الرواية تستحوذ على جماليات جميع الفنون

أحمد علي الزين: أنا موسى أبحث عن قطيعي الذي لهوت عنه في انتظار صوت سماوي، فأشار بعصاه نحو البعيد، هناك، قال: سمعت طنين جرس وثغاء.


جمال مقار يؤكد أن كل رواية هي رواية تاريخية بمعنى من المعاني، لأنها تتضمن وقائع حياة شخوص ومدن وأزمنة وصنوف من الأحداث


حمدي الجزار يوضح أن الرواية المعاصرة لم تكتف بحدودها كجنس أدبي له شكله الفني الخاص


ريم بسيوني تستعرض مشكلات الترجمة من خلال رواياتها: "بائع الفستق"، و"أشياء رائعة"، و"أولاد الناس"

قال الكاتب أحمد علي الزين في شهادته الأدبية في الجلسة التي ترأستها الكاتبة التونسية حياة الرايس ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي: نحن أبناء القرى نشبه الجدايا في طفولتنا نتسلَّق العالي ونقضم ثمر الشجر البري ونرعى جرجير السواقي، ونؤلف للهو حصانًا من القصب ووترًا من خيوط القنب للقوس، نغزو بساتين الرمان، وفِي المساء نعود إلى أمهاتنا دون أسمائنا، نختبئ في القطيع يحرسنا كلب مبتهج وليل الماعز. لم نكن نعلم أن أجسادنا هي أقفاص فنائنا. أنا موسى، سماني أبي باسم كليم الله صعدت أعلى القمم، ليكلمني خالقي، السمع للسموات، ونسيت قطيعي مرارًا في سحيق الأودية. 
وأضاف: جاءني شيخ جليل يلف بدنه النحيل بخرقة بالية باهتة اللون يحمل كيسًا على ظهره وسلة وإبريقًا نحاسيًّا يتدلى تحت لحيته الفائضة على قفص صدره، في يده عكاز أطول من قامته. يجر خلفه دابةً محملة بفراش وآنية في رقبتها جرس وطوق من الخرز الأزرق. هذا حماري أيوب، قال، وحك جبهته وقبله. شاهدت دمعة على خده ينعكس فيها نصف الزمان... ماذا تفعل هنا؟ سألني، أجبته أنا موسى أبحث عن قطيعي الذي لهوت عنه في انتظار صوت سماوي، فأشار بعصاه نحو البعيد، هناك، قال: سمعت طنين جرس وثغاء.

Cairo forum for creative fiction
عمل عصيٌّ على التصنيف

وفي  شهادته الأدبية التي حملت عنوان "تداخل الآداب والفنون في رواية (رئيس التحرير)" قال الكاتب المصري أحمد فضل شبلول: اشتملت روايتي "رئيس التحرير.. أهواء السيرة الذاتية" (الآن ناشرون وموزعون، عمّان 2017) على فنون عدة ضمن قالبها السيرذاتي وضمن متخيلها الروائي، ولعل عالم الرواية الذي يدور معظمه في بلاط صاحبة الجلالة، فرض عليها ذلك التداخل بين الفنون، فنجد في متنها إشاراتٍ وعلاماتٍ حول الفن السينمائي، والفن التشكيلي، وفن الرقص، وفن الشعر، وفنون الصحافة المختلفة، فكون السارد أو شخص الرواية (يوسف عبدالعزيز) شاعرًا وصحفيًّا، وكون بطلة العمل المصرية (منى فارس) فنانة سينمائية وتلفزيونية، دخلت هذا العالم الفني من خلال عملها الصحفي، وكون بطلة العمل الخليجية (الجوهرة إبراهيم) تعشق الرسم والموسيقي والرقص وتقتني اللوحات العالمية والمحلية، كل هذا جعل الرواية تدور في فلك الفنون المختلفة. 
في الفن السينمائي نجحت منى فارس (خريجة الصحافة والإعلام) في عملها الصحفي كمراسلة من القاهرة لمجلة نسائية خليجية، اكتشفها أحد المخرجين ودعاها للعمل معه في أحد الأفلام السينمائية، فنجحت نجاحًا كبيرًا، وحققت شهرةً وانتشارًا وذيوعًا داخل الوسط الفني، ولكن ظلت العلاقة متوتِّرة بينها وبين حبيبها يوسف عبدالعزيز الذي يلتقيها في أحد المهرجانات السينمائية في أبوظبي ويجري معها حوارًا للمجلة الخليجية التي يعمل بها، وفي هذا الحوار أُثيرت قضايا فنية كثيرة، كشفت عن واقع السينما المصرية والعربية في الوقت الراهن.
في الفن التشكيلي عندما كانت تعمل منى فارس بالصحافة كتبت عديدًا من المقالات عن الفن التشكيلي ورموزه، واختارت أن تحلل لوحة "بنت البلد" للفنان السكندري حامد عويس، وعندما توطدت العلاقة بين يوسف عبدالعزيز والجوهرة إبراهيم، دعته إلى زيارة منزلها أو قصرها، وصعدا إلى غرفة نومها فوجد لوحة "الحمام التركي" للفنان الفرنسي أوغست دومينيك أنغر معلقةً فوق سريرها. 
وفي فن الرقص: استثمر السارد إحدى الرقصات الصعبة وهي رقصة "التنورة" أو "المولوية" ليرقصها في مكتب الجوهرة أثناء غيابها عن المكتب.
وفي فن الشعر: لكون يوسف عبدالعزيز شاعرًا في الأساس فقد احتفلت الرواية بالشعر الذي تم توظيفه واستثماره في أماكن محددة، يبدؤها بذكريات رئاسته لمجلة حائطية عندما كان طالبًا بالكلية، كان ينشر فيها الشعر لنفسه وللآخرين، كما تذكر الدعوات التي كانت تصله من بعض الدول العربية ويحجبها عنه شعراء القاهرة لكونه يقيم في الإسكندرية، ثم يتذكر واقعة ترشيحه للسفر للمشاركة في مهرجان شعري في فرنسا، ولكن يتم استبداله هو وشاعر آخر من الإسكندرية. 
ويحضر الشعر وأعلامه أثناء حوار يوسف عبدالعزيز وعلياء الزغبي اللبنانية سكرتيرة تحرير المجلة، وعندما يشارك السارد في مؤتمر عن ثقافة الطفل في بغداد – بعد أن اتهمه زملاؤه بالجنون لأنه يذهب إلى بغداد في تلك الأجواء المشحونة - يستعيد الشعر الذي قيل عن بغداد.
هذا إلى جانب فنون الصحافة الحديثة التي وردت تقنياتها على امتداد الرواية، كون شخصها أو بطلها يعمل في الصحافة ويؤرخ لها، ومن هذه الفنون أو التقنيات: التقرير والمقال والحوار الصحفي والاستطلاع والتحقيق وغير ذلك من فنون الصحافة.

وعن ماهية الرواية عبر منظور شخصي قال الكاتب جمال مقار: تدور شهادتي حول رؤيتي عن ماهية الرواية عبر منظور شخصي في محاولة للإمساك بماهية هذا النحو من الأدب والفن العظيم وتوضيح مدى الدور الذي باتت الرواية تلعبه في تطوير الوعي الإنساني وترسيخ قيم الجمال والمعرفة الدافعة للحياة.
ثم استعرض رؤيته للرواية وقال: "الرواية؟ وما الرواية؟ إنها العالم، وكل رواية تمثل عالمًا من العوالم الكثيرة التي يحيا فيها البشر، إن كل رواية هي رواية تاريخية بمعنى من المعاني، لأنها تتضمن وقائع حياة شخوص ومدن وأزمنة وصنوف من الأحداث، كلها أوجدها عقل مبدع استطاع أن ينسج من الخيال واقعًا، وأن يأخذ من معطيات كثيرة متفرقة (أحداث سياسية واجتماعية أو حتى عائلية... إلخ، أو قل إلى ما لا نهاية)، وأن يَنظِم ويُنظِّم هذه المعطيات الكثيرة في نسق واحد تتدافع فيه وتدفع بعضها بعضًا صعودًا إلى ذرى ما، وبذا تتجاوز فوضى الواقع وعشوائية الحياة".
وتحت عنوان "الرواية مأدبة الفنون" قال الكاتب حمدي الجزَّار: الرواية "شعر" الدنيا الحديثة كما أخبرنا الأستاذ نجيب محفوظ. نعم، ولكنها لم تعد شعرًا فقط، لم تحل محل الشعر، ولم تصر "شعرًا" فحسب، لقد صارت، أيضًا، مأدبة لفنون القول، وللفنون جميعًا!
وأوضح الجزار أن الرواية المعاصرة لم تكتف بحدودها كجنس أدبي له شكله الفني الخاص، وجمالياته المتفردة، وصورته الراسخة في ذهن كلٍّ من الكاتب والقارئ، فقد تخطت ذلك كثيرًا، فالرواية ذات صلة أصيلة بالفنون الأقدم، ذات صلة عميقة بالدراما، بالمسرح، وصلتها جوهرية بالشعر الملحمي على وجه خاص، وإذا تجاوزنا فهمنا للشعر باعتباره تأملاً جماليًّا يحدث في لغة معينة، وانحرافًا لغويًّا، إلى كونه روحًا تسري في نسيج النص تصير كل الروايات الجميلة أعمالاً شعرية!
 لقد صارت الرواية، أيضًا، هي سينما فنون القول لأسباب كثيرة، لعل أهمها "المرونة" المذهلة التي تميِّز الشكل الروائي، هذه المرونة هي التي جعلت الرواية سينما، نرى فيها عالم الحياة البشرية، عالم الحياة اليومية للفرد وللجماعة.
ويرى حمدي الجزاء أن الرواية ببساطة، هي قصة متخيلة، فيها يمكن أن نرى كل حياة الجنس البشري. ويؤكد أننا نعيش زمن الرواية لأن الرواية استحوذت على جماليات جميع الفنون، وأثرت بها روحها الخاصة، دون أن تريق ماء وجهها أو أن تتخلَّى عن شخصيتها الفريدة، وحضورها الذاتي.
ثم يتحدث عن روايته الأولى "سحر أسود" وقال: لقد جسدت طرفًا من عالم فناني الصورة، فقدمت المصور التلفزيوني والمخرج والمذيع، وعالم البرامج التلفزيونية من خلال شخصية "ناصر عطا الله"، وصوَّرت فيها حيواتٍ تتخذ من الصورة مدخلاً لفهم العالم، والتفاعل معه.
وعن روايته الثانية "لذات سرية" أوضح: كان بطلي "ربيع الحاج" دارسًا للفلسفة، ويعمل بالإذاعة، ويعيش في القاهرة مع بداية الألفية الثالثة، ولعلِّي قد قاربت، فيها، بعض المشكلات الفلسفية على نحو روائي خاص دون أن أثقلها بالمفاهيم الاصطلاحية، واللغة الأكاديمية للفلسفة.
وفي روايته الثالثة "الحريم" دخل في حوار فني مع جماليات القصة القصيرة، والفنون التشكيلية، وبخاصة فن البورتريه، وقستها إلى فصول، كل فصل فيها باسم امرأة، لها قصتها الخاصة المرتبطة بالقصة الكبرى للرواية كلها، قصة حي طولون، وبطلها "سيد فرج".

Cairo forum for creative fiction

 أما عمله الرابع "كتاب السطور الأربعة"، فقد جعل منه شكلا أدبيًّا خاصًّا، عماده "السطور الأربعة"، رباعيات مرقمة متتالية، وحدات منفصلة تتسلسل لبناء عمل طويل واحد. وقال عنه: اعتبره عملاً عصيًّا على التصنيف، وهو إسهامي الأساسي في ابتكار شكل أدبي جديد.
الكاتبة ريم بسيوني تحدثت عن رواياتها: "بائع الفستق"، و"أشياء رائعة"، و"أولاد الناس" وتحدثت في شهادتها عن رواية "بائع الفستق" (الحاصلة على جائزة من أميركا)، عن مشكلة السرد في الرواية والترجمة، وكيفية معالجة تلك المشكلة. وأوضحت أن السرد في رواية "بائع الفستق" يعتمد على وفاء بطلة الرواية، التي تحكي قصتها وحبها لابن خالتها وهي في فترة المراهقة، ولكن تبدأ إشكالية السرد عندما تبدو وفاء كالعالم بكل بواطن الأمور، أو كمن فقد عقله، ويبقى القارئ إلى آخر العمل غير متأكد من كون وفاء مسيطرة على أدوات سردها، أم أنها فقدت عقلها في منتصف الرواية. هذا التحدي في السرد كان من الصعب على المترجم، أن يعكسه وأن يخرج القارئ الأجنبي بنفس الشعور بالشك في السارد للقصة والشك في الأحداث.
وعن رواية "أشياء رائعة" قالت بسيوني: أستعمل تيمة "كتاب الموتى" عند قدماء المصريين في التعبير عن مكنون نفسية الدكتور حازم بطل الرواية، والمهندس الذي يبني مقبرة للقبطان مراد، ولكن ما يكتبه الدكتور حازم على الجدار ليس فقط مقتطفات من "كتاب الموتى"، بل يكتب عن الأحياء قبل الأموات، لذا كانت هناك طريقتان للسرد، واحدة تعتمد على ما يكتبه الدكتور حازم في "كتاب الموتى والأحياء" وواحدة من السارد العالم ببواطن الأمور.
وفي روايتها الأخيرة "أولاد الناس" كان هناك أكثر من أسلوب للسرد. كان هناك تأرجح بين الماضي والحاضر وانعكاس إحباطات الشخوص في الحاضر على الشخوص في الماضي وكان هناك أكثر من أربع طرق مختلفة للسرد في الرواية الواحدة.