السوداني والإطار وإخوة يوسف والسنوات العجاف!
برغم كل المحاولات التي بذلها السيد محمد شياع السوداني لإقناع قادة الإطار التنسيقي بأنه يبقى الشخصية الأكثر قبولاً محلياً وإقليمياً، وحتى دولياً، إلا أن كل تلك المحاولات، كما يبدو، باءت بالفشل، وهو ما يزال حتى هذه اللحظة يواجه صعوبات جمة في تحقيق حلمه بالوصول إلى الولاية الثانية.
ربما كانت النائبة المخضرمة السابقة حنان الفتلاوي، التي هي الآن ضمن تحالف السوداني الإعمار والتنمية، أكثر وضوحاً حين بشّرت العراقيين بأنهم أمام سنوات ثلاث عجاف، لتُضاف إلى العشرين سنة التي سبقتها من حكم الإطار، تحت أسماء من حكمت المكوّن الشيعي طيلة ثلاثة وعشرين عاماً مضت، أو على وشك أن تمضي في الساعات المقبلة.
بشارة السيدة حنان الفتلاوي للعراقيين بالسنوات العجاف التي ستنتظرهم تعني أن أمامهم سنوات صعبة من التقشف وشدّ الأحزمة على البطون، وهي أكثر سياسيي الإطار وضوحاً في تصريحاتها، وتقصد كل عبارة ترددها عن وصف الحالة السياسية التي يمر بها العراق في فترات سابقة أو في مستقبل الأيام.
لقد أدرك السيد السوداني أن "إخوة يوسف" لم يتركوا فرصة لأن يلقوه في غياهب الجب إلا وحاولوا معه، بعد أن وجدوا فيه الشخصية التي سُلِّطت عليها الأضواء خلال السنوات الثلاث الماضية، وحققت استقراراً مقبولاً، حتى حصل تحالفه على مقاعد كبيرة في الانتخابات الحالية. وهو يأمل من الإطار، الذي انضم إليه مرغماً، أن يجد له طريقاً إلى الولاية الثانية، لكن كل تلك الآمال، كما يبدو، أصبحت بعيدة المنال. وهم، أي جماعة الإطار، قد أدركوا أنه لا بد من التخلص من الرجل بأية طريقة قبل أن يزيحهم عن الميدان وتخلو له الساحة ليكون رقماً صعباً في معادلة العراق المقبلة.
وعلى صعيد قادة المجلس السياسي الوطني المتمثل بالمكوّن السني، يرى الحلبوسي من جانبه أنه لا ضير في تجديد الولاية للسيد السوداني، كونه يشترك معه في نفس التوجهات والشروط والمطالب التي يحاول فرضها على جماعة المجلس السياسي الوطني، كونه حصل على أكثرية المقاعد، ومن حقه، باعتباره الفائز الأول، أن يكون رئيس البرلمان المقبل. وهو ما قد يجد فيه السيد السوداني فرصته للتحالف معه، ومع الكرد الذين لا يرفضون تجديد الولاية للسيد السوداني، برغم كل إشكالاته معهم، وهم يضعون الحجة على الإطار في اختيار من يراه الأصلح لحكم العراق مستقبلاً، حتى لو كان السيد السوداني.
أما جماعة قادة الإطار، فلديهم مرشح آخر يقال عنه إنه مستقل. وهنا تتحدث تقارير الأنباء القريبة من الإطار عن أن السيد حيدر العبادي ربما يكون هو الشخص المناسب لممارسة شدّ الأحزمة على البطون، لإنقاذ إخوة يوسف من مصاعب اقتصادية ومالية عسيرة تحدق بالعراق، وبخاصة بعد تلويحات الإدارة الأميركية، وعلى رأسها الرئيس الأميركي ترامب ومبعوثه سافايا، من أن العراق أمام مفترق طرق: فإما أن ينطلق نحو الرخاء والتقدم، أو أن يختار طريقاً ينتقل بالعراق إلى المجهول. ولهذا وجد جماعة الإطار أن الحل الأمثل، لكي لا (تنكسر) شوكتهم أو كلمتهم، أن يكون الدكتور حيدر العبادي، رئيس الوزراء الأسبق وصاحب نظرية (شدّ الأحزمة على البطون)، مرشحهم المناسب لتولي تلك الحقبة العصيبة، لتخليص العراقيين من شرورها، ولكي يكون بمقدور قادة الإطار الاستمرار فترة أطول في سدة الحكم، بعد أن شعروا أن الطريق لم تعد سالكة لهم في مستقبل الأيام.
وبهذه الطريقة يجد قادة الإطار أنهم، باختيارهم لتلك الشخصية أو على شاكلتها في المستقبل القريب، قد وجدوا المخرج المشرف من عنق الزجاجة الذي وضعهم فيه السيد السوداني، وحتى أطراف من المجتمع الدولي ومن المكوّنين السني والكردي، بأن صعود جماعات مسلحة وبهذا الحجم المرعب (90 مقعداً) إلى البرلمان سيعود بالعراق إلى الحضن الإيراني مرة أخرى.
وهكذا وجد إخوة يوسف أن أمنيات الكثيرين منهم قد تحققت بحرمان السيد السوداني من آماله في الولاية الثانية، برغم دفاعه المستميت عنها من خلال ممثليه وقيادييه في تحالف الإعمار والتنمية، الذين ربما شعروا باليأس من تحقيق حلمهم في أن يكون مرشحهم، السيد السوداني، هو من يقود زمام المرحلة الصعبة القادمة من تاريخ العراق.
ومن المعروف أن قياديي تحالف الإعمار والتنمية وممثليه يؤكدون في كل حوار تلفزيوني أو مؤتمر صحفي أن السيد السوداني هو المرشح الوحيد لرئاسة الوزراء، كونه، من وجهة نظرهم، يمتلك برنامجاً وطنياً مجرَّباً لعبور المرحلة المقبلة، وهو من قدّم منجزات ووضعاً أمنياً مستقراً، وعلاقات دولية وإقليمية وحتى محلية كانت ناجحة، إلا أن رعب قادة الإطار من عدد مقاعد السيد السوداني، فيما إذا تولى الولاية الثانية، قد يزيحهم جميعاً من المشهد السياسي ويهدد وجودهم في الصميم. ولهذا وجدوا أن أفضل سبيل لهم لإزاحته من المشهد السياسي هو أن يلقوه في اليم، على طريقة قصة "إخوة يوسف"، لعلهم يخلصون من شبح مرعب بقي يهدد مستقبلهم، وهو ما لا يروق لسياسيي الإطار المخضرمين الذين وجدوا أن مصيرهم مهدد في قادم السنوات بكل تأكيد.
ويرى متابعون للمشهد السياسي العراقي أن السيدة حنان الفتلاوي كانت قد عبّرت عن وصف المرحلة المقبلة للعراق بصدق حين وصفتها بـ"السنوات العجاف" التي تنتظرهم، للدلالة على أن مرحلة السيد العبادي، أو من على شاكلته، قد يواجه فيها العراقيون محناً قاسية، قد لا يكون بوسع موازنات التقشف المقبلة أو سياسات الاستفراد بالسلطة والقرار، وحرمان المكونات العراقية الأخرى من المشاركة الفاعلة في تقرير مستقبل البلد وأجياله، أن تنقذهم من مخاطر تلك السنوات العجاف. وقد تمضي مسيرة أية شخصية يتم اختيارها في مسالك وعرة، لا يعلم إلا الله مدى ما تجره من أزمات اقتصادية وسياسية تعود على العراقيين بالحيرة والندم، من أن مستقبل شعبهم قد ضاع بعد أن هُدر دمهم بين القبائل.