة الإنجليزية بجامعة "إيموري" بولاية "جورجيا" بأمريكا:
"تكمن المشكلة في كيفية التحديق في الفضوليين كما يحدقون بنا".
"كاليفورنيا" عبارة عن مكان تعلمت فيه لغة جديدة. سافرت إلى هناك لأول مرة في عام 2005، ومنذ ذلك الحين عُدتُ إليه عدة مرات؛ لأنه المكان الذي يمكن أن أذهب إليه للتفكير، ويمكنني فيه تأمل نفسي.
بدأت أدرك الماضي الذي كنت عليه، كتبت "روزماري جارلاند تومسون" عن التجربة المشتركة المتناقضة المتمثلة في كونك شخصًا مختلفًا: "هناك أشخاص مختلفون عنا، ونحن نعرف ذلك".
عندما كتبت لأول مرة عن هذه الأشياء، كنت زميلًا باحثًا. أردت أن أفهم نفسي، ولكن من مسافة آمنة. اعتمدت على الكتب والمراجع الأكاديمية.
وجدت أرضية مشتركة وزمالة، في أثناء المقابلات التي أجريتها مع أشخاص من مجموعة متنوعة من المؤسسات المختلفة، أشخاص ذوي أجسام مختلفة جدًّا، ومشكلات مختلفة، وأمراض مختلفة. كانوا يعرفون من هم في العالم، ومن الذين يشبهونهم.
قال أحدهم: "لا أحد يريد أن يتعرف إلى هذا الجزء من الواقع".
لكن بعضنا ليس لديه حل آخر. نحن نرى أنظار الآخرين موجهةً إلينا.
ظل "مارك أوبراين" مستخدمًا الكراسيَّ المتحركة حتى وفاته؛ ما زلتُ أنا أستخدم الكراسي المتحركة، وسأظل كذلك ما دمتُ على قيد الحياة. كنت أنا ومن أقابلهم نشترك أيضًا في الضعف.
أن تكون ضعيفًا يعني أن تخضع لإرادةٍ شيء آخر، أو شخصٍ آخر، أو مؤسسةٍ، ولكن يجب أيضًا أن تكون مرئيًّا للآخر، وأن تكون - كما يقولون - خاضعًا لنظرة الآخرين.
هذا ما تقوله "روزماري جارلاند تومسون" عندما تكتب عن التحديق، أو نظرة الآخرين إلينا.
أن يُنظر إليك، ويُحدق فيك، هذا يتسبب بتطوير شعور خارجي بالذات وتشكيله، وهو الشعور الذي دائمًا ما يتناسب مع توقعات البيئة المحيطة. أي كيف ينظر إليك من حولك؟.