الرواية تؤلِّفني

الكاتب اللبناني رشيد الضعيف: كنت أظنُّ أنني أؤلِّف كتبي، وإذ بي أنتبه إلى أنَّ كتابي "ألواح" يؤلِّفني، ويوضِّح لي صورتي عن نفسي.


ثمة شيء في الكتابة يشبه الرسالات يجب تبليغه


الكتابة في أحد وجوهها استحضار للذاكرة

قال الكاتب اللبناني رشيد الضعيف: كنت أظنُّ أنني أؤلِّف كتبي، وإذ بي أنتبه إلى أنَّ كتابي "ألواح" يؤلِّفني، ويوضِّح لي صورتي عن نفسي، ويستعيد على طريقته، أحداثًا جرت لي من زمان قد أسهمتْ في "تكويني"، أو يستعيد أحداثًا، من وقت قريب، كوَتْني أو أمدَّتني بفرح مساعد على الحياة بلا منشِّطات. 
كنتُ خادم هذا الكتاب، فرض نفسَه عليَّ. جاءني لا كوحيٍ، بل كضرورة، وقال لي على طريقة المتصوِّفة: يا رشيد، هذا ما أنت عليه وما أنت فيه، ويا رشيد، لا تنتبه إلى نفسك لأنَّك لست أنت من ينتبه، بل من ينتبه هو القدير التاريخ!
أسميتُه "ألواح"، وكتبتُه على لوح إلكتروني (بهذا سُمِّي كمبيوتر اليد المحمول النقَّال الساحر السهل الاستعمال - "الآيباد" وما شابه)، وتذكَّرتُ بالمناسبة أنَّ تعاليم حمورابي الشهيرة حفظت على لوح، والكتب المقدَّسة محفوظة على ألواح.
وقد دوَّنتُ على هذه "الألواح" عددًا من الأحداث التي تطفو على سطح ذاكرتي عند كل تجربة صعبة أمر بها وأضطر إلى عيش صعوبتها، فكلما مررتُ بتجربة "مهلكة"، طفَتْ على سطح ذاكرتي أحداث بعينها دوَّنتُها، وكان هذا الكتاب الذي حرصت على أن أبنيه كرواية من حيث وحدانية مبدئه الضابط لمختلف الفصول التي تشكِّله.
وأضاف الضعيف في شهادته الأدبية التي أدلى بها في إحدى جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات": ولدتُ يوم ألقيت القنبلة الذرية على هيروشيما، ولدت إذن لغاية، وولدتُ من أب لم يحسن عملًا، ومن أمٍّ جميلة لكنْ مؤذية ببراءتها، وقد علَّمني جدي الغناء، وسعيت مشيًا على سطح الماء - ماء المحيط - حين نادتني إليها "ناتالي". وثمَّة أحداث لم تحدث، لكنها لو حدثت لكانت حدثت كما دونتها.

وأشار رشيد الضعيف إلى روايته الجديدة "خطأ غير مقصود" تندرج في هذا السياق أيضًا. وتساءل: ما "حصَّتي" إذن في الرواية التي أكتبها؟ وما دوري فيها؟
أما الكاتبة المصرية منى الشيمى فتعترف في شهادتها الإبداعية أن "الكتابة قلق داخلي"، وقالت: لم أعد أعتقد كما كنت سابقا أن قراري البدء بكتابة القصص كان نتيجة حالة من الزهق! أو نتيجة التمرد على وضعي كامرأة صعيدية كل مهمتها البقاء في البيت، حتى إيماني بأن الكتابة كأي هواية تفرغ شحنات داخلية من القلق، وتخلف الإنسان راضيا مندمجا في باقي جزئيات حياته لم يعد كذلك، الكتابة قلق داخلي يموج، لا يصلح لإفراغه أعمال الكروشيه أو إتقان الطبخ.
وتضيف: ثمة شيء في الكتابة يشبه الرسالات يجب تبليغه، ربما امتهن الكتابة دخلاء، راقهم أن يكتبوا من أجل الشهرة، وخلت كتاباتهم نفسها من أية قيمة، لا أقصد أن يحمل الأدب رسالة أخلاقية، فالإبداع من وجهة نظري لا يجب أن يكون كذلك، لكن الكاتب الحقيقي يهمه أن يكتب بهدف تبليغ الآخرين أمرا ما، حتى إذا كان هذا الأمر هما شخصيا، والكاتب الحقيقي بإمكانه أن يحفر قناة لتخرج المعاناة الخاصة وتمتزج بالمعاناة الكلية، الكاتب أداة تعبر عن معاناة الآخرين، والروائي يؤرخ لخطوات الإنسان منذ نشأ على هذه الأرض!
وتوضح الشيمي أنها لم تتوصل في البدايات لهذه القناعة، وتقول: كنت أظن أن الكتابة حرب باردة، أشنها على عادات وتقاليد المجتمع، الذي يستخدم خطابين عند التوجه بالحديث عن المرأة، وتجده في الخطاب الرسمي يكرمها، ويضعها في مكانة عالية، بل يقول إن احتجاز المرأة بين الجدران نوع من الحماية، يتشدق بأنه يمنحها كافة حقوقها، ويغدق عليها من الحنو ما لا تستطيع المكاييل وزنه، لكن الواقع أن المجتمع يقسو عليها، بل لا يعترف في تاريخه بوجودها أصلا إلا في حالات نادرة! 

Cairo forum for creative fiction
لدي إيمان بوحدة الكون 

وتضيف: إذا اعتبرنا الحاضر والمستقبل هما الأمل، الماضي هو الذاكرة، ذاكرة الشخص جزء من الذاكرة الجمعية، التي تظل موجودة، ربما ليس داخل الدماغ بل تظل تتردد كأصداء في الكون، وتلتقطها موجاتنا إذا كنا ننمي ملكة التواصل، في الأحوال العادية، وعلى المستوى الفردي، ثمة أحداث جديدة تستفز القديمة فتستحضرها
وترى الشيمي أن الكتابة في أحد وجوهها استحضار للذاكرة، ليس مهما الأحداث التي تخصنا، بل المعارف والخبرات، وتقول: ليس لدي شك في أن كل منا لديه ذاكرة ترجع لملايين السنين، لدي إيمان بوحدة الكون وبالتالي وحدة الوعي الجمعي، إذا لم تكن حقيقة فهي قناعاتي.
وتشير إلى أن فعل خلق الشخصيات والأحداث يجعلك تغربل أفكارك، يجعل ما تبقى منها يتبلور ويبرز أمام عينيك. وتؤكد أنه مع الكتابة أنت لا تصنع شخصيات خيالية فقط، بل تصقل جوهرك وفكرك، قد يبدو العمل الإبداعي هو الثمرة الوحيدة للكتابة، لكن تخليك عن محيطك الاجتماعي، وحصره في حيز ضيق، واحتساء طنا من القهوة، وقضاء ساعات لتأمل الأفكار التي ستطرحها، وخلق المنطق الذي يحكم تصرفات شخوصك، كل هذا لن يخلفك كما كنت، بل سيعد إنتاجك من جديد، وقد يصيبك الإدراك بتداعيات، أولها أن ترى الماوراء، وأقلها أن تشعر بالاغتراب بين الآخرين!
وتوضح منى الشيمي في شهادتها أمرا آخر، هو إحساس الإنسان الكاتب بحقه في الحرية، ربما، وأقول ربما، إن لم ينطبق هذا الاستنتاج على الآخرين فهذا ما حدث معي، لأنني بعد خلق بضع شخصيات، رسمتها "قليلة الحيلة" ومستلبة في البداية، ثم ببعض المواجهة والاحتشاد صارت قوية تمتلك زمام نفسها، شعرت أنني مثل بطلاتي، من حقي الحصول على حريتي غير منقوصة، ولو بكثير من المعارك. الالتباس الذي تحدثه عملية خلق الشخصيات الروائية وإدارتها، يجعل الخيال امتدادا للواقع، تخرج بعدها إلى المجتمع بشخصية شحنتها بالكثير من القوة.