الشعب يطالب بإسقاط نظام لا يراه

التظاهرات في بغداد وبيروت غيرت الحكومتين لكنها اعطت شرعية للنظامين السياسيين بالقول أن التغيير ممكن.


الشعب من وجهة نظر السادة الحاكمين لم ينضج بعد


كذبة الربيع العربي: الأنظمة تسقط لأن الشعوب تريد ذلك


النظام في العراق ولبنان كان يتفرج من أعلى قمة على ما يحدث في الأسفل

أين يقف الشعب من المعادلات السياسية القائمة في العالم العربي؟

في أحداث "الربيع العربي" سقطت أنظمة عربية عريقة وكانت إلى ما قبل سقوطها توحي بأن كل شيء تحت السيطرة وأن أجهزتها الأمنية قادرة على الوصول إلى غرف النوم بل إلى تلافيف أدمغة المعارضين.

سقطت تلك الأنظمة فهل اسقطتها الشعوب التي خرجت في تظاهرات مطالبة بإسقاط النظام من غير أن يكون هناك مشروع سياسي تستند عليه؟

هناك مَن يُشكك في تلك الفرضية التي صارت عبارة عن واقعة مأثورة.

في سوريا تحولت تلك الواقعة إلى حرب، ابتلعت البلد كله مثل ثقب أسود فيما استلمت أطراف مختلفة في ما بينها النتائج في ليبيا واليمن وصارت تتناطح في ما بينها فيما وقع الشعب الذي قيل أنه نجح في اسقاط النظام في كلا البلدين تحت نيران صديقة.

ولكن هناك واقعتين تدفعان إلى التشاؤم وتكشفان عن هزال وضعف تلك الفرضية بالرغم من أن كل الظروف الموضوعية تتيح التفكير في إمكانية إعادة السيناريو الذي صار مكررا.

لشهور متلاحقة خرج العراقيون واللبنانيون في تظاهرات سلمية لم تتوقف مطالبين بإسقاط النظام في كلا البلدين، من غير أن يستندوا إلى حائط حزبي أو يتلقوا الدعم من جهة خارحية وليس هناك قيادة واضحة المعالم. فما الذي أثمر عن تلك التظاهرات؟   

في العراق دافع النظام الذي هو خليط من الأحزاب المرتبط بعضها بالبعض الآخر بسلسلة معقدة من عمليات فساد غير مسبوق في التاريخ عن نفسه بقسوة، هي في الحقيقة جزء من التاريخ السياسي العراقي المعاصر فسقط مئات القتلى وجُرح الالاف وتفننت الميليشيات في عمليات القتل والخطف.

اما في لبنان فقد أدرك حزب الله وهو المهيمن على الحياة السياسية أنه كان مستهدفا بشكل أساس، لذلك فإنه اختار أن يتصدى لإعدائه من وراء حجاب. فجرت هجمات قام بها مجهولو الهوية بالأسلحة البيضاء، غير أنها لم تؤد إلى القتل. كان التأديب هو الغرض.

في الحالين فقد كان النظام يتفرج من أعلى قمة على ما يحدث في الأسفل كما لو أنه يشاهد وقائع فيلم سينمائي استعراضي يمكن أن تسدل عليه ستارة النهاية في أية لحظة.

ظلت الطبقة السياسية في كلا البلدين تدير شؤونها من غير أن تلتفت إلى الصراخ الذي لم يصل إلى نوافذ قصور الحكم. كأن الشعب الذي هو مصدر السلطات في بلدين ديمقراطيين هما لبنان والعراق كان بالفعل يؤدي استعراضا، يؤكد من خلاله ديمقراطية النظامين اللذين سمحا بحرية التظاهر حسب ما ينص عليه الدستور.

"لمَ لا. ليتظاهر من يرغب في ذلك. وليرفع أي شعار يريد ومن ثم يذهب إلى بيته وقد حقق هدفه في التظاهر." إنها حكاية كل يوم التي يدثر الأطفال أنفسهم بعدها بخيال تحلق في فضائه الساحرات والجنيات وسوبرمان.

الشعب من وجهة نظر السادة الحاكمين لم ينضج بعد ليدرك أن حقه الدستوري في التظاهر لا يتيح له إمكانية اسقاط النظام أو رفع غطاء الشرعية عنه فهو يتمتع بحماية داخلية وخارجية لا يمكن أن تسمح بسقوطه.

تلك أم الحقائق كلها.

اما إذا رغبت قوى الحماية في رفع يدها عن النظام فإن ربيعا عربيا سيكون ممكنا وباليسر الذي رأيناه في مصر وتونس وبالعسر الذي عاشته ليبيا واليمن ومن خلال الكارثة التي لا تزال سوريا تشهد فصولها المتلاحقة.

سيكون علينا والحالة هذه أن نعترف "إن الشعب يريد إسقاط النظام" هو شعار مضلل. فالشعب لا يملك الوسيلة السلمية لإسقاط النظام. ذلك لأن الأنظمة التي عبثت بمصائر شعوبها عبر عقود من الزمن لا تسقط لأن الشعوب تريد ذلك. تلك هي كذبة الربيع العربي.

فعل العراقيون واللبنانيون ما لم يفعله التونسيون ومع ذلك فإن تغييرا صغيرا لم يحدث في كلا البلدين. كان الشعب في مكان فيما الطبقة السياسية التي تدير النظام هي في مكان آخر، ليس هناك ما يجمع بينهما.

هنالك أسرار إلى أن يتم الكشف عنها فإن إبرة البوصلة ستظل موجهة إلى إيران. فالنظامان العراقي واللبناني هما على ارتباط وثيق بالنظام الإيراني. فهل سيكون التغيير في لبنان والعراق مرهونا بنجاح صفقة ما يعقدها الغرب وبالأخص الولايات المتحدة مع إيران؟