الشعر بات في أيدي مجربين هواة

حسن داوود: فضاء الرواية الواسع والتزامها بتاريخ الفن الروائي يبقيها قليلة الميل إلى التغير السريع.


الحبيب السالمي: الخطاب النقـدي هو وليـد تجربة ما في الكتابة وليس العكس


ثمة كتابات تجريبية لكنها ليست حديثة لأن "تجريبيتها" سطحية خارجية استعراضية


ثمة كتابات تبدو تقليدية وبعيدة عن التجريب بمعناه الرائج لكن لو تأملناها لاكتشفنا أنها جديدة وحديثة

يرى الروائي اللبناني حسن داوود أن الرواية ربما تكون الأشد مناعة بين الفنون الأدبية تجاه طغيان وسائل الاتصال المتجددة. 
وقال في جلسة الشهادات الأدبية التي ترأستها الروائية الأردنية ليلى الأطرش ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي: إن الشعر كان سريع الاستجابة، ولنتعرف إلى ذلك لن نحتاج إلى أكثر من تصفح ما ينشر منه على صفحات الفيس بوك. بعض ذلك يشعرنا بأن ثورة قامت على أشكاله وأساليبه وأنه بات في أيدي مجرِبين هواة، ولا يقتصر ذلك على ما نقرأ من نصوصه، بل إن هذا "الجديد" أسرع إلى إقامة مؤسساته. 
وأوضح أن هناك جمعيات شعرية تمنح جوائز وتروِّج لشعراء منقطعي الصلة بحركة الشعر التي نعرفها، وكل ذلك يجري على صفحات التواصل وحدها، ولا ننسى هنا أنماط الكتابة الجديدة، فن الجملة الواحدة، السريعة المستخفة، التي نقرأ نماذج منها عشرات المرات على هواتفنا، تدفعنا إلى الظن بأن الشعر الذي نعرفه بات شيئًا من الماضي، وهذا على غرار ما قالت الممثلة كاترين هيبورن وهي تقف أمام كمبيوتر ضخم في ذلك الفيلم، وتقول: "كأن البشر صاروا موضة قديمة".
وأكد داوود أن الرواية هي أكثر استعصاء ومقاومة. لا أعرف إن كان التواصل الاجتماعي قد زعزع رهبة الإقدام على الكتابة حتى صار ما ينشر منها يزيد على الألف رواية في البلدان العربية، لكن يبقى أن الجديد الذي يصدر ويُنشر من الروايات ما زال خاضعًا لشروط الرواية وبنياتها وأنساقها. شخصيًّا لم أقرأ عملاً روائيًّا جديدًا أحدثتْ فيه وسائل التواصل تلك الانعطافة المؤثرة. ربما كان فضاء الرواية الواسع والتزامها بتاريخ الفن الروائي يبقيها قليلة الميل إلى التغير السريع.
وعن إبداعه قال حسن داوود: انتبهت عند انتهائي من كتابة رواية تجري أحداثها بين مسافرين على باخرة كيف أنني نسيت، أو أغفلت، أن يتواصلوا بالهواتف المحمولة، علمًا أنهم كانوا يعيشون في زمنها. 
ولا أعرف إن كان انكسار ذلك الصحافي الخمسيني بإزاء تحول الصحافة إلى الزمن الرقمي متعلقًا بما جاءت به وسائل التواصل إلى الرواية. كان بطل رواية "نقِّل فؤادك" ضحية ذلك العالم الجديد، لكن أما كان يمكن لهذا البطل أن يعاني الانكسار نفسه بإزاء تغيُّر ظروف العيش؟ ألم تُصِب المحنة نفسها ذلك الشيخ الذي يحصل عيشه من التردد على البيوت ليتلو فيها آيات من القرآن، كما في إحدى الروايات، فيجد أن التلاوة تطلع هذه المرة من جهاز راديو وضعته العائلة في وسط الدار.
ربما سيكون علينا أن ننتظر حتى يظهر من عالم التواصل ما يتعدى هذا الانشغال المنبهر بما يتيحه استخدامه، أو ربما ينبغي علينا بذل مزيدٍ من التركيز حتى نعرف أن هذا التغير قد بدأ فعلاً. 

Cairo forum for creative fiction
شهادات أدبية

وعن التجريب الروائي قال الروائي التونسي الحبيب السالمي – في الجلسة نفسها - حين يتحدث الروائيون العرب عن التجريب أو ما شابهه من المفاهيم يلجأ كثير منهم في أغلب الأحيان إلى ما قرؤوه عنه في الدراسات والبحوث التي كتبها النقاد والباحثون ومنظِّرو النقد، أي أنهم يتبنَّون الخطاب الأكاديمي السائد غافلين عن أمر أساسي وبديهي جدًّا، وهو أن الخطاب النقـدي هو وليـد تجربة ما في الكتابة وليس العكس. هناك النص، ثم يأتي الناقد ليقرأه، ومن خلال هذه القراءة يجمع ملاحظاته التي يمكنها أن تشكل قاعدة لنظرية ما. 
وأضاف: دوستويفسكي كتب "الجريمة والعقاب"، و"الإخوة كارامازوف"، و"المقامر" بحدسه وجنونه، وفيما بعد جاء ميخائيل باختيـن وأسس استنادًا إلى هذه الروايات نظريته المشهورة عن "البوليفينية" و"الحوارية" و"الشعرية". قليلون هم الروائيون العرب الذين يغامرون ويحاولون تقديم ما يمكن أن يضيف شيئًا إلى هذه المفاهيم أو يضيئها أو يوسِّع آفاق مقاربتها استنادًا إلى تجاربهم في الكتابة.
طبعًا الروائي ليس ناقدًا، وهو ليس مطالبًا بأن يكون له رأي في التجريب أو غيره من المفاهيم، لكن حين يقبل الخوض فيها فمن الأجدى له ولقرائه أن يقاربه بمنطق الروائي المبدع، وأن يقول تجربته في تعاطيه معه بصدق وحرارة وتلقائية حتى ولو فعل ذلك بما يمكن أن يسميه الباحثون والنقاد "فوضى" أو "عدم وضوح"، أو "تناقضًا". 
ويؤكد السالمي أن الروائيين الأوروبيين والأمريكيين لا يكررون مثل طلاب نجباء ما يقوله النقاد والباحثون حين يكتبون عن هذه المفاهيم أو يتحدثون عنها في الحوارات التي تجرى معهم، وكثير منهم لا يقرأ الدراسات النقدية أصلًا على الرغم من احترامهم للنقد والنقاد. لذا فإن ما يقولونه يكون في أغلب الأحيان متميزًا لأنهم يمارسون هذه المفاهيم ويقاربونها وينظرون إليها من الداخل، أي من عمق النص الإبداعي الذي يتشكَّل على أيديهم ومن مناخات الكتابة ذاتها مما يجعل مقاربتهم لها مختلفة.
ويرى الروائي التونسي أن كثيرا من الروائيين المغاربيين يميلون إلى التجريب، بل ويمكن القول إن بعضهم كان في الثمانينيات والتسعينيات مهووسًا بذلك إلى درجة أن التجريب كاد يطغى على التوجُّهات الروائية الأخرى، وصار مقياسًا للجودة لدى عدد من النقاد. 
ولم يكن هذا التجريب الذي شهدته كل بلدان المغرب العربي بدرجات ونجاحات متفاوتة منفتحًا على كل التجارب الحداثية في كتابة الرواية. لم يحاول أن يستفيد مما أنجزه فوكنر أو كونديرا أو جويس، وغيرهم من الروائيين الذين فتحوا آفاقًا جديدة للرواية. تبنَّى معظم مفاهيم التجريب كما حدَّدتها مدرسة "الرواية الجديدة" الفرنسية التي تزعمها ألن روب غرييه. 
وأوضح أنه على الرغم من جرأة هذه المدرسة في كسر النمط الروائي القديم وتميز أطروحاتها النظرية لم تتولــّـَد عنها نصوص روائية مهمة باستثناء أعمال قليلة لكلود سيمون أحد المنتمين إليها. كان التجريب الذي دعت إليه شكلانيًّا، بل ويمكن أن نصفه بأنه سطحي وأيديولوجي إلى حد ما. لذا عادت الرواية الفرنسية مع جان ماري لوكليزيو وباتريك موديانو الفائزين بجائزة نوبل للآداب وغيرهما من روائيي فرنسا البارزين إلى التقاليد الأساسية الكبرى للرواية لكن بروح جديدة وبرؤى حداثية تناسب زمنها.
وفيما يخـص مفاهيم التجريب والحداثة المرافقة له التي شغلــت كثيرًا من الروائييـن العـرب في العقـود الأخيرة يرى حبيب السالمي أن كل كتابة حقيقية هي كتابـة تجريبية بمعنى ما. التجريب كما أفهمه هو شــرط الكتابة وجوهرها، دونه لا تستقيم الكتابة. المشكلة هي كيف نفهم التجريـب، وماذا نعني بـه. شخصيًّا لست مولعًا بما أسميه "التجريب البرَّاني"، وأقصد بذلك هذا النوع من التجريب الشكلي الذي كرسه البحث الأكاديمي الذي يتمثل أساسًا في جملة من الحيل الأسلوبية والفنية التي أصبحت منذ حوالي ثلاثة عقود رائجة في الخطاب النقدي العربي. 
ويضيف قائلا: إن الأهم من كل ذلك هو أنني أفصل بين التجريب والحداثة. بين التجريب والتجديد، ثمة كتابات تجريبية لكنها ليست حديثة لأن "تجريبيتها" سطحية خارجية استعراضية، وثمة كتابات تبدو تقليدية وبعيدة عن التجريب بمعناه الرائج لكن لو تأملناها لاكتشفنا أنها جديدة وحديثة. شخصيًّا أعتبر "حدث أبو هريرة قال" لمحمود المسعدي مثلًا نصًّا تجريبيًّا قويًّا على الرغم من أن لغته تراثية قديمة ومناخاته تحيل في الظاهر إلى عالم لا ينتمي إلى عالمنا الحديث، وتجريبيته تتجلى في أنه محاولة ذكية وطريفة وعميقة لتأسيس كتابة سردية عربية تقوم على شكل الخبر وبنيته كما ورد في النثر العربي القديم ولا على النموذج الروائي "البلزاكي" الغربي، وهذا الهوس بالتجريب تولَّد عنه هوس بالحداثة وكل ما يرافقها من مفاهيم كالقطيعة والتجاوز والمغايرة. 

هنا أيضًا يطغى الجانب الشكلي الخارجي في العمل الروائي على الجوانب الأخرى الخفية المستترة التي تنتمي إلى ما أسميه "ليل النص" وإيقاعه الداخلي وحركته الباطنية، وهو ما يكون أحيانًا حاسمًا في تحديد طبيعة النص ومقدار حداثته. إنني أربط بين مفهوم الحداثة والقدرة على التقاط ما يميز لحظة الكتابة، أي قدرة الكاتب على إيجاد علاقة قوية بين نصه والملامح الأساسية للعصر الذي كتب فيه. 
ويوضح: أن تكون حديثًا هو أن تقول "هنا والآن" حقيقتك التي لن يقولها أحـد بدلًا عنك. إن التجريب والحداثة والتجاوز ليست برأيي حكرًا على روائيي الأجيال الجديدة. كل رواية تقول عصرها وتعرف كيف تصغي له هي رواية حديثة إن وضعناها طبعًا في شرطها الثقافي الاجتماعي، وبهذا المعنى فإن روايات نجيب محفوظ مثلًا التي يعتبرها كثير من النقاد قديمة هي أيضًا روايات حديثة.
وتحت عنوان "لا مزح مع الحقيقة" قالت الكاتبة المصرية سلوى بكر في شهادتها الأدبية: أن توشك على السبعين، لا بغضب أو بفرح يكون النظر إلى الوراء، فما كنت قد كنته، وما تكونه الآن، ما هو إلا فضلة من زحام وصخب، وأثر من زمن قد تشظَّى وانتثر، فها هي حروب المستنقعات الصغيرة التي دفعوك لخوضها قد خمد أوارها، وابتعدت عن روائها الزاكمة للأنوف، وصرت تسخر وتبتسم من أولئك الذين حاولوا سرقة أنفاسك، والتحليق بجناحي رئتيك، متلمِّظمين على روحك بالتجاهل والإبعاد والتهميش، مبتعثين بعوضًا يحومون به حول الضوء ذرًّا للرماد في العيون.
أن توشك على السبعين، وأنت تتأرجح بين الشك واليقين، تدري ولا تدري، تدرك ولا تدرك، حيث بلغت لعبة الرهانات نهايتها، وتبدَّدت غيوم الأوهام وتلاشت ضبابات الأحلام.
أن توشك على السبعين، عابرًا أزمنة إلى زمن تكون فيه المأساة ماسًّا، والملهاة قد اكتملت بالتمام، فتضيع بين الضحك والبكاء، أو تيمِّم وجهك صوب البلادة واللامبالاة.
أن توشك على السبعين، عليك أن تنظر بحب وامتنان إلى كل أولئك الذين ربتوا على كتفيك ومنحوك عطفًا قائلين: امضِ قدمًا إلى أمام، فلا شيء بات مستحقًا في الوراء، وها أنت تنشد الغفران، لكل أولئك الذين سعوا لتكسير عظامك وسحقك بمقتهم وغلهم، وكل سم يمزق الروح ويبيدها.
أن توشك على السبعين، مرفوع الرأس ثابت الخطى، وقد تعاليت على ثعالب الغابة وأمنت مكرهم بالطيبة والتسامح، وأنت الوحيد بلا سند، تاركًا الحصرم والعذب لهم، مكتفيًا بكسرة خبز وبعض من إدام، تبيت حامدًا شاكرًا، لأنك نجوت من عذابات الضمير وفخاخ الحقد الآكل للروح.
أن توشك على السبعين، مزهوًّا فرحًا بنزق الماضي، وكل تلك الخطايا الجليلة التي ارتكبتها خارج المألوف والمعتاد، وقد كنت مؤمنًا بما ظننت أنه نبيل وجميل، وربما ندمك الآن هو أنك لم ترتكب مزيدًا من هذي الخطايا وتضعها نجومًا على صدر العالم، وأنت توشك على السبعين، تمتن بسكينة المتأملين، لأناس رائعين، لم يعدوا نفسًا مقابل أنفاس، وابتسامة مقابل ابتسامات، أناس يفعلون خيرًا، ويمضون في طريقهم، لا ينتظرون شكرًا ولا تقريظًا. أليس العالم كان في البدء من أجل هؤلاء؟
وأنت توشك على السبعين، وتلوذ بزوايا الذات، سوف تحمد الله لأنك لم ترفض العالم رغم عنفه وقسوته، لكنك حاولت إعادة ترتيبه وفق تصوراتك الخيرة، ساعيًا لرسمه بكلمات أفضل ليكون أحلى وأكمل، ومكانًا يحتمل العيش فيه.
وأنت توشك على السبعين، تشبَّث بالبديهيات الأولى جالبة الدهشة، واسترخِ بأرجوحة البراءة اللذيذة مواصلاً الصفير والترنُّم ببهاء الأشجار والأطيار، فيا لبؤس عاشقي الإسمنت والأسفلت وكل ما يحجب النهر والسماء وقمرًا من بعيد يطل ويضيء.
وأنت توشك على السبعين، امتن لطريق الكلمات وقد أدركته سكة للسلامة وانتشال الروح والسمو بعيدًا عن سواد العالم، فهل تساءلت عما كنت فاعله دونها، وفي أي طريق كانت ستطوِّح بك الأقدار؟
فيا أيتها الكتابة.. يا نعمة النعم.. سأفر إليك دومًا، وكلما ضاق الحصار.