الصحراء تتكلم بلسان التراث.. أبوظبي تطلق مهرجان الظفرة برؤية تجمع بين الأصالة والحداثة

المهرجان، بما يحمله من رمزية تراثية، يُترجم جانباً عملياً من رؤية أبوظبي لتكون عاصمة عالمية للثقافة والإبداع، تجمع بين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد و التكنولوجيا.
من عبق البادية إلى أفق الثقافة.. الظفرة تروي حكاية الإمارات من الماضي إلى المستقبل
مهرجان الظفرة يجسّد رؤية الإمارات في صون الهوية
تراث يعيش ويتجدد.. أبوظبي تعيد رسم المشهد الثقافي عبر مهرجان الظفرة

أبوظبي - في سياق الاهتمام المتنامي بالتراث والثقافة الوطنية في دولة الإمارات، تنطلق في 27 أكتوبر/تشرين الأول  فعاليات الدورة التاسعة عشرة من مهرجان الظفرة تحت رعاية رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فيما يمتد المهرجان حتى 22 يناير/كانون الثاني 2026، بتنظيم من هيئة أبوظبي للتراث، ضمن موسم مزاينات الإبل في الإمارة. ويُعدّ المهرجان أحد أبرز الفعاليات الثقافية في المنطقة، إذ يجمع بين الأصالة والحداثة، ويجسّد الرؤية الوطنية في صون الموروث الشعبي وتوريثه للأجيال القادمة.

وانطلقت اليوم الخميس فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان الظفرة لسباقات الهجن، الذي ينظمه اتحاد الإمارات لسباقات الهجن في ميدان سباق الهجن بمدينة زايد، ويستمر أربعة أيام، بمشاركة واسعة من ملاك الهجن من مختلف أنحاء الدولة.

يقام المهرجان برعاية الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة، ويتضمن 107 أشواط في فئات الحقايق واللقايا والإيذاع، تتنافس خلالها المطايا على 24 رمزاً (ثمانية رموز لكل فئة)، إلى جانب جوائز نقدية وعينية خصصتها اللجنة المنظمة.

وتُفتتح المنافسات بفئة الحقايق عبر 24 شوطاً صباحياً لمسافة 3 كيلومترات، يحصل الفائز في كل شوط منها على 30 ألف درهم، إضافة إلى جوائز مالية حتى المركز العاشر، فيما تشهد الفترة المسائية 10 أشواط رئيسية تتراوح جوائزها بين 400 و500 ألف درهم.

وتتواصل المنافسات غداً الجمعة بـ 17 شوطاً في فئة الحقايق، تليها سباقات اللقايا يوم السبت عبر 22 شوطاً صباحياً وثمانية رموز مسائية، ويُختتم المهرجان في 26 أكتوبر الجاري بمنافسات فئة الإيذاع التي تشمل 18 شوطاً صباحياً وثمانية رموز في الفترة المسائية، بواقع أربعة رموز للأبكار والقعدان المفتوح والمحليات، وأربعة أخرى لفئة الإنتاج.

ويواصل مهرجان الظفرة تعزيز مكانته كحدث رياضي وتراثي بارز، يجمع بين الأصالة وروح التنافس، ويسلط الضوء على رياضة الهجن باعتبارها جزءاً من الهوية الثقافية الإماراتية.

رؤية القيادة ودعم الثقافة الوطنية

ويأتي تنظيم مهرجان الظفرة امتداداً لنهج القيادة الإماراتية في رعاية الثقافة الوطنية وتثبيت الهوية المحلية كإحدى ركائز التنمية الشاملة، فقد أولى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، اهتماماً خاصاً بالفعل الثقافي بوصفه عنصراً من عناصر القوة الناعمة للإمارات، ومجالاً استراتيجياً يعزّز التلاحم الوطني والانفتاح الإنساني في آنٍ واحد.

وفي هذا الإطار، تحوّلت الفعاليات التراثية إلى منصّات تربط الماضي بالحاضر وتعيد الاعتبار إلى الممارسات الشعبية باعتبارها جزءاً من مشروع ثقافي متكامل يسهم في بناء وعي المجتمع بهويته وتاريخه.

وتشكل الدورة التاسعة عشرة من مهرجان الظفرة حلقة جديدة في مسار الرؤية الثقافية الشاملة التي تتبناها إمارة أبوظبي ضمن استراتيجيتها حتى عام 2030، الهادفة إلى جعل الثقافة محركاً رئيسياً للتنمية المستدامة، ومجالاً للتفاعل الحضاري بين الشعوب.
فالمهرجان، بما يحمله من رمزية تراثية، يُترجم جانباً عملياً من رؤية أبوظبي لتكون عاصمة عالمية للثقافة والإبداع، تجمع بين الانفتاح على العالم والتمسك بالجذور، وتؤكد أن الاستثمار في الثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الاقتصاد أو التكنولوجيا.

وتنسجم فعاليات الظفرة مع جهود الإمارة في بناء منظومة ثقافية متكاملة تشمل المتاحف الكبرى، مثل متحف اللوفر أبوظبي، والمراكز المتخصصة في الحرف والفنون، والمبادرات التي تعزّز الحوار بين الثقافات. وبهذا المعنى، فإن المهرجان لا يُعد مجرد احتفاء بالماضي، بل تجسيداً لمفهوم "التراث الحي" الذي يربط الأصالة بالتجديد ويحوّل الموروث إلى مصدر إلهام للأجيال القادمة.

ومن خلال استدامة هذا الحدث، تؤكد أبوظبي ريادتها في توظيف الثقافة والتراث لخدمة الحاضر وصياغة المستقبل، وترسيخ مكانة دولة الإمارات كمنارة حضارية في المنطقة والعالم، تجمع بين القيم الإنسانية والتنوع الثقافي في إطار من الوحدة الوطنية والانتماء.

مزاينات الإبل والجوائز

ويمثل مهرجان الظفرة أكبر تظاهرة مخصّصة للإبل في المنطقة، إذ خُصصت 355 شوطاً و3,370 جائزة تفوق قيمتها 88.7 مليون درهم، توزّعت على فئات "المجاهيم" و"المحليات" و"المهجنات الأصايل" و"الوضح".

وتُقام فعاليات المزاينات عبر أربع محطات رئيسية: "مزاينة سويحان" من 27 أكتوبر/تشرين الأول إلى 3 نوفمبر/تشرين الثاني، "مزاينة رزين" من 15 إلى 22 نوفمبر، "مزاينة مدينة زايد" من 13 إلى 20 ديسمبر، وصولا إلى "مزاينة مهرجان الظفرة" الختامية من 3 إلى 22 يناير/كانون الثاني.

ولا تقتصر أهمية المهرجان على المنافسة الجمالية بين الإبل، بل تمتد لتشمل الحفاظ على السلالات الأصيلة وتطوير معايير التقييم، مما يجعل الحدث رافداً علمياً وثقافياً يعكس عمق العلاقة بين الإنسان والإبل في الوجدان الإماراتي والعربي.

مسابقات تراثية تُعيد إحياء الموروث

وإلى جانب المزاينات، تُقام 17 مسابقة تراثية خصصت لها 1,520 جائزة بقيمة تتجاوز 5.6 مليون درهم، تشمل مسابقات المحالب، والصيد بالصقور، ومزاينة الصقور والخيول العربية، وسباقات السلوقي العربي، ومزاينة غنم النعيم، ومسابقة التمور والرماية والطبخ، فضلاً عن مسابقات الأطفال والزي التراثي وفعاليات "شلة الظفرة" و"الشاي".

وتحتضن سوق الظفرة التراثي فعاليات حرفية وثقافية تسلّط الضوء على المهارات التقليدية، وتتيح للأسر الإماراتية المشاركة بعروضها ومنتجاتها المحلية، ما يعكس حضور التراث في الحياة اليومية بصورة معاصرة.

ترسيخ الهوية وبناء الروابط المجتمعية

ويرتبط مهرجان الظفرة ارتباطاً وثيقاً بمبادئ "عام المجتمع" في دولة الإمارات، حيث يسعى إلى تعزيز قيم التلاحم الأسري والتكافل الاجتماعي من خلال أنشطته التي تجمع مختلف فئات المجتمع. كما يشكّل المهرجان فرصة للتفاعل بين الأجيال، بما يسهم في نقل المعرفة التراثية من الكبار إلى الشباب، وتجديد الصلة بالبيئة المحلية في الصحراء التي شكّلت مهد القيم الإماراتية الأصيلة.

البعد الاقتصادي والسياحي

من جهة أخرى، أصبح المهرجان منصة لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية في المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي، إذ يستقطب آلاف المشاركين والزوار من داخل الدولة وخارجها، ويعزّز تجارة الإبل والصقور والخيول، إلى جانب الصناعات التقليدية. ويسهم هذا النشاط في دعم الاقتصاد المحلي وتنويع مصادر الدخل، مع ما يرافقه من حراك ثقافي واجتماعي واسع.

الثقافة كجسر بين الأصالة والمعاصرة

ويؤكد مهرجان الظفرة، ومعه مجمل البرامج التي تنفذها هيئة أبوظبي للتراث، على أن الحفاظ على التراث ليس مجرد احتفال رمزي، بل مشروع وطني مستمر يتكامل مع رؤية الدولة للمستقبل. فالموروث الشعبي من العادات إلى الفنون ومن السنع إلى الفروسية — يشكّل ركيزة للهوية الوطنية وجسراً للحوار الثقافي مع العالم.

ومن خلال هذه الفعاليات، تُبرز الإمارات صورتها كدولة تجمع بين الحداثة والانتماء، وتقدّم نموذجاً في استخدام الثقافة كأداة للتنمية والتفاهم الإنساني، فيما يواصل مهرجان الظفرة أداء دوره كمنصة سنوية للاعتزاز بالهوية وإحياء الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة.