'بامو' لإدريس المريني.. حين تتحول السينما إلى فعل استذكار وطني

نادي البرنوصي السينمائي بالدار البيضاء يحتضن عرض الفيلم في إطار الاحتفال بذكرى تقديم وثيقة الاستقلال.
الفيلم يعد استحضارا فنيا لنضال المغاربة ودور المرأة في معركة الاستقلال

نستحضر في هذا اللقاء المنظم في رحاب نادي البرنوصي السينمائي إحدى اللحظات المفصلية في تاريخ المغرب الحديث، والمتمثلة في ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، تلك الوثيقة التي لم تكن مجرد نص سياسي، بل كانت إعلاناً جماعياً عن وعي وطني تشكّل عبر سنوات من المقاومة والتضحيات. ويأتي هذا الاستحضار من خلال السينما، باعتبارها فناً قادراً على إعادة بناء الذاكرة الجماعية، وتحويل الأحداث التاريخية من وقائع جامدة إلى صور نابضة بالحياة، قادرة على مخاطبة الوجدان والعقل معاً.

يؤكد اختيار عرض فيلم "بامو" للمخرج إدريس المريني في افتتاح هذا الموعد الثقافي أن السينما ليست ترفاً فنياً، بل وسيلة من وسائل حفظ الذاكرة الوطنية، وجسراً يربط الحاضر بالماضي، حيث يتحول العرض السينمائي إلى فعل استذكار جماعي لمرحلة نضالية شكّلت ملامح الهوية المغربية، وأسهمت في بناء وعي الأجيال المتعاقبة بقيمة الحرية والاستقلال.

يبرز فيلم "بامو" بوصفه عملاً يتجاوز السرد الحكائي التقليدي، ليغدو وثيقة بصرية تستحضر مرحلة من أشد مراحل الصراع مع الاستعمار الفرنسي، من خلال قصة إنسانية عميقة تتخذ من المرأة المغربية محوراً لها، مقدِّماً إياها كفاعل أساسي في المقاومة، لا كعنصر هامشي، ومبرزاً أدوارها في الصمود والتضحية وحماية الذاكرة الجماعية في زمن القهر والاستلاب.

يسجل هذا الفيلم سابقة فنية وتاريخية في مسار السينما المغربية، كونه أول عمل روائي طويل يقتبس رواية مغربية كاملة تحمل العنوان نفسه، للكاتب الراحل أحمد زياد، وهو ما دشّن علاقة واعية بين السينما والأدب المغربيين، وأكد أن الرواية الوطنية تشكل خزاناً سردياً وتاريخياً يمكن للصورة السينمائية أن تستلهمه وتعيد تشكيله بصرياً.

يكشف إقدام إدريس المريني على تناول موضوع المقاومة الوطنية عن جرأة فنية واضحة، خاصة إذا استحضرنا السياق الزمني لإنجاز الفيلم سنة 1983، وهي مرحلة كانت فيها السينما المغربية لا تزال تبحث عن ذاتها على المستويات الإبداعية والتقنية والإنتاجية، الأمر الذي يجعل من "بامو" مغامرة حقيقية واجهت محدودية الإمكانيات بإرادة فنية واضحة ورؤية توثيقية واعية.

يساهم الفيلم في التعريف، لأول مرة لدى شريحة واسعة من الجمهور، برواية مغربية تؤرخ لأحداث جسام من تاريخ المقاومة في منطقة ووزيغت بإقليم بني ملال، ويتصدرها اسم المقاوم الشهيد أحمد الحنصالي، كما يسلط الضوء على كاتبها أحمد زياد، مما يجعل من الفيلم مدخلاً معرفياً للتاريخ المحلي والوطني معاً.

يخوض إدريس المريني مغامرة إنتاجية لا تقل جرأة عن مغامرته الإبداعية، إذ إن الأفلام ذات الخلفية التاريخية والنضالية تتطلب ميزانيات ضخمة ووسائل لوجستيكية معقدة، من خيول وأسلحة وملابس ومؤثرات، وهي عناصر افتقر إليها الفيلم قسراً، لكنه استطاع رغم ذلك إيصال رسائل واضحة حول كفاح المغاربة ضد الاستعمار الفرنسي خلال أربعينيات القرن الماضي.

يوثق الفيلم، عبر تفاصيله البصرية، ملامح الحياة اليومية لتلك المرحلة، من خلال ديكورات مدروسة وملابس وإكسسوارات أعادت بناء الفضاء التاريخي، من المقاهي الشعبية وخيام الحدادة إلى الأسواق التقليدية والعربات التي تجرها الدواب، بما يمنح العمل بعداً توثيقياً يتجاوز حدود السرد الدرامي.

يوظف المخرج جهاز المذياع توظيفاً ذكياً باعتباره رمزاً للوعي الوطني، خاصة في المشهد الذي يُعتقل فيه فقيه الجامع بسبب استماعه لإذاعة صوت العرب، حينما يتحول الصوت الإذاعي إلى فعل مقاومة، ويصبح استمرار بثه رغم القمع دلالة على أن الوعي لا يمكن مصادرته. كما يعزز استعمال الأناشيد الوطنية، وعلى رأسها نشيد "عيشي دولة المغرب"، الحمولة العاطفية للفيلم، خاصة في مشاهد المظاهرات، إذ تمتزج الصورة بالصوت لتوليد إحساس جماعي بالانتماء، واستحضار تضحيات المناضلين والشهداء في سبيل الحرية والاستقلال.

ويخلد فيلم "بامو" نخبة من رواد التمثيل المغربي في المسرح والتلفزيون والإذاعة والسينما، من خلال جمعه أسماء بارزة شكّلت الذاكرة الدرامية الوطنية، مثل محمد حسن الجندي، العربي الدغمي، ثريا جبران، محمد مفتاح وغيرهم، ليصبح العمل سجلاً بشرياً حياً للأداء والصوت والحضور.

ويستفيد إدريس المريني في هذا التوجه التوثيقي من تجربته الطويلة في التلفزيون المغربي، واشتغاله على البرامج الوثائقية والتاريخية، وهو ما منحه حساً بصرياً ووعياً أرشيفياً انعكس بوضوح في اختياراته الإخراجية واهتمامه بالتفاصيل. كما يتميز الفيلم أيضاً بريادته في الاعتماد على موسيقى تصويرية أصلية وضعها ملحن مغربي، المرحوم محمد بلخياط، في خطوة تؤكد السعي إلى بناء هوية سمعية مغربية خالصة، قبل أن يُرمم لاحقاً بإيطاليا، وتُنجز دبلجته إلى اللغة الأمازيغية انسجاماً مع فضائه الثقافي.

ويتوج هذا المسار بحصول الفيلم على اعترافات وجوائز وطنية ودولية، من مهرجان القاهرة السينمائي إلى المهرجان الوطني للفيلم، وهو اعتراف بقيمته الفنية والتاريخية، وبكونه عملاً أسهم في ترسيخ السينما المغربية كحامل للذاكرة الوطنية ورافد من روافد الوعي الجماعي.