العلاقات الأميركية ـ العراقية تشهد تراجعاً خطيراً
لم تمرّ العلاقات الأميركية ـ العراقية بحالة تراجع خطيرة وربما تدهور، منذ سقوط بغداد عقب الاحتلال الأميركي عام 2003، كما تشهده السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة. فقد تراجع الاهتمام الأميركي بالعراق بشكل ملحوظ، ويتجلى ذلك أولاً في عدم تعيين سفير لواشنطن في بغداد منذ انتهاء مهام السفيرة ألينا رومانوسكي، التي كانت آخر سفيرة للولايات المتحدة في العراق، قبل أكثر من عام.
وقد اعتُبرت رومانوسكي، بشهادة مسؤولين عراقيين ومتابعين للشأن السياسي والدبلوماسي، أقوى سفيرة أميركية تولّت مهامها في بغداد منذ يونيو/حزيران 2022 حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وكانت فترة عملها توصف بـ"الفترة الذهبية" للدبلوماسية الأميركية في العراق، لما امتلكته من صلاحيات استثنائية، جعلتها تلتقي أسبوعياً بكبار المسؤولين العراقيين وتنقل التوجيهات والمطالب الأميركية مباشرةً إلى الحكومة والقيادات السياسية، حتى وُصفت بأنها "الحاكم الفعلي للعراق".
وعلى عكس أسلافها، عُرفت رومانوسكي بمهارة فائقة وقدرة على التأثير، مستندةً إلى خبرتها السابقة كخبيرة في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). وقد اعتبرها كثيرون أكثر فاعلية من السفراء الذين سبقوها، الذين اكتفوا بالعمل وفق أساليب دبلوماسية كلاسيكية لا ترقى إلى مستوى النفوذ الذي فرضته هي خلال فترة عملها.
ومن مظاهر الاهتمام الأميركي بالعراق في السنوات التي أعقبت الاحتلال مباشرة، إرسال مبعوثين رئاسيين بشكل دوري، للتوسط في الأزمات أو تطوير العلاقات. فقد تناوب ممثلون للرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب على زيارة العراق في محطات مختلفة.
لكن في العامين الأخيرين، ومع تراجع مستوى العلاقات، وصل الأمر إلى الاكتفاء بتعيين قائم بالأعمال لقيادة السفارة الأميركية في بغداد. وكان آخرهم جوشوا هاريس، الذي استقبله رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مؤخراً. فيما أنهى القائم بالأعمال السابق ستيفن فاغن مهامه هذا الأسبوع، وهو ما يؤشر بوضوح إلى تراجع مستوى التمثيل الدبلوماسي.
هذا التراجع لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل شمل أيضاً التعاون الاقتصادي. فحجم الصادرات النفطية العراقية إلى الولايات المتحدة لم يعد يعكس قوة العلاقة بين الطرفين، كما أن تحويل الأموال من الاحتياطي العراقي في البنك الفيدرالي الأميركي أصبح يواجه عراقيل. وحتى مع دخول بعض الشركات النفطية الأميركية للاستثمار في العراق، فإن الخلل في الميزان التجاري بقي مقلقاً، وهو ما كان الرئيس ترامب قد أشار إليه سابقاً.
ويرى متابعون للشأن العراقي أن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في الضغوط التي مارستها قوى سياسية عراقية موالية لإيران، مطالبةً بتقليص التواجد العسكري الأميركي وخفض عدد موظفي السفارة إلى أدنى حد. وزاد الأمر تعقيداً الجدل المستمر حول مستقبل "الحشد الشعبي"، الذي يُنظر إليه باعتباره مشروعاً موازياً للجيش النظامي، على غرار الحرس الثوري الإيراني.
وتشير تقارير صحفية إلى أن تلك القوى تسعى إلى تفريغ العراق من النفوذ الأميركي، وفتح المجال أمام إيران لتعزيز حضورها. هذا التوجه يثير قلقاً متزايداً لدى الإدارة الأميركية وأجهزة استخباراتها، ويدفعها إلى خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي وإرسال رسائل غير مباشرة إلى بغداد، مفادها أن حماية النظام السياسي العراقي لم تعد أولوية قصوى للسياسة الأميركية.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن واشنطن باتت تشعر بأن العراق يتجه أكثر نحو طهران ليكون بديلاً عنها. وقد تداولت وسائل إعلام تقارير عن انتشار قوات من الحرس الثوري الإيراني في بعض المدن العراقية تحسباً لأي مواجهة محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، الأمر الذي قد يزج بالعراق مجدداً في أزمات خطيرة.
وتتزامن هذه التطورات مع جهود الحكومة العراقية الحالية لتجنب الانخراط في صراعات المنطقة، غير أن تلك الجهود تصطدم في كثير من الأحيان بواقع النفوذ الواسع للفصائل المسلحة، ما يضع العراق أمام مخاطر متزايدة ويجعل مستقبل العلاقات الأميركية ـ العراقية مفتوحاً على احتمالات غير مضمونة، وفق مراقبين.