الطيور .. كيف تبني عشوشها؟

عش الطائر يكون مختفيا عن الأنظار في أغلب الأحيان. مخفيا داخل سياج من الشجيرات، أو في البوص والحشائش العالية.


أدوات بناء العشوش


العصفور الأوروبي


الطائر الطنان

بقلم: محمد زكريا توفيق
 
لماذا يمكننا رؤية الطيور بسهولة، لكن نادرا ما نرى عشوشها؟ موسم بناء العشوش للطيور، يمثل أخطر فترة في حياة الطائر، بالنسبة للأبوين وأطفالهما على السواء. هي فترة يكون فيها الطائر وعائلته عرضة لفتك الأعداء.
 لهذا يكون عش الطائر مختفيا عن الأنظار في أغلب الأحيان. مخفيا داخل سياج من الشجيرات، أو في البوص والحشائش العالية، أو بين أغصان قمم الأشجار.
 ربما تتعجب من كثرة العشوش المهجورة عندما تراها في فصل الخريف بعد أن تسقط أوراق الشجر. اختيار موقع العش شيء مهم بالنسبة للطائر. هذه في الغالب هي وظيفة الذكر. كل نوع من الطيور يفضل مكانا معينا لا يختاره غيره من الأنواع.
 ذكور الطيور المهاجرة تهرب أولا قبل قدوم الشتاء، تتبعها الإناث. عندما يختار الذكر مكانا يصلح لبناء عشه، يبدأ في الغناء بصوته الصداح. لا ليطربنا، ولكن لكي يعلن للجميع وعلى الملأ ملكيته لهذا الموقع الفريد. ملكية بوضع اليد.
 وعلى المعتدي أن يفكر ألف مرة قبل أن يقترب. لسان حاله يقول، "دع سمائي فسمائي محرقه، دع قنالي فمياهي مغرقه، واحذر الارض فأرضي صاعقه". الغناء هنا هو عبارة عن تحذير وإعلان ملكية وتسجيل في الشهر العقاري.
 في الغالب، تحترم باقي الطيور هذا النداء والتحذير. لكن في بعض الأحياء، يحدث الشجار ويفوز القوي المكين بالمكان. (شغل عافية). بالنسبة للأنثى غير المرتبطة ببعل، الغناء يعني لها شيئا إضافيا. الذكر قد وجد مكانا مناسبا يصلح لبناء العش، وهو الآن يبحث عن زوجة تشاركه الحياة الزوجية المنشودة. 
معظم أنواع الطيور، زواجها زواج أبدي مثل زواج المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك. أنواع قليلة الزواج بينها لمدة سنة واحد أو موسم واحد، أو عدة سنوات. زوجة واحدة هي القاعدة عند الطيور، لكن تعدد الزوجات ليس من الممنوعات ولا هو بالشيء الغريب.
 زوجة واحدة وعدم تعدد الزوجات، بالنسبة للطيور، يعتبر شيء ضروري لحياة الطائر. رعاية الصغار مكلفة، هم وغم ومسؤولية، تحتاج إلى تعاون الجنسين. فهما يقومان سويا ببناء العش، ورعاية الصغار وإمدادهم بالدفء والغذاء. تعدد الزوجات لا يسمح بذلك. بالرغم من هذا، فالخيانة الزوجية موجودة بين الطيور وبكثرة. قد تصل في كثير من الحالات إلى 55 %.
 إذا مر ضيف عابر، ووجدت الأنثى أن ذيله أطول وأكثر لمعانا من زوجها المرافق لها، فلا مانع من وصال هذا الضيف الغريب العابر، بعدها يذهب إلى حال سبيله بعد أن يكون قد أخذ مزاجه وروي شبقه. تاركا الزوج المسكين ليقوم بواجبات الأبوة نحو صغار ليسوا من صلبه. 
 فرصة الأنثى في الإنجاب أقل من الذكر. لذلك جعلتها عوامل التطور أكثر حرصا على اختيار شريكها من بين الذكور. إنها تبحث عن الشريك الذي تدمج جيناتها بجيناته لتكوين النسل الجديد.
هذا يعني أنها تبحث عن أفضل الجينات الموجودة أمامها. وحيث إن أنثى الحيوانات ليس لديها معمل كيميائي لتحليل الجينات، لكي تختار أفضلها، لذلك فهي تحكم على الذكر أمامها بالطريقة الوحيدة التي تعرفها. الحكم على شكله، وسلوكه وقوة صوته وعذوبة غنائه. هذا ما نفعله أيضا نحن البشر.
السؤال هنا، من يقوم ببناء العش؟ ليس لدينا إجابة واحدة عن هذا السؤال. أنواع كثيرة يشترك الزوجان في عملية بناء العش. هذا بالنسبة للغراب والعصفور واللقلق وآخرين.
 هنا تقسيم للعمل. غالبا ما يقوم الذكر بمعظم البناء. بينما تقوم الأنثى بفرش العش من الداخل بمواد ناعمة وطرية. بالنسبة لطائر "المالك الحزين"، يجمع الذكر المواد، وتقوم الأنثى بترتيب البيت وعمل الديكور الداخلي.
 بالنسبة للطيور التي لا يرقد منها الذكر على البيض، مثل البط، تقوم الأنثى ببناء العش وحدها. أنواع أخرى، يبني الذكر وحده العش، منها طائر نقار الخشب، الذي ينقر بمنقاره حفرة عميقة في جذع الشجرة، وهو عمل شاق لا يقوى عليه إلا الرجال.
 عندما يتطلب بناء العش مهارة معينة، يقوم بالبناء الذكر وحده. لماذا لا تقوم أنثى الطيور بالأعمال التي تتطلب مجهودا أو مهارة عالية، وتكتفي هي بترتيب البيت من الداخل؟ هذا شيء محير.
 أدوات البناء بالنسبة لكل الطيور لا تخرج عن المخلب أو المنقار أو كلاهما. هذا يتوقف على نوع مواد البناء. الطيور تستخدم الريش والشعر والقش وأوراق وأغصان الشجر وكل المواد الناعمة، وكذلك الطمي وحتى خيوط بيت العنكبوت.
 عملية البحث عن المواد اللازمة لبناء العش، هي عملية روتينية مرهقة. لذلك تلجأ الطيور إلى سرقة مواد البناء من بعضها البعض، كما هو الحال بالنسبة للطائر الطنان الذي يعيش في المكسيك.
 إذ يقوم الطائر بسرقة بعض مواد البناء من عش آخر، بينما الأم داخله ترقد على بيضتين لها داخل العش. قد تستمر السرقة حتى ينهار العش بالكامل.  الغريب في الأمر، أن الأم لا تحاول الدفاع عن عشها لكي تحميه من السرقة.
 هناك طريقة أسهل، وهي سرقة العش بأكمله. طائر الزرزور يهاجم صاحب العش فور بنائه ويأخذه لنفسه. (عملية عافية). عصافير الملك، وتسمى أيضا بالطاغية، الموجودة في الأميركتين، تدافع عن عشوشها بشراسة وبالصراخ المدوي. من هنا جاء اسمها، "الطاغية". فهي تستطيع أن تصد هجوم طائر أكبر حجما منها.
 العصفور الأوربي المعروف بكاسرات البندق، يستخدم أسلوبا آخر في الدفاع عن عشه ضد السرقة. إنه يعمل عشه كحفرة في جزع الشجرة، ثم يجعل المدخل ضيقا جدا لا يسمح لطائر غيره أكبر منه حجما بالمرور، (نباهة). العش لا يصلح إلا له ولأسرته.  لذلك هو محصن ضد الاستيلاء والسرقة بالعافية والبلطجة.
 كثير من الأنواع، يتناوب الذكر والأنثى الرقاد على البيض. هذا هو الحال بالنسبة للحمام والكركي واللقلق والزرزور وآخرين. وهناك أنواع ترقد الأنثى فقط على البيض. منها الدجاجة المنزلية والبطة والبومة والغراب والشرشور والطنان، إلخ. أيضا أنواع طيور أخرى، يرقد الذكر على البيض وحده دون الأنثى، شيء غير مخجل أو عيب في عالم الطيور. منها الروحاء، وهو طائر من فصيلة النعامة، الزقزاق، الفلروب.
 الطيور تحتاج إلى مأوى لأطفالها. لذلك تقوم ببناء العش في شكل سلطانية عميقة أو فنجان. هذا يعني أن يكون للعش قاعدة وحواف، لكن مفتوحا من أعلى. طائر الواق، وهو من فصيلة مالك الحزين، يبني عشه بهذا الشكل.
 الذكر يبدأ بناء العش، ثم تنضم إليه الأنثى للمساعدة بعد ذلك. يبني الطائر بيته من القش. يضع القشة فوق القشة بالطول أو متشابكة، بطريقة تدعم كل منها الأخرى. يأخذ الطائر القشة بمنقاره، ثم يضغط عليها بباقي جسمه إلى جدار العش حتى تأخذ الشكل المطلوب.  داخل العش مفروش بالمواد الناعمة الطرية.
 قوة بناء العش تتوقف على حجم الطائر. النسر الذهبي يجمع أغصانا لبناء عشه في أعالي الأشجار أو على قمم الصخور أو أعمدة التليفونات، قد يبلغ طول العش مترا أو مترين. داخل العش، مفروش بأوراق الشجر الجافة وما يتساقط من الأشجار والنباتات على الأرض.
 النسر الأصلع (الشعار القومي للولايات المتحدة) يستخدم نفس العش عاما بعد عام، وقد نصل إلى 36 سنة متواصلة، أو إلى أن تسقط الشجرة بفعل العاصفة. عش طائر اللقلق الأوروبي، يستخدم نفس العش كل عام أيضا. قد يبلغ قطر العش مترين وارتفاعه قد يصل إلى مترين ونصف.
 الطائر الطنان (300 نوع)، الذي لا يزيد حجمه عن عقلة الإصبع، ويبتلعه الضفدع ظانا أنه حشرة، يظهر فجأة كأنه خرج من قبعة ساحر، ليحوم بين الزهور في الأميركتين. هذا الطائر هو الطائر الوحيد الذي يستطيع الوقوف في مكانه في الهواء طائرا، ويستطيع الطيران إلى الأمام أو إلى الخلف أو بزاوية بنفس المقدرة. ضربات أجنحته قد تصل إلى 200 ضربة في الثانية الواحدة. إنها لمتعة حقا أن تشاهد الطائر الطنان بألوانه الزاهية وهو يحوم بين الزهور.
 بمنقاره الطويل نسبيا، يجمع رحيق الزهرة من عمقها الدفين. ينطلق مثل الصاروخ إلى الأمام أو إلى الخلف، ويطير في شبه قوس من زهرة إلى زهرة. غذاؤه الرئيسي هو رحيق الأزهار، مثل نحل العسل أو آلهة الأوليمبي. لكنه يتغذى أيضا على الحشرات والعناكب الصغيرة التي تقع في طريقه أثناء الطيران. الطائر الطنان هو أصغر الطيور المعروفة حجما في العالم. أصغرها وجد أن حجمه لا يزيد عن حجم نحلة العسل.
 الحجم الصغير يسبب مشكلة بالنسبة لحيوانات الدم الساخن. كلما صغر حجم الكائن، زادت نسبة مساحة جسمه بالنسبة لحجمه. هذا يعني زيادة تسرب حرارة جسمه. لهذا نقوم بتقطيع كوز البطاطا الواحد إلى أجزاء حتى يبرد بسرعة.
 الكائنات ذات الدم الساخن صغيرة الحجم جدا، والتي تعيش  في المناخ البارد، عليها أن تأكل كميات كبيرة من الغذاء بالنسبة لحجمها في فترات متقاربة، حتى يمكنها الحفاظ على حرارة أجسامها ثابتة. هذا يعني أن الطائر الطنان، عليه أن يبني عشا يحمي صغاره من البرد ويحافظ على حرارة أجسام صغاره بعد الفقس.
 الطائر الطنان من عائلة  (Trochilidae)، يعيش في الأميركتين. الذكور لها ألوان جميلة خلابة وذيل طويل نسبيا. في موسم التزاوج، يقوم الذكر بالطيران وعمل استعراض رائع بالشقلبة في الهواء والقيام بحركات بهلوانية، يستعرض بها ألوانه الزاهية، حتى ترضى عنه الأنثى وتسمح بوصاله.
 لكن بعد الوصال، يفر الذكر هاربا من مسؤولية الزواج وتربية الأطفال، تاركا الأمر للمسكينة زوجته. التي عليها أن تقوم ببناء العش وتربية الصغار وإطعامهم بمفردها دون معاونة من أحد.
 الطائر الطنان يبني عشه في شكل فنجان القهوة. المواد المستخدمة في بناء العش هي من أجود الأنواع. البناء يتم بعناية وحرفية بالغة. قاع العش وجدرانه سميكة، حتى لا تتسرب الحرارة منها أو إليها.
 العالم "إتش أو واجنر" ظل يدرس كيف يبني الطائر الطنان عشه في المكسيك لمدة عشر سنوت، ثم كتب لنا ما يلي:
 "قامت أنثى الطائر الطنان باختيار مكان عشها المنشود على نقطة تلاقي فرعين من شجرة لا يبعدان كثيرا عن الأرض. أخذت في إحضار خيوط بيت العنكبوت بمنقارها، وقامت بتثبيتها في عدة أماكن في مكان العش. ثم أخذت في شد الخيوط لبناء ما يشبه أساس البيت، لكن كله من خيوط العنكبوت. (خيوط العنكبوت أقوى خمس مرات من خيوط لها نفس السمك مصنوعة من الصلب).
 بعد ذلك، أخذت في جمع نباتات وزهور قطنية ناعمة وصوف أغنام متساقط.  ثم أخذت أنثى الطائر في ضغط هذه المواد في جدران العش الداخلية. قاع العش مبني من طحالب جافة (نباتات بدون زهور). خيوط العنكبوت تستخدم لتثبيت هذه المواد بجدران وقاع العش. بعد ذلك، تبنى الحافة من عدة طبقات من خيوط العنكبوت حتى يتماسك العش."
 أثناء فترات البرد الشديد، لن يستطيع جدار العش منع تسرب الحرارة للخارج. فماذا يفعل الطائر الطنان لحل هذه المشكلة؟ بدلا من محاولة بقاء درجة حرارة جسمه ثابتة، وهو أمر يصعب تحقيقه لعدم توفر الغذاء في هذه الأوقات، يقوم الطائر بخفض درجة تمثيله الغذائي، ويتحول إلى حالة تشبه البيات الشتوي، أو إلى حالة حيوانات الدم البارد.
 في أوربا، طائر الصعو أو النمنمة  (Wren)، وهو طائر صغير الحجم جدا، يرتفع ذيله إلى أعلى. يعيش على الحشرات الصغيرة. يوجد في أماكن مختلفة، لكنه يفضل الأماكن كثيفة الأشجار والتي بها قش أو حطب أو ما يشابه ذلك حتى يستطيع الاختباء فيها. حجمه وسرعة ظهوره واختبائه تجعل من يراه يحسبه نوعا من الجرذان.
 ذكر طائر النمنمة هو الذي يبدأ في بناء العش وحده قريبا من الأرض، وسط القش والحطب حتى يصعب اكتشافه.  العش شكله كروي بفتحة صغيرة جانبية.  بعكس الطيور الأخرى التي تبني العش في شكل الفنجان وفتحته من أعلى. بذلك يكون عش طائر النمنمة له سقف فوق رأسه تحميه من المطر والثلج. العش مبني من نفس المواد المحيطة به. بذلك يصعب اكتشافه.
 نوع من طائر النمنم، ذو القبعة السوداء، يقوم ببناء عدة عشوش غير كاملة. ثم يقوم بعرضها على الأنثى لكي تختار منها ما يروقها. بعد ذلك، تقوم هي بإكمال بناء العش.
 لكن الذكر ليس زوجا وفيا في معظم الأحوال. بينما تكون العروس الجديدة مشغولة بتزويق العش من الداخل وفرشه بالريش الناعم ووضع لمسات الديكور الأخيرة، يقوم العريس بدعوة أناث أخريات لمشاهدة باقي عشوشه الأخرى.
 إنه مثل الحاج متولي في المسلسل التلفزيوني الشهير. هو طائر يؤمن بتعدد الزوجات. ونتيجة لهذا السلوك، يصعب على باقي الذكور وجود ما يكفيها من أناث.  الذكر لا يعبأ كثيرا بالعناية وتربية أطفاله، ويترك الأمر لزوجاته.
 طائر النمنم يعيد استخدام عشوشه بعد الفقس وبعد مغادرة الصغار العش. كما أنه يستخدم عشوشه غير الكاملة في النوم والراحة وفي صيد النسوان. وهذا شيء نادر في عالم الحيوان.
 طائر النمنم المعروف بـ (Cactus Wren) والذي يعيش في الولايات المتحدة، يبني عشا كبيرا يسع كل أفراد العائلة، ليستخدم كمأوى وملاذ من المطر والبرد طول العام، ومكان للراحة والنوم أثناء الليل.
 طائر "البندولين تيت ميس"، يوجد منه نوع واحد في الأميركتين، وعشرة أنواع في أوروبا وأسيا وأفريقيا. عشوش هذا الطائر، مقفولة من أعلى ولها فتحة جانبية للدخول والخروج مثل طائر النمنم. لكن اختيار موقع العش أكثر تقدما.
 يثبت الطائر عشه في نهاية فرع الشجرة بحيث يتدلى مثل الكيس أو البالونة المنفوخة، ويظل يتأرجح مع هبوب الريح مثل بندول ساعة الحائط، ومن هنا جاءت التسمية "البندولين". هذا يجعل عشه في مأمن من أعدائه الطبيعيين.
 عش هذا الطائر الذي يشبه الكيس المتدلي، كان ولا يزال ينال إعجاب الكثيرين. هذا لأن صناعة العش تدل على حرفية بالغة. العش قوي جدا لدرجة أن بعض الأطفال في شرق أوروبا يقومون بلبسه أحذية أو شباشب في أرجلهم. قبيلة ماساي في شرق أفريقيا تستخدم هذا العش كحافظة للنقود والعملة المعدنية. كيف تقوم هذه الطيور ببناء عشوشها بهذه الطريقة؟   
 في بداية الربيع، يبدأ الذكر في بناء العش بمفرده. يستخدم شرائح قوية من النباتات لبناء أساس العش والهيكل الخارجي له. ثم يبدأ في إضافة شرائح نباتية يحملها بمنقاره إلى الأساس. أولا، يثبت العش بنهاية الغصن المعلق به. بعد ذلك يقوم بتجديل ونسج الشرائح والخيوط بجسم العش. يستخدم الطائر منقاره لشد ودفع الخيوط من نهايتها.
 هذا الوصف ليس كاملا، فالعش أكثر من مجرد سلة معلقة في فرع شجرة. لأن عملية بناء العش تشبه نسج سجادة عجمي. يستغرق بناء العش ثلاثة أو أربعة أسابيع. عندما ينتهي البناء، يبحث الذكر عن الأنثى. عندما يجدها، تقوم هي بوضع اللمسات الأخيرة. ثم تتولى الأنثى عملية رعاية الأطفال وتربيتهم. أما الذكر فيذهب لعمل بيت ثان لزوجة ثانية.
 طيور البندولين تعتبر أقل شهرة من الطيور النسّاجة، أو النساجين. ترجع شهرتها الكبيرة إلى كثرة أنواعها وتعدادها. عشوشها الكثيرة تتدلى من أغصان الشجر مثل ثمار الفاكهة. أنواع منها تبني عشوشا متلاصقة تشبه بيوت المدينة. هذه الطيور النساجة التي يبلغ عدد أنواعها السبعين، هي في حجم العصفور البلدي. تعيش في أفريقيا وجنوب آسيا.
هذه الطيور لا تستخدم طريقة العقد التي تستخدم في نسج السجاجيد مثل طيور البندولين. لكن بعضها ينسج عشه بمهارة عالية لا تقل عن مهارة طائر البندولين. العش دائما مغلق من أعلى. فتحة العش إما من الجنب أو من أسفل. هذا يحمي الطائر من المطر ومن الثعابين الخطرة.
 الطائر النساج  (Malimbus cassini)يستخدم نفس الطريقة مثل باقي الطيور النساجة. إلا أنه يمتاز بالعناية الفائقة والدقة البالغة في نسج العش. الذكر هو الذي يقوم ببناء العش والأنثى تقوم بالديكورات.
 مواد البناء من مواد البيئة. لكن يشترط أن تكون في شكل خيوط طويلة لينة وقوية. إذا كانت الشريحة كبيرة وسميكة، فهو يمسك جزءا منها بمنقاره ويطير لكي ينزع منها شريحة رفيعة مثل الخيط. يقوم الطائر بلف هذه الشرائح حول فرعين متلاقيين في الشجرة. ثم يصل الفرعين بالخيوط أو الشرائح التي يصنعها إلى أن يحصل على حلقة داخلها الفرعان.
 يظل يضيف الشرائح إلى الحلقة من الخارج ومن الداخل إلى أن يبني غرفة وصالة. الغرفة للبيض والرقاد، والصالة بها باب أو فتحة للدخول والخروج. طريقة الغزل مثل صناعة السلال. الغزل هنا يشبه التدكيك أو الغزل بالنول. إنه يستخدم منقاره لكي يدفع به الخيط ورجليه لكي يشده بها.
 الشرائح توضع متعامدة وبزوايا قطرية حتى تجعل جدار العش أقوى ما يمكن. وهو يحرص أثناء ذلك على عدم شد عقد الشرائح، بقوة حتى يمكنه فكها إذا دعت الضرورة لذلك.
 بعد تمام بناء العش، يذهب الطائر للبحث عن خليلة. عندما يجدها، يجعلها تتبعه إلى عش الزوجية المأمول. ثم يبدأ صاحبنا في الطيران والرفرفة بجناحيه، والشقلبة في الهواء فيما يشبه العرض المسرحي أمام فتحة العش. لسان حاله يقول، ما رأيك يا عزيزتي في جودة بيت المستقبل هذا، الذي بنيته بمفردي.
 إذا لم يجد الطائر زوجة المستقبل أو من تقبل العيش في هذا العش خلال أسبوع تقريبا، فإنه يقوم بفك العش وهدمه بعد هذا الجهد الكبير الذي بذله في بنائه. هنا يكون عدم شد عقد الخيوط والشرائح له ميزة، تساعد في فك العش، حتى يسهل استخدم نفس المواد في بناء عش جديد أفضل في نفس الموقع والمحاولة مرة ثانية. بعكس طائر النمنم الذي يبني عدة عشوش في آن واحد، ويترك الأنثى تختار ما يروقها منها.
 أما إذا نال العش إعجاب أنثى الطائر، فتقوم هي بالعناية بالعش من الداخل وعمل الديكور اللازم، مثل فرشه من الداخل بمواد ناعمة طرية من الريش والحشائش الملساء.