الرواية متسعة كالحياة

فوزية شويش السالم: يتوجب على الكاتب الإصغاء جيدًا للمتطلبات الفنية التي يفرضها النص لقيام بنائه الآتي من داخله.


علي المقري: بدا لي تداخل الأنواع الأدبية ملحًّا منذ كتاباتي الأولى، فالإشكاليات التي اهتممت بها أخذتني إلى عوالم سرديات مختلفة مرتبطة بالبيئة المسرودة


محمد صلاح العزب يرى أن الرواية شديدة الانفتاح على كل ما هو خارجها، فهي لا تقف عند حد معين، ويمكنها التفاعل مع كل الفنون الأخرى.


نجلاء علام: حاولت أُلبس الكتابة خبراتي وآرائي وقضايا مجتمعي، لكن اكتشفت أن ثوبها أوسع بكثير


هدرا جرجس: االقراءة الحقيقية للنصوص الأدبية – حسب جرجس - تتطلب من المتلقي أن يعي أنه صار جزءًا من اللعبة.

"ملامح التجريب في الرواية العربية الحديثة" هذا العنوان الذي اختارته الكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم، يُظهر التجريب في الرواية العربية وكأنه حالة جديدة لم تعرفها الروايات العربية من قبل هذا الوقت، ونقف أمامها بدهشة واستغراب، مع أن الرواية وليدة "ألف ليلة وليلة" أم حالات التجريب كله التي نسجت خيوطها من مئات خيوط التجارب السحرية، ويكفي أن نتصفَّحها بعين الناقد الحديث لنكتشف متاهات التجريب اللامتناهي فيها، فإذن الرواية العربية – كما ترى السالم - عرفت التجريب الفني منذُ فجر الحكي الروائي، لكن النقد العربي لم يلتفت إلى قيمة ملامحها الفنية في التجريب، وهذا التأخر ينعكس أيضًا على الرواية الغربية من بدايات القرن الماضي وحتى قبل ذلك الوقت، بسبب عدم تواكب النقد معها وظهور المدارس النقدية الحديثة لها.
وقالت فوزية شويش السالم في شهادتها الأدبية ضمن فعاليات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي "الرواية في عصر المعلومات": يسبق وعي الفنان الوعي النقدي لأن الكتابة الفنية تتولد من لا وعي الفنان، وتأتيه بما يناسب النص الذي يكتبه بشروط فنية يفرضها ويتطلبها النص، حتى من دون وعي الكاتب، وغالبًا هذا ما يحدثه النص ويفرضه على كاتبه بشكل إلهام أو انتباه لما فرضه النص لإكمال شكل بنائه الفني، وبالتالي ليس على الكاتب إلا الخضوع للبناء الفني الذي ولد شروط بنائه من ذاته.
وترى السالم أنه يتوجب على الكاتب الإصغاء جيدًا للمتطلبات الفنية التي يفرضها النص لقيام بنائه الآتي من داخله، وليس المفروض عليه بتصميم من خارجه.
وتقول: الأعمال الفنية مثل الفنون التشكيلية والموسيقى معظمها يخضع لذات الشروط الفنية التي تخضع لها الكتابة الروائية، أي أن عواملها الفنية تتولد ذاتيًّا منها وليس من خارجها، ومن هذا التوليد غير الواعي يتولد التجريب الفني الذي غالبًا لم يكن له سابقة من قبل، وليس له ملامح راسخة تفرض حالها بوضوح على المدارس النقدية، مما يتركها فالتة من قيود المعايير النقدية الجاهزة التي لا تناسبها وليست على قياسها الذي يريد النقاد حشرها فيه، لذا يُطلق عليها روايات تجريبية، فليس لها باترون جاهز يصلح لها.  

Cairo forum for creative fiction
 أثر البيئة 

إذن ملامح التجريب في الرواية العربية الحديثة – كما ترى الكاتبة الكويتية - رهن للتوليد الفني الذاتي للنص، وقد لا يكون له أي سابقة يُقاس النص عليها، وبخاصة في هذا العصر المعلوماتي المنفتح على كل العلوم والفنون والتجارب الفنية التي ستنعكس آثارها التفاعلية مع كتاب الرواية العربية الحديثة.
وتناولت في شهادتها أمثلة كثيرة لكتاب الرواية العربية التجريبية وعلى رأسهم المبدع الكبير إدوار الخراط، والكاتب المغربي إسماعيل غزالي، وكتاباتها أيضًا كأول كاتبة تجريبية في الكويت والخليج.
أما الروائي المصري محمد قطب فيرى في شهادته أن الإبداع يظل أفقًا عريضًا للفكر والوجدان، فهو يشكِّل الذات الإنسانية تشكيلًا يهيئها للإبداع والتفاعل الثقافي.
ولا شك في أثر البيئة التي ينشأ فيها المبدع، فهي تهيئ له الأبعاد التي تساعد على إبراز الموهبة الأدبية، ولقد أثرت البيئة في وجداني وفكري تأثيرًا قويًّا، حيث أسهمت المكتبة الصغيرة التي امتلكها والده في توسيع دائرة العام، وقال: منذ صغري تعرَّفت على تراث عربي وإسلامي، وقرأت لأدباء متميزين كطه حسين، والمنفلوطي، ومحمد حسين هيكل، وغيرهم. وحين التحقت بالمدرسة الثانوية بشبين الكوم، بدا أثر ذلك واضحًا في مجالات القراءة والتعبير، وساعدني مدرس اللغة العربية على فتح آفاق إبداعية متجددة.
 ويوضح قطب: سار الإبداع الهوينى مع حركتي البطيئة، حتى إذا جاءت فترة الستينيات، اتصلت بالتجمعات الأدبية، وكانت كتابتي للقصة والمقال النقدي بجريدة المساء فتحًا كبيرًا، حيث أتاح لي الأستاذ عبدالفتاح الجمل الكتابة باستمرار، وظللت أكتب حتى 1971، حيث عملت بعدها بالخارج، وجاءت المحصلة الأدبية تتراوح ما بين الإبداع والقراءة النقدية، وكان حصادي الأدبي متداخلًا بين الجانبين.
ويرى قطب أن النص الروائي غلب عليه الجدل القائم بين الرجل والمرأة، بين الذات والمجال، مما أتاح له الكشف عن أنماط الذات البشرية في حركتها في الحياة، وفي بعديها النفسي والاجتماعي، وهو ما أدى إلى التفاعل بين الذات، وبين متغيرات المكان اجتماعيًّا وسياسيًّا، وظلَّت هذه النغمة سارية في العمل الإبداعي بشكل رمزي. 
وقال: مُثلت مسرحيتي "المدار" على مسرح السامر عام 1987، وهي تكشف عن الجدل السياسي القائم آنذاك. وجاءت قراءاتي النقدية متوازية ومتنافية مع الإبداع، حيث شكل الإبداع بآلياته المختلفة مدخلًا لفهم النص ودلالاته.
ولا ينسى محمد قطب الدور الذي يقوم به في نادي القصة (كمؤسسة إبداعية) في اكتشاف المواهب وإثراء الحركة الأدبية.
ويؤكد في النهاية أن المبدع يظل محكومًا بآليات المكان والزمان والخيال الذاتي ومتغيرات الحياة، التي تصنع من الموهبة إبداعًا متميزًا.
وعن "الرواية وتداخل الأنواع" يقول الروائي اليمني علي المقري في شهادته الأدبية: بدا لي تداخل الأنواع الأدبية ملحًّا منذ كتاباتي الأولى، فالإشكاليات التي اهتممت بها أخذتني إلى عوالم سرديات مختلفة مرتبطة بالبيئة المسرودة.
وأوضح: في روايتي الأولى "طعم أسود رائحة سوداء" اقتضى عالم "الأخدام"، وهم السود في اليمن الاقتراب من عوالم أسطورية وخرافية وحكائية عن هذه الفئة، ليس لنقلها أو تضمينها، وإنما لتجسيدها في سرد تخيلي كرنفالي لم يغفل أيضًا المثل الشعبي والقصيدة والأغنية والرقصة.
وقال: اقتربت من أسلوب الحوليات في السرد التاريخي في رواية "اليهودي الحالي" لأستكشف إمكانية روائية مهمة في التراث العربي، دون مماثلة أو مطابقة لطرق السرد القديمة، ووردت في الرواية رسائل ومدونات تاريخية وصوفية. 
وأشار المقري إلى أن هذا التداخل بين الأنواع بدا واضحًا، أيضًا، في رواية "حرمة" حيث اتكأت الراوية في النص على قصيدة/ أغنية أحمد شوقي وأم كلثوم "سلوا قلبي" التي تخللت كل أجزاء الرواية، كما كان هناك إشارات وأوصاف للوحات تشكيلية منجزة ومتخيلة، وفي رواية "بخور عدني" كانت هناك الأغنية والموسيقى، إضافة إلى تاريخ وأفلام ورقصات وشعارات وهتافات وخُطب وأحلام.
ويبين الكاتب اليمني أن هذه السرديات الكرنفالية لم تأتِ من خارج النص ولم تكن مقصودة بذاتها، وإنما جاءت نتيجة اشتغال حميم للعوالم المسرودة بحيث بدا هذا التنوع مكملاً.
وفي "شهادة ليست محترفة من كاتب غير محترف" يقول محمد صلاح العزب: حين بدأت الكتابة، بدأت بالقصة القصيرة، وحين كتبت أول قصة قصيرة ونشرتها في إحدى الجرائد تخيلت أنني صرت كاتبا محترفا، وظل هذا الشعور معي بعد كتابة المجموعة الأولى والروايات الثلاث التالية، لكنني مع روايتي الرابعة "سيدي براني" أدركت أنني لن أصبح كاتبا محترفا، فأنا مازلت أتعلم وأجرب وأنجح وأخفق وتواجهني صعوبات حقيقية في الكتابة، وتستعصي علي كامرأة لا ترغب في الرجال.
ويوضح: غادرني اليقين بأن الكتابة محسومة، وحل مكانه شك فني في كل شيء، شعرت أنني نضجت لأنني صرت قادرا على إدراك صعوبة الأمر. النضج جعلني أتمنى ألا أصير كاتبا محترفا في يوم من الأيام، لأنه جعلني أدرك أن الشك مهما كان أجمل من اليقين.  
منذ اللحظة الأولى في الكتابة وأنا أريد ترك علامة غائرة على وجه القاهرة التي لا تتواني أن تترك هذه العلامة داخل أرواحنا، القاهرة واحدة من أكثر عواصم العالم صخبا وزحاما وتلوثا وضوضاء، لم أغادر القاهرة في حياتي كلها لأكثر من سبعة أو ثمانية أشهر متفرقة، كل ما هنا فني، البشر الذين يقفون على الحافة بين الصمود والانهيار، والمباني التي يحمل كل حجر منها  قصة بديعة، الشوارع والميادين، حتى الهواء الذي يحمل من عوادم السيارات أكثر مما يحمل من الأكسجين، وأرى أن دوري هو تفجير الجمال من وسط كل هذا الزحام.

وقال محمد صلاح العزب: على مدار 20 عاما كتبت خمس روايات ومجموعتين قصصيتين بين الكتاب والآخر أكثر من سنتين وأحيانا أكثر من ثلاثة، حتى وصلت إلى 8 سنوات، في البداية كانت ظروف النشر مرتبكة فتم نشر بعض الأعمال في أوقات متقاربة، لكن بالنسبة للكتابة فأنا لا أتعجل شيئا و"سيدي براني" مثلا استغرقت سبع سنوات كاملة لأنها كانت تحتاج لهذا، وكذلك "كل شيء هادئ في القاهرة"، وهناك اتجاهان في أمر الغزارة هناك غزارة خيري شلبي أمام ندرة إبراهيم أصلان، وغزارة نجيب محفوظ أمام قلة إنتاج يوسف إدريس، وفي النهاية الأمر لا يقاس بالكم ولكن بالفنية والتأثير، وهذا ما يهمني. 
ويرى العزب أن أجمل ما في الرواية أنها متسعة كالحياة، وأنها شديدة الانفتاح على كل ما هو خارجها، فهي لا تقف عند حد معين، ويمكنها التفاعل مع كل الفنون الأخرى ومع التراث بشكل يكسبها حيوية ويعيد رونق التراث حين يتم توظيفه داخلها بشكل جيد.
ويشير إلى أنه في "سيدي براني" تتعدد الشخصيات والأزمنة والأمكنة تعددا كبيرا وتختلف اختلافا يربط أول التاريخ بآخره ويحتوي الكرة الأرضية بكاملها، وبالتالي فاللغة الأحادية لن تصل بالنص إلا إلى طريق مغلق، والرواية هي التي تفرض لغتها التي تحتاجها، وقد حاولت أن أكون مخلصا لروايتي وأمنحها ما تريده حتى تخرج بأفضل شكل ممكن.

أما الكاتبة نجلاء علام فقد جاءت شهادتها الأدبية بعنوان "التمرين مع الكتابة"، وقالت: أمسكت يدي بالقلم وبدأتُ في الكتابة، بشجاعة مفرطة؛ شجاعة من لا يعرف. استدعيت الكلمات ونثرتها على الأسطر، بسرعة أنهيت قصتي الأولى، ابتسمت لنفسي بفخر............. لكن. 
وأضافت: تأتي الكتابة في المرحلة الأولى منها جامحة وقوية وعفوية ومتطلعة للمستقبل، لكنها بلا جماليات تقريبًا، فهي مفعمة بالمشاعر الملتهبة، وبها ميلودراما غير مبرَّرة، كنت وقتها أشعر بأن الكتابة تقودني، وكنت أريد أن أقودها فتوقفت مدة عام بعد كتابة مجموعتين قصصيتين تم وأدهما داخل أحد الأدراج، ثم عدتُ أمتطى جواد المحاولة. 
بحثت عما يدهش القارئ ويدهشني، حاولت أن أضع يدي دائمًا فأخرج بالصورة البصرية، التي تمزج بين السرد والوصف، وبإحساس خاص بالزمان والمكان، ومحاولة الاستفادة من الخبرات المعيشية، ورصد التحولات النفسية من خلال اهتزازات صغيرة، أرصدها بالحركة ولغة بسيطة في متن الكتابة نفسها، أعتمد على دقة التراكيب وأعمل على تحديد الجملة، كما أحاول الاعتماد على المسكوت عنه وتفجيره ورصد أبعاده أكثر مما يقال، أصبحت الكتابة تمثل لي حالة خاصة فهي تصارعني وأصارعها من أجل الوصول إلى الجوهر الإنساني.............. لكن.
واكتشفت نجلاء علام من خلال الكتابة أنها تتحاور مع الزمن الممتد منذ لحظة خلق الإنسان، حتى اليوم الأخير للبشرية، عن طريق الخُدعة الأزلية التي يستخدمها الزمن ذاته، فهذا الزمن المُخادع يُشعرك أن عمرك هو عدد الأيام والشهور والسنين التي عشتها، بينما في الحقيقة إن تكرار الأيام لا يعني العمر، بل العمر هو ما انطبع داخل النفس من هذه الأيام، ولهذا جرتني الكتابة إلى هذا الزمن المستبطن العنيد العصي الغائر داخل النفس الإنسانية من خلال بنية لا تراتبية. ............... لكن.
وتؤكد علام أنه لا كتابة دون مغامرة، وقالت: في البداية كنت أشعر أن الكتابة هي طوق النجاة لأترك أثرًا في الحياة وأقول من خلالها إنني موجودة، لكن اكتشفت أنها الباقية لا أنا، ومن ثم حاولت أن أُلبس الكتابة خبراتي وآرائي وقضايا مجتمعي، لكن اكتشفت أن ثوبها أوسع بكثير، وبعدها حاولت أن أجعلها صدى للصوت الإنساني لكن اكتشفت أنها الأصل لا الصدى، صدقوني لن تنتهي المحاولات فبحر الكتابة غريق ................. لكن. 

Cairo forum for creative fiction
التداخل الآن صار بين الكلمة والصورة

وعن "تداخل الأجناس الأدبية"، وملاحقة تطور الشرور بالعالم قال الكاتب المصري هدرا جرجس: يسعى الدرس الأدبي إلى تصنيف النصوص السردية كمنهج لرصد تطورها إبداعيًّا وفكريًّا، لكنه لا يحمل نفس تلك الأهمية بالنسبة إلى منتج تلك النصوص، فعلى العكس قد يتسبَّب استغراق الكاتب في الاهتمام بتصنيف ما يكتب إلى حالة من الجمود الإبداعي، لأن الحرية هي الأداة الأساسية لصناعة الإبداع، وهي التي من شأنها أن تضع الذات في مواجهة مع الوجود، وتقوم بمساءلة كل الأفكار حتى التي تبدو مطلقة منها.
"النص العابر للنوع" أو "تداخل الأجناس الأدبية" أو "السرد المفتوح"، وغيرها من المصطلحات التي يدشِّنها النقاد من خلال متابعتهم للنصوص الأدبية، وإن كانت جزءًا رئيسًا من دراسة تطور السرد، إلا إنها – كما يرى هدرا جرجس - تؤدي إلى قولبة العملية الإبداعية، الأمر الذي ينفي صلب الفكرة الفنية ذاتها، فالفن لا يكون فنًّا وهو يرتكن إلى الشاطئ، لأن مكانه الطبيعي في وسط البحر، حيث الأمواج العاتية والرياح غير المتوقعة، ومن ثم تكون مقاصده أيضًا غير متوقعة حتى للكتاب، فالسفينة التي تتخبَّط بين الأمواج وتصادف في رحلتها أزمات ومغامرات من شأنها تخليق أنواع سردية جديدة، وستجد تلك الأنواع كذلك متذوِّقيها، لأن ملاءمة المتغيرات الفكرية والفنية التي تلاحق التطور السريع والكبير للشرور في العالم، بات من الضروري معه أن تتداعى الفروق بين الأجناس الأدبية التي لن يكون لذكرها أهمية إلا في دائرة الدرس التاريخي لتطوُّر السرد.
وأوضح جرجس أنه قبل عشر سنوات أصدر كتابه الصغير المعنون بـ "بالضبط كان يشبه الصورة"، وكان في حيرة من أمره: ماذا أكتب فيما يتعلق بتصنيفه على الغلاف؟! هو نص أدبي، وفي نظري لا يشبه القصص ولا الرواية، ثم إنني قد نشرت بالفعل بعض المقتطفات من متنه كقصص في المجلات، ككيانات منفصلة عن السياق العام للنص الكامل، لكني حينما جمعت تلك المتون فيما بعد، تعامل النقاد معها كرواية، وفي الوقت نفسه حصلت بسببها على جائزة الدولة التشجيعية في القصة. 
ويقول: إن أمر التصنيف فيما يتعلق بما أكتبه لا يشغلني كثيرًا، لكن هناك طائفة كبيرة بات يشغلها هذا الأمر بصورة ملحَّة، ولا أقصد النقاد الذين نتفهَّم اهتماماتهم البحثية، إنما أقصد الناشرين الذين يقلقهم طباعة كتاب ليس على غلافه التصنيف، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالرواج التجاري لجنس على حساب آخر، يقرعون الجرس للقراء: انتبه أنك ستشرع في قراءة رواية! ويبدأ القارئ في الاستعداد لملاحقة أية انتهاكات للتصور الذي حدده في ذهنه سلفًا عن الرواية.
ويؤكد أن هذا تصور قديم جدًّا للعملية الإبداعية.
إن القراءة الحقيقية للنصوص الأدبية – حسب جرجس - تتطلب من المتلقي أن يعي أنه صار جزءًا من اللعبة. لدينا الآن دائرة متسعة، وعليها أن تظل مفتوحة على الدوام وتتسع أكثر وأكثر، "ألف ليلة وليلة" على سبيل المثال، كانت نموذجًا لمواجهة الشر والموت والظلم بالسرد، السرد المفتوح الذي لا يغلق أبوابه أبدًا، شأنه شأن الحياة التي لن يقوى الموت على قرض أحبالها، فدائمًا هناك قصة جديدة تولد مع موت القصة القديمة، حتى تستمر الغفلة ولا نستفيق منها على سيف السياف، وعلى هذا يصير النص مشروع حياة، مشروع يتضخَّم حتى يصير أكبر بكثير من مجرد متنه، لكن هذا التصور لا يتطلَّب القارئ المحايد، فيفترض من القارئ أن يشارك هو الآخر في العملية الإبداعية، فيسبغ على النص نشاطًا تأويليًّا جديدًا، وربما يعبر به حدود الدائرة السردية ذاتها ليتجاوزها إلى حدود فنية مغايرة تمامًا، هكذا يبدو النص الخالق: جذوة صغيرة بمقدورها إشعال الحرائق في العالم كله. 
ويشير هدرا جرجس إلى أن الوعي المتصل بين الكاتب والقارئ، فضلًا عن النص الخالق، جعلنا نقرأ الكلمات بحواس أخرى لم يجرب السرد أن يستهدفها من قبل، مما جعل التداخل بين الأجناس الأدبية أكثر تعقيدًا، وعبَّر بالتأكيد عن الوحدة الفنية الكامنة وراء التخليق الإبداعي، التداخل الآن صار بين الكلمة والصورة، أو الكلمة والموسيقى، وبلغ مداه أن يستخرج الأطباء النفسيون نظرياتهم من متون الروايات، والخلاصة أن هناك مزايا داخلية في النصوص تكشفها القراءة، والقراءة فقط، دون التصنيف الذي قد يكون مطبوعًا بحروف بارزة على الأغلفة، حيث تظل هناك كلمات أخرى خفية، على القارئ أن يقرأها، حتى ولو لم تكن موجودة فعليًّا في متن الكتب.