الرواية بين الروائي والقارئ
الرواية مكان لقاء بين خيالين: خيال المؤلف وخيال القارئ، وطرق هذا اللقاء معقدة وهي جزء من المتع الفريدة التي يولدها الأدب. الرواية التي لا تُقرأ هي مجرد ورق. فقط عندما يمسك القارئ به ويمزج خياله مع خيال المؤلف فإنه ينبض بالحياة.
الرواية ابنة المؤلف والقارئ، إلا أنهما مثل الزوجين المطلقين، لا يعيشان معا ولا يتواصلان كثيرا، ويمكن أن يكون لهما آراء مختلفة جذريا حول النص. ولإعادة النظام إلى ما يمكن أن يكون فوضى، هناك عقد أخلاقي بين الروائي والقارئ، وهو عقد غير مكتوب ولا منطوق.
الجزء الأول من هذا العقد هو أنه لضمان أقصى قدر من متعة القراءة، يتعهد الروائي والقارئ بإظهار حسن النية في تقديم العمل.
بالنسبة للروائي، يتعلق الأمر بوضع أوراقه على الطاولة فيما يتعلق بنواياه، حتى يتمكن المشتري المحتمل من توجيه اختياراته في القراءة مع المعرفة الكاملة بالحقائق. وهذا يعني أنه إذا رأى أنه من المناسب وضع عمله في نوع ما -كالرواية البوليسية مثلا- فيجب أن يكون المحتوى بالفعل في هذا النوع. إذا قمت بتسويق روايتك باعتبارها رواية بوليسية خالصة وبعد خمسين صفحة تظهر عناصر تدل على نوع آخر، فهنا تكون قد خدعت القارئ الذي كون وقت الشراء فكرة خاطئة عما تقدمه له.
الشيء نفسه ينطبق على لهجة الرواية. إذا وعدت بالفكاهة، فسيكون من غير المناسب أن تبدأ فجأة، في منتصف القصة، حبكة تتمحور حول الحداد إلى درجة تفسد الجو بشكل لا يمكن إصلاحه. يجب أن يتوافق الأسلوب أيضا مع ما وعد به.
في الأساس، يتجسد مبدأ حسن النية هذا إلى حد كبير في الملخص الموجود على الغلاف الخلفي. بالطبع، لا يمكنه التطرق إلى جميع جوانب الرواية، لكن يجب أن يعكس العمل، مثل صورة مصغرة، لدرجة أنه عند قراءته، يحصل القارئ على صورة صادقة عن نوع الرواية التي يتعامل معها.
وأين المفاجآت في كل هذا؟ هل يتعارض مبدأ حسن النية مع التقلبات التي تعدل -دون سابق إنذار- طبيعة العمل لتجعله ينحرف نحو جنس آخر، أو أسلوب آخر؟ على سبيل المثال، هل من الممكن، بعد بضع عشرات من الصفحات، قتل الشرطي الذي اعتقدنا أنه بطل رواية بوليسية من أجل التركيز على مغامرات رجل العصابات الذي قتله؟ الجواب هو نعم، ولكن من الناحية العملية يواجه الأمر مسألة تفسير:
في الأساس، يتعلق الأمر بقياس الفرق بين المفاجأة والخيانة. إذا كنت سأقيم حفلة عيد ميلاد لصديق، وأريد أن أفاجئه، ما هو مستوى الخداع المقبول لإبقاء الأمر سرا حتى النهاية؟ ستكون الإجابة مختلفة من شخص لآخر، لكن من المفيد أن تسأل نفسك السؤال وتستخلص النتائج. وهكذا، فإن الحقيقة البسيطة المتمثلة في الإيحاء في وصف الرواية بأن "الأشياء ليست كما تبدو" أو أن "حدثا غير متوقع سيقلب حياة الشخصية الرئيسية رأسا على عقب"، يمكن أن يقود القارئ إلى الشعور بأن القصة ستتضمن تطورا في الموقف رغم أنه لا يستطيع تخمين طبيعته. وقد يكون هذا الاحتياط كافيا للوفاء بجزء المؤلف من العقد.
ومن ناحية القارئ، فإن حسن النية يتخذ شكلا مختلفا. الأمر ببساطة هو الموافقة على تلقي الرواية التي يقرأها وفق شروطها. يتطلب الخيال لكي ينجح، أن يوافق القارئ وهو يحمل الرواية بين يديه على اعتبار الأشياء التي يعرف أنها كاذبة، حقيقية في عالم الرواية. وهذا ما يسمى بتعليق عدم التصديق، وهو أحد الآليات الأساسية التي ينبغي على القارئ أخذها بعين الاعتبار.
إن إظهار حسن النية، بالنسبة للقارئ، يعني، على سبيل المثال، قبول أنه في المشاهير الخمسة للكاتبة إنيد بليتون، يبدأ المراهقون تلقائيا في التحقيق مع كلبهم بخصوص حالات الاختفاء التي تحدث في منطقتهم دون تدخل الشرطة أو والديهم. عند الشروع في قراءة الرواية، يجب على القارئ قبول قواعدها الضمنية.
وهذا لا يعني تخلي القارئ عن التفكير النقدي. نعم، من الممكن أن نتعثر في تناقضات تخرجنا من القصة. ومع ذلك، يجب أن يكون القارئ قادرا على إدراك أن الأدب هو في الأساس خدعة سحرية تتكون من جعل الناس يعتقدون، من خلال سلسلة من الحيل، أن الرموز المكتوبة باللون الأسود على ورق أبيض هي كائنات من لحم ودم، قد تحدث لها كل أنواع الحوادث المفاجئة والمؤسفة، بل والتي تستعصي على التفسير.
في رأيي، إن وظيفة القارئ ليست قبول كل ما يُعرض عليه دون تحفظات، ولا تبني موقف عدائي هدفه الوحيد تتبع كل التناقضات الحقيقية أو المفترضة. حسن النية يعني أيضا العثور على مكانه الصحيح في وسط كل هذا.
والجزء الآخر من العقد الضمني بين القراء والمؤلفين هو، كما قلت أعلاه، إدراك أن الرواية هي مساحة من الخيال المشترك بين الاثنين.
تصور الرؤية الكلاسيكية للأدب المؤلف باعتباره من يخترع عالما خياليا يكتشفه القارئ بشكل سلبي. في الواقع، هذه الطريقة في النظر إلى الأشياء هي طريقة تبسيطية تقلل إلى حد كبير من أهمية خيال القارئ.
لأنه في الواقع، حتى الوصف الأكثر اكتمالا لن يكون شاملا أبدا. عندما يصف المؤلف مكانا ما، فإنه ببساطة يرتب التفاصيل بطريقة انطباعية، ولكنه يحتفظ بجانب واحد على الأقل ولا يذكره. اقرأ الوصف الأكثر بروستية الموجود في رواية ما على عشرة قراء وستخلق فيهم عشر صور ذهنية مختلفة، لأن كل شخص يكمل ما يقرأه بخياله الخاص وتجاربه وحساسيته.
مسؤولية القارئ هي تخيل ما يحدث بين الصفحات، بين السطور، بين الكلمات. يحدث ألا أجد في كثير من الروايات الغربية المعاصرة ما يكفي من الأوصاف المادية للشخصيات: لذا فالأمر متروك للقارئ أن يتخيلها كما يشاء، طالما أنه يميل إلى تصور هذا النوع من الأشياء. وبفضل خياله أيضا، تكتسب الشخصيات، التي نراها تتطور فقط في إطار الحبكة، عمقها: الأمر متروك للقارئ، أحيانا دون دعم كبير من المؤلف، أن يتخيل أن هذه الشخصية أو تلك -في رواية بوليسية مثلا- لديها حياة خارج التحقيقات، وفواتير يجب دفعها، بل وحياة أخرى، حتى لو لم يتم وصفها صراحة في الرواية.
وعلى الروائي أن يعي هذا الدور المشترك وألا يتجاوز الحدود. على سبيل المثال، عندما قرأت الرواية الثانية من ثلاثية الوصول الجنوبي لجيف فاندرمير والتي تحمل عنوان "سُلطة" Authority، أذهلني ما أعتبره انتهاكا لهذا العقد. ذلك أن إحدى الشخصيات الرئيسية، وهو عالم، يوصف بأنه من أصل آسيوي، على الرغم من أن هذه الجزئية لم تذكر في الجزء الأول من الثلاثية الذي يحمل عنوان "إبادة". بالنسبة لي، من خلال عدم وصف شخصيته، فقد تخلى فاندرمير ضمنيا لي كقارئ عن حق تخيلها، ومن غير المناسب العودة في الجزء التالي لإلقاء الضوء على هذه الجزئية. لأنه منذ ذلك الحين، تتنافس نسختا الشخصية في ذهني.