الصور الاستعارية في القصيدة العربية من وجهة نظر حاسوبية

كتاب عشري محمد علي يطمح إلى دراسة الظواهر الجمالية دراسة علمية كمية موظفة التقنيات التكنولوجية الحديثة في السيطرة على الظاهرة الجمالية. 


الاستعارة بنية ثنائية تعتمد على بؤرة وإطار وأن البؤرة تحدد النمط الصرفي للاستعارة كما يحدد الإطار النمط النحوي لها


المؤلف وعى بأن  الظاهرة الجمالية متأبية بطبيعتها على الدقة العلمية الآلية

في كتابه "الصور الاستعارية في القصيدة العربية المعاصرة"، يعالج د. عشري محمد علي صور الاستعارات في الشعر العربي المعاصر من وجهة نظر إحصائية حاسوبية، تطمح إلى دراسة الظواهر الجمالية دراسة علمية كمية موظفة التقنيات التكنولوجية الحديثة في السيطرة على الظاهرة الجمالية. 
يلاحظ القارئ أن المؤلف وعى بأن  الظاهرة الجمالية متأبية بطبيعتها على الدقة العلمية الآلية، وهذا يتضح من قوله: "ومن أخطر المشكلات التي تواجه اللغة الأدبية ظاهرة الاستعارة، وتأتي خطورة هذه الظاهرة من صعوبة معالجتها، ولهذا تهدد أية محاولة حاسوبية، ولكن الذي لاشك فيه أن هناك نظامًا تبنيه الاستعارة على أنقاض النظام السابق وهو ما يمكن للحاسوب بعد تزويده بمبادئ هذا النظام الاستعانة به في معالجة الاستعارة".
من هذا المنطلق يحاول المؤلف دراسة الاستعارة من منظور حاسوبي رغم ارتيابه في إمكانية دراسة الاستعارة من الجانب اللغوي فقط يقول: "إن أية دراسة تطمح أن تكون علمية فعليها أن تدرس الظاهرة من جميع جوانبها، حتى لا تتجزأ الظاهرة الواحدة وتتفرق مباحثها، مما يحول دون الوصول إلى رؤية شمولية لها، ومن هنا كانت ضرورة دراسة الاستعارة من جميع مستوياتها اللغوية من صرف ونحو ودلالة لتحديد أنماطها المختلفة".
ويقتبس المؤلف من د. محمد عبدالمطلب استثناء المستوى الصوتي من الدراسة الذي يجب في نظره تجاوزه للمنتوج الدلالي نفسه، لكن يرجع الباحث ثانية فيقر مع عبدالمطلب قائلا: "فالذي لا خلاف حوله أن هناك مستوى صوتيًا يرتبط بمستوى دلالي، فالبلاغيون توجهوا إلى الثاني دون الأول لأنه لا قيمة جوهرية للوقوف عند المستوى الصوتي".
لقد حرص الكاتب على تقديم جهد نقدي واضح من أجل ضبط العلاقة – بين الاستعارة واللغة والإحصاء والحاسوب – وهي علاقة – مركبة بطبيعتها. ولقد حاول الكاتب الإفادة من الجهود النقدية الأسلوبية الإحصائية السابقة عليه خاصة دراسة الأستاذ العلامة سعد مصلوح عن الاستعارة بوصفها خاصة أسلوبية في كتابه عن البارودي وشوقي والشابي "في التشخيص الأسلوبي الإحصائي للاستعارة: دراسة في دواوين البارودي وشوقي والشابي". 

الكتاب بموضوعه المهم ومنهجيته الأهم يطرح على القارئ العربي أسئلة منهجية ومعرفية وجمالية غاية في الخطورة والأهمية معًا بصدد علاقة المنهج النقدي بموضوعه الجمالي

وقد اختار مصلوح دواوين ثلاثة أعلام كبار باعتبارهم ممثلين لثلاثة اتجاهات رئيسة في الشعرية العربية، وهي الاتجاه الإحيائي الكلاسيكي عند البارودي ثم الإحيائية الجديدة لدى شوقي ثم الاتجاه الرومانسي لدى الشابي.
تأتي أيضا أهمية هذا الكتاب من شجاعة المؤلف، وأهمية محاولته الربط بين حقول معرفية متعددة ومتباينة في وقت واحد، فهو يبحث في مفهوم الاستعارة الشعرية من جهة، وعلاقتها بالحقول الدلالية في علم اللغة من جهة أخرى، ووسائل الضبط العلمي الكمي في علوم الحاسب من جهة أخيرة؛ ومن ثمة فإن الدراسة تقع على تخوم علوم ومعارف ومناهج متعددة متباينة وهنا تتبدى وعورة المسلك والمنهجي، والتوازن المعرفي بين علوم يجمعها كثير من التباين وقليل من التآلف فلسفة ومنهجًا ورؤية وممارسة، وهي: الحقول الاستعارية، والحقول الدلالية والحقول البرمجية التقنية. 
يقول الكاتب: "إن الهدف من معالجة الاستعارة هو الوصول إلى مؤشرات لغوية لها يمكن ضبطها آليًا، ويمكن برمجتها وتنميتها؛ لكي تجعل الآلة قادرة على ما يقوم به العقل البشري من التمييز بين العبارات الصريحة المباشرة وبين ذروة الفن اللغوي المتجسد في المجاز والاستعارة، وهي محاولة لا تخلو من الصعوبات؛ لأنها تحاول إخضاع الفن المعقد للعلم الدقيق، فإن تفهم آلة المجاز وهو ذروة الفن القولي ثم تحلل أنواعه المختلفة هذا شيء صعب. 
من هنا جاء التفكير في هذه الدراسة لفك شفرة المجاز، حيث استخدم الحاسوب في عمل برنامج يستطيع أن يكتشف الاستعارة داخل النصوص الشعرية. ومن يتعرف على برامج الحاسوب يجدها ببساطة عبارة عن مخرجات لمدخلات لا يقوم الحاسوب بمعالجتها إلا بعدما يغذيه بها واضع البرنامج، وهذا الأمر ينطبق على برامج التشغيل والبرامج التطبيقية ولغات البرمجة، وهذا يعني شيئين، الأول: أن العقل البشري هو الذي يوجه العقل الإلكتروني كيف يشاء، والثاني: أن العقل البشري يستطيع أن يمد العقل الإلكتروني بما يريد من خبرات ومهارات ليقوم الأخير بمحاكاة ما عند الأول باستثناء ما خص الله تعالى به الإنسان من قدرات خاصة يصعب على العقل الإلكتروني محاكاتها".
يرى الكاتب في خاتمته لكتابه أن القدرات الحاسوبية هي التي فرضت على المادة المدروسة أكثرها مناسبة لها، فقد اختيرت أقرب مفاهيم الاستعارة تناسبًا مع الحاسوب، كما طبقت أقرب نظريات الاستعارة وأكثرها توافقًا مع الدراسة الحاسوبية. وقد تبين للكاتب بعد بحثه الجاد حول أنماط الاستعارة في الشعر العربي المعاصر أن الاستعارة بنية ثنائية تعتمد على بؤرة وإطار وأن البؤرة تحدد النمط الصرفي للاستعارة كما يحدد الإطار النمط النحوي لها، وبعد تحديد الأنماط الصرفية والنحوية والدلالية للصور الاستعارية قام الحاسوب باستخراج الأنماط اللغوية الخاصة بكل استعارة.
ولعل هذا الكتاب بموضوعه المهم ومنهجيته الأهم يطرح على القارئ العربي أسئلة منهجية ومعرفية وجمالية غاية في الخطورة والأهمية معًا بصدد علاقة المنهج النقدي بموضوعه الجمالي.
يذكر أن كتاب "الصور الاستعارية في القصيدة العربية المعاصرة”، لمؤلفه د. عشري محمد علي، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة. (وكالة الصحافة العربية)