الرواية قرينة التجريب

إكرامي فتحي: الرواية الجديدة من سماتها أنها رواية تجريبية، تعمد إلى كسر منطق التماسك الداخلي لمكونات السرد وإعادة تشكيلها.


فرج مجاهد عبدالوهاب: نص سعود السنعوسي يجنح إلى التجريب بسبب الإفراط في تداخلات السارد مع مسروده لاسيما عندما تتجزأ بنيتها إلي مقاطع صوتية


محمد إبرهيم طه: رواية "الأسايطة" للروائي المصري عادل سعد تتناول المائتي عام الأخيرة من عمر أسيوط ومن ثم عمر مصر


النظرة التاريخية إلى موجات السرد الروائي العربي تؤكد أن ذلك السرد قد تتابع منذ العقود الثلاثة الأخيرة بالقرن العشرين مبدعًا روايةً حداثية وفارقة لما سبقها

عن تنويعات السارد في الرواية العربية الحديثة رصد الباحث إكرامي فتحي بعض ملامح التجريب، وقال - في الجلسة التي ترأسها الناقد د. مدحت الجيار ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات" -: "عند تأمُّل الإبداع الأدبي في الآونة الأخيرة نجد أنه تميَّز بقدر كبير من الخصوصية والتباين عما سبقه من أشكال أدبية شاعت فيما قبلُ، فرغم استمرار المسميات وتشابهها فإن الرؤية والأداة صارتا مختلفتين، وكان من منابع ذلك ما تمتَّعَ به هذا الإبداع من قدرة وجَرْأة على التجديد والتجريب، وفقًا لعوامل كثيرة، نتجت عنها ظواهر عدة".
وأكد فتحي أن النظرة التاريخية إلى موجات السرد الروائي العربي تؤكد أن ذلك السرد قد تتابع منذ العقود الثلاثة الأخيرة بالقرن العشرين مبدعًا روايةً حداثية وفارقة لما سبقها؛ حظيت بمسميات ومصطلحات غير قليلة، كان أكثرها شيوعًا مسمَّى "الرواية الجديدة"، التي تتميز عن نظيرتها التقليدية بأنها تثور على كثير من القواعد والأصول والجماليات التي كانت سائدةً فيما سبق.
وقال: الحقيقة الأكثر وضوحًا وراء سمات الرواية الجديدة هي ذلك التلازُم القوي بينها وبين التجريب الإبداعي، حيث إنه لما كان التجريب بذرة الإبداع التجديدي، والروايةُ هي جنس أدبي مرن يستمد أصالته من انفتاحه على الجديد بأشكاله المختلفة، فإن الرواية الجديدة والتجريب يبدوان وجهين لعملة واحدة لا انفصال بينهما.  

Cairo forum for creative fiction
هندسية خاصة في بنائها

وأوضح أن الرواية الجديدة من سماتها أنها رواية تجريبية، تعمد إلى كسر منطق التماسك الداخلي لمكونات السرد وإعادة تشكيلها بما يتواءم مع متطلبات الغاية الجديدة، التي يهدف إليها السرد، ومع تعدد مستويات التجريب كان اختيار "تنويعات السارد" بوصفها ملمحًا جديرًا بالتناول، لا سيما مع قلة الدراسات التي انطلقت من "السارد" أو اتخذت من "التبئير" مرتكزًا لرصد البنية الروائية. 
ومع ضخامة المنتج الروائي اقتصر إكرامي فتحي على نموذجين دالين في هذا السياق، هما: رواية "حلم نماتزي" للكاتب مصطفى سليمان، ورواية "شاهينوب" للكاتبة هدى حسين؛ لرصد ظاهرة "تنويعات السارد"؛ نتيجة لاشتراك الروايتين في هذا المنحى وتباينهما في مناحٍ إبداعية أخرى، فكان الاشتراك والتباين دافعين قويين لاختيارهما.
فـ "حلم نماتزي" تميزت بهندسية خاصة في بنائها، وذلك عبر توزع الفصول بين ثلاثة أنماط انفرد كل واحد منها بسارد خاص، ومن ثم كان له أحداث مختلفة وزمان ومكان متباينان، فضلاً عن بندولية الحكي عبر عنصري: الزمن والسارد. 
أما رواية "شاهينوب" فكانت إشكالية الذات الإنسانية عبر انشطارها هي الأكثر بروزًا؛ ومن ثم جاءت وراء ظواهر عدة في الرواية، من أهمها مجيء ضمير السرد غائبًا مع صوت السارد وحديثه عن الشخصية المحورية، ثم متكلمًا مع الشخصية عن نفسها، عندئذٍ كان هناك تبادل في زوايا التبئير، وتحول ضمير السرد من الغائب إلى المتكلم، واستخدام ضمير الخطاب.
وعن السرد الروائي بين التخييل والواقع تحدثت الشاعرة والباحثة عزة بدر عن رواية "منسي: إنسان نادر على طريقته" للطيب صالح، وقالت: أثارت رواية "منسي: إنسان نادر على طريقته" (آخر روايات الطيب صالح) عديدًا من التساؤلات الفنية والجمالية، فهل هي حقًّا رواية سيرة ذاتية، أم هي رواية سيرة ذاتية غيرية كما ذهب بعض النقاد؟ أم هي نمط مبتكر من السرد الروائي؟ لقد صدرت "منسي: إنسان نادر على طريقته" كجزء من أجزاء عشرة تحت عنوان "مختارات"، وقدم لها محمود صالح عثمان بقوله: "الطيب صالح كاتب شامل مكَّنته ثقافته العميقة والمتنوعة واطلاعه الواسع باللغتين العربية والإنجليزية على علوم اللغة، والفقه، والفلسفة، والسياسة وعلم الأجناس، والأدب، والشعر، والمسرح، والإعلام أن يروي ويحكي ويخبر ويصف ويحلل ويقارن وينقد ويترجم بأسلوب سهل عذب ينفذ إلى الوجدان والفكر كما تشهد هذه المجموعة من مختارات الطيب صالح". 
وأوضحت بدر أن كلمة "مختارات" توحي أن الكتاب بأجزائه هو مقالات نثرية من كتاباته، وبخاصة أن الجزء الأول منها "منسي: إنسان نادر على طريقته" قد نشر منجمًا على صفحات مجلة "المجلة" في لندن، ونشر بعضه على حلقات في صحيفة سودانية، والطيب صالح نفسه قد صرح في حديث تلفزيوني بأن الأحداث كلها في هذا العمل حقيقية، مما يوحي بأن ليس للتخييل نصيب فيه، لكن القارئ المدقق يشعر بالغريزة أنه أمام رواية حقيقية كاملة الأوصاف، يعرفها بالذائقة، بالقراءة الخلاقة التي تُشعر القارئ بأنه جزء من النص، بل أحد أبطاله، وهي الطريقة النادرة التي استطاع بها الطيب صالح أن يخلب قلوب قرائه ويسحر ألبابهم بأعماله التي عبَّرت عن البسطاء من خلال شخصيات رواياته مثل "الزين" في رواية "عُرس الزين"، و"ود حليمة"، وسعيد عشا البَايْتات في رواية "ضو البيت"، بندر شاه. 

وتضيف: ويأتي هذا العمل "منسي: إنسان نادر على طريقته "بما توافر له من عناصر السرد، والنسج والتفاصيل الدقيقة، ومن تصاوير المواقف الإنسانية، والساخرة، والمفعمة بالفرح، والحماس في حياة منسي الذي يصبح أميرًا من أمراء الحياة، وهو واحد من بسطائها، منسي الذي تحدث في هذه الرواية باسم أولئك الذين لم يجدوا مكانًا على مائدة الحياة لأن آخرين استلبوا مساحات أكبر مما يحق لهم. 
وترى عزة بدر أن هذه الرواية حملت ملامح أدب الطيب صالح، وقضاياه المهمة عن العلاقة بين الشرق والغرب، والتي كانت محورًا مهمًّا في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال"، وتخليد البسطاء وطرح قضاياهم، وأسلوبه المتفرِّد في الكتابة المبتكرة التي تجعل السرد لديه متعة، وتبدو تجلياته في "منسي: إنسان نادر على طريقته" كرواية حداثية بامتياز. 
وتحدث الباحث فرج مجاهد عبدالوهاب عن "التجريب وغوايات الشكلانية" وأوضح  أن بحثه يدور حول سردية حكائية على قوائم وإغراءات التجريب الشكلانية، فالمتابع لمسار الحراك الروائي في منطقة الخليج عامة والكويت خاصة يلاحظ ومنذ تسعينيات القرن الماضي كيف أخذت الرواية تُثبت حضورها، وتدل على وجودها من خلال مجموعة من المبدعين الروائيين الشباب الذين أخلصوا لفن الرواية وعملوا على تطورها على المستويين الموضوعي والشكلاني، والملفت في هذه التظاهرة الروائية بروز عدد من الأسماء الشبابية المتحمسة والمهتمة بغوايات السرد التي تأخذهم إلي فضاء ذلك الجنس الذي أمسى الرقم واحد في الإقبال عليه.
وتناول فرج مجاهد واحدة من هذه الأعمال وهي رواية "حمام الدار- أحجية ابن أزرق" للروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي (الفائز بجائزة البوكر عام 2012 عن رواية "ساق البامبو")، وفي هذه الرواية الجديدة يقدم شكلاً جديداً معتمداً في حبكتها على أسلوب تناولي سردي يقوم على لعبة مفترضة تميل إلي ذلك النوع المقارب للواقع ولكن بحساسية سردية مفرطة حيث يقيم علاقة سردية بين راويه الطفل وأبيه مع الحمام الذي يُربيه في داره. ويجنح النص إلى التجريب بسبب الإفراط في تداخلات السارد مع مسروده لاسيما عندما تتجزأ بنيتها إلي مقاطع صوتية. 

Cairo forum for creative fiction
عشرة أجزاء

آخر المتحديثن في تلك الجلسة كان الباحث والمترجم محمد إبراهيم طه الذي تحدث عن روايتي "الأسايطة" للمصري عادل سعد، "ولاجئو بيشاور" للبناني محمد طعان، وقال: تستند الرواية التاريخية عادة إلى وقائع وزمن وشخصيات تاريخية تمثل علامات طريق لكاتب الرواية التاريخية، كما تمثل هذه المفردات في الوقت نفسه قيودا على الكاتب الروائي، تكبل السرد الروائي التخييلي لصالح السرد التاريخي، ويكون التنازع لدى الروائي الذي يتعرض لهذه الرواية متراوحا بين تقديم المعلوماتية التاريخية بحذافيرها، والتصرف بالتخييل والإضافة السردية الروائية، كما تفرض معظم الروايات التاريخية على كتابها بنية كلاسيكية في الغالب يلتزم فيها التطور الزمني بالأحداث التاريخية وتكبل لديه خاصية التجريب الروائي، وقليل من الأعمال التاريخية التي تحررت من هذا السياق، منها الزيني بركات لجمال الغيطاني، والسائرون نياما لسعد مكاوي وعزازيل ليوسف زيدان. 
وأوضح طه أن رواية "الأسايطة" للروائي المصري عادل سعد تتناول المائتي عام الأخيرة من عمر أسيوط ومن ثم عمر مصر، أما رواية "لاجئو بيشاور للبناني محمد طعان فهي تتناول الفترة من 1989 تاريخ رحيل الجيش الروسي لأفغانستان وحتى الحادي عشر من سبتمبر 2001 مرورا بظهور طالبان والملا عمر، وتنظيم القاعدة وأسامة بن لادن.
وقال: تطمح مشاركته إلى تحليل الروايتين لبيان مدى المراوحة بين التاريخي والتخييلي، وإبراز ملامح التجريب التي أتيحت لكلا الروايتين من عدمه، بخصوص الحدث التاريخي والشخوص والسرد الروائي.