الصدر يُلوح مجددا بورقة الشارع في غير معاقله التقليدية
النجف 'العراق) - في خطوة لافتة تعيد خلط الحسابات داخل الساحة الشيعية العراقية، دعا مقتدى الصدر زعيم التيار الوطني الشيعي (المعروف سابقاً بالتيار الصدري)، إلى إقامة صلاة جمعة موحدة "مليونية" في محافظة بابل، موجهاً أنصاره إلى أن يكون الحضور الجماهيري بحجم يرهب "الأعداء".
والدعوة التي صدرت في بيان مقتضب جاءت لتؤكد أن الصدر، رغم انسحابه الشكلي من العمل السياسي المؤسساتي، لم يبتعد عن استخدام أدواته التقليدية في توجيه رسائل سياسية حادة عبر تحريك الشارع ولا سيما أن توقيتها يأتي في ظل حالة إعادة تشكّل داخل البيئة الشيعية وديناميكيات التحالفات القديمة والجديدة.
ويُنظر إلى هذه الدعوة بوصفها رسالة مزدوجة: الأولى إعلان عودة الصدر إلى صدارة الفعل السياسي غير المباشر عبر الحشد الجماهيري، والثانية محاولة لإعادة برمجة ميزان القوى داخل البيت الشيعي، وإظهار قدرته على استعادة زمام المبادرة كلما شعر بأن توازنات النفوذ باتت تميل لمصلحة قوى أخرى.
واختيار الصلاة كإطار تعبوي ليس جديداً في استراتيجية الصدر، فلطالما لجأ إلى الرمزية الدينية لتأطير تحركاته، مانحاً إياها غطاءً شرعياً وشعبياً يصعّب على خصومه مواجهته في ميدان لا يمتلكون فيه نفس القدرة على الحشد.
واللافت في الدعوة الأخيرة أنها لا تستهدف جمهور الصدر فقط، بل تحمل رسائل إلى الخصوم داخل الساحة الشيعية ممن حاولوا خلال الشهور الماضية تكريس واقع سياسي يتجاهل وزنه الجماهيري أو يعتبر انسحابه السابق من البرلمان فرصة لإعادة ترتيب الخريطة بما يقلّص نفوذه.
واستخدامه لعبارات مثل "ليكون تجمعا مليونيا يرهب الأعداء" يشير إلى أن الصدر يريد إعادة تذكير الجميع بأن ورقة الشارع ما تزال في جيبه، وأن قدرته على الحشد السريع والمنظم لا تزال إحدى أهم أدوات الردع السياسي لديه. ولهذا فإن الدعوة لا يمكن فصلها عن محاولات بعض الأطراف تعزيز مواقعها داخل الحكومة أو الدفع باتجاه تسويات لا تأخذ مصالح الصدر في الحسبان.
ويكتسب اختيار محافظة بابل تحديدا دلالة خاصة، فالمحافظة ليست معقلا تقليديا للتيار كما هو الحال في بغداد أو النجف، بل تمثل منطقة وسطية جغرافيا وسياسيا، ما يجعلها منصة مثالية لإرسال رسالة مفادها أن حضور الصدر لا يقتصر على مناطقه التقليدية، وأن نفوذه يمتد إلى محافظات ذات حساسية رمزية في الوسط الشيعي.
كما أن إقامة تجمع مليونـي في بابل يمنح الحدث بُعدا وطنيا أوسع ويكسر الصورة النمطية عن أن تيار الصدر محصور في مناطق الفقراء أو المدن ذات الإرث الصدري. وبذلك، يسعى الرجل إلى إظهار التيار باعتباره قوة شعبية واسعة الانتشار يمكنها التحرك في أي محافظة تريد، وهو ما يشكل رسالة ضغط إضافية على منافسيه.
اختيار بابل يحمل كذلك بعدا رمزيا يرتبط بإرثها الديني والتاريخي، فهي تُعد نقطة تلاقٍ للمحافظات الشيعية الرئيسية. وبالتالي فإن أي حشد جماهيري كبير فيها يُقرأ كإشارة واضحة إلى وحدة القاعدة الشعبية خلف الصدر، وإلى إمكانية تحريك جمهور عابر للمناطق. كما أن إقامة حدث بهذا الحجم في محافظة غير مكتظة سكانيا مثل بغداد يجعل القدرة على تنظيم حشد "مليوني" هناك اختباراً لمدى الانضباط والتنظيم داخل التيار، وهو ما يبدو أن الصدر يريد إثباته في هذا التوقيت تحديداً.
أما من الناحية السياسية، فإن الدعوة تشير إلى أن الصدر بدأ مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أوراقه، فعدم ذكر "العدو" بالاسم يمنحه مساحة سياسية مرنة يمكن توجيهها نحو أي طرف لاحقاً، سواء كانت قوى سياسية شيعية منافسة، أو الحكومة، أو أطراف خارجية تؤثر في القرار العراقي. ويتيح الغموض قصدا للصدر رفع سقف التوقعات من دون أن يلتزم بخطوة مباشرة، مانحاً نفسه هامشاً للمناورة على طاولة التوازنات السياسية.
وتوحي اللغة المستخدمة في بيانه بأن التحشيد ليس هدفا بحد ذاته، بل تمهيد لحراك أوسع قد يرتبط بمفاوضات داخل البيت الشيعي أو بتحضيرات لمواجهة قرارات أو ترتيبات سياسية يعتقد الصدر أنها تتجاوز دوره. ومع أن الصدر كثيراً ما يتعهد بالابتعاد عن السياسة الرسمية، فإن هذه الدعوة تكشف أن الرجل لا يزال يرى في الشارع وسيلته المفضلة لإعادة ضبط الإيقاع السياسي، وأنه مستعد للعودة إلى المشهد كلما شعر بأن ميزان القوى مهيأ لاستعادة دوره.
وبهذا، يمكن القول إن دعوة الصدر لصلاة جمعة موحدة في بابل ليست مجرد حدث ديني أو تجمع تعبوي، بل خطوة سياسية محسوبة تعيد إدخاله إلى قلب السجال السياسي وتؤسس لمرحلة قد تشهد تحركات أوسع للتيار في الفترة المقبلة.