العراق يسترد ملايين الدولارات في قضايا الفساد الكبرى
بغداد - أعلنت هيئة النزاهة الاتحاديَّة، المكلفة بمتابعة قضايا الفساد، اليوم الاثنين، عن تمكُّنها خلال الآونة الأخيرة من استرداد 17 مليوناً ونصف مليون دولار من الأموال التي نُهبت في عدة قضايا فساد، من أبرزها القضية التي تُعرف إعلامياً بـ"سرقة القرن".
وعلى الرغم من أن المبلغ المسترد قد يبدو متواضعاً مقارنةً بالمليارات المنهوبة، فإنه يحمل أهمية كبرى لعدة اعتبارات، حيث يثبت الاسترداد قدرة المؤسسات الرقابية والقضائية على تتبُّع الأموال المسروقة، حتى بعد تهريبها وإخفائها، مما يُرسّخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ولا تزال قضية "سرقة القرن"، التي حدثت بين عامي 2021 و2022، وتضمنت اختلاس مبالغ هائلة تُقدَّر مبدئياً بـ 2.5 مليار دولار (نحو 3.7 تريليون دينار عراقي) من التأمينات الضريبية، تُشكِّل اختباراً لقدرة القضاء العراقي على ملاحقة المتورطين واسترداد الأموال. وتشير بعض التقارير إلى أن المبلغ الفعلي قد يكون أكبر.
وقد تورطت في هذه القضية شبكات واسعة شملت مسؤولين كباراً، وموظفين حكوميين، وشخصيات من القطاع الخاص، مما يجعل تتبُّع الأموال واستردادها عملية بيروقراطية وقضائية شاقة. ويُتوقع أن تكون معظم الأموال المنهوبة قد تم غسلها وتحويلها إلى أصول مختلفة (عقارات، استثمارات، أو تحويلات بنكية معقدة) في ولايات قضائية أجنبية ليست متعاونة بشكل كامل، أو لديها قوانين صارمة لحماية السرية المصرفية.
وذكرت الهيئة في بيان على صفحتها في موقع "فيسبوك" أن "دائرة الاسترداد وسَّعت تعاونها مع شبكة العمليَّات العالميَّة لسلطات إنفاذ القانون بهدف دعم تبادل المعلومات المُتعلّقة بالفساد والأموال المُهرَّبة والمطلوبين للقضاء لتسريع إجراءات المُتابعة الدوليَّة واسترداد الأموال"، لافتة إلى "فتح نافذةٍ آمنةٍ على منصة (goAML) التابعة لمكتب مُكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بهدف تعزيز القدرة على تتبُّع حركة الأموال المشبوهة خارج العراق، وتسهيل إجراءات التعاون الدوليّ في القضايا الماليَّة المُرتبطة بالفساد، فضلاً عن فتح نافذةٍ مُخصَّصةٍ ضمن بوابة أور الإلكترونيَّة لتلقّي المعلومات المُتعلّقة بالأموال المُهرَّبة والبيانات الخاصَّة بالمطلوبين للقضاء على خلفيَّة قضايا الفساد".
وتابعت أنها "شرعت بالتعاون مع مُديريَّة الأحوال المدنيَّة والجوازات والإقامة تعزيزاً لكفاءة متابعة الملفات وتحقيق العدالة ومكافحة الفساد، ففتحت نافذة تعاونٍ تتيح الاستعلام بشكلٍ فوريٍّ عن بيانات المطلوبين، كما بدأت العمل بالمنظومة الإلكترونيَّة (12N) للاتصال المُباشر مع جهاز المخابرات الوطنيّ؛ لتبادل المعلومات عن أسماء المطلوبين الهاربين، بما يسهم في سرعة إنجاز التعاملات".
ولا يمكن أن تقتصر مكافحة الفساد على جهود الاسترداد اللاحقة، إذ يتطلب التعامل مع قضايا بحجم "سرقة القرن" استراتيجية شاملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: تسريع عملية محاكمة المتهمين الرئيسيين في القضية والضغط لتفعيل الإنابات القضائية الدولية الصادرة بحق الهاربين منهم، والعمل على سد الثغرات القانونية والمالية التي سهّلت حدوث السرقة أصلاً، وتعزيز استقلالية القضاء.
ويُعدّ الفساد المالي والإداري من أكبر التحديات التي تواجه بغداد، حيث تجاوز كونه مجرد سلوك فردي ليصبح ظاهرة هيكلية وممنهجة تهدد التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار السياسي. وصنفت التقارير الدولية العراق ضمن الدول الأكثر فساداً في العالم، مشيرة إلى خسائر مالية تريليونية تُستنزف من الثروة الوطنية.
وتُشير بعض التقارير إلى أن حجم الأموال المسروقة سنويًا قد يصل إلى 35 مليار دولار، مع خسائر متراكمة تُقدّر بمئات المليارات على مدى السنوات الماضية، نحو 775 مليار دولار "بلا أثر".
وتعمل مؤسسات مثل هيئة النزاهة الاتحادية على متابعة القضايا الجنائية وإصدار أوامر الاستقدام والقبض، وتقديم التقارير السنوية حول أنشطتها ومبالغ الأموال المحافظ عليها أو المستردة، بالإضافة إلى العمل على تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة النزاهة والشفافية.