أمجد توفيق: الشيء الوحيد الذي لا أتنازل عنه هو الكتابة

الروائي العراقي يؤكد أن الكتابة هي ملكه الشخصي، معتبرا اياها صوتا معارضا ومحاولة دائمة للإجابة عن الأسئلة الجوهرية للحياة، بينما يشدد على أن الإبداع الحقيقي ينبع من القيم الجمالية وتهشيم النظريات النقدية لخلق عالم جديد.

أكد الكاتب والروائي الكبير أمجد توفيق أنه قد يتنازل عن كل شيء، لكن الشيء الوحيد الذي لن يتنازل عنه هو الكتابة.

وأوضح في حوار مهم جدًا ضمن برنامج "سطور" مع إذاعة One fm من الموصل، قائلًا: "إنني قد تنازلت عن أشياء كثيرة في حياتي، لكن الشيء الوحيد الذي لا أتنازل عنه هو الكتابة؛ لأنه مصدر اعتزازي، وهو ملكي الشخصي".

وأشار إلى أنه بالنسبة للوظائف، "هناك شخص آخر يمنحك هذه الوظيفة وربما يكون قادرًا على سلبها منك. ومهما كانت هذه الدرجات، سواء كنت وزيرًا أو صحفيًا أو مديرًا عامًا أو مدير دائرة، هناك من يستطيع أن يرقى بك أو يفصلك من الوظيفة"، لافتًا إلى أن الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يأخذوه منك عندما تكون مبدعًا هو قدرتك على الكتابة.

وجدد الكاتب والروائي أمجد توفيق تأكيده بالقول: "لا أحد يستطيع أن يأخذ رواياتي أو قدرتي على الكتابة؛ لأني لم أستجدها من أحد. هذه تجربتي وهذه ملكي الشخصي الذي لا ينازعني فيه أحد. وهذا ما يتبقى لي، وبالتالي لست مستعدًا للتنازل عنه إلى اللحظة الأخيرة في حياتي".

وفي أدناه مضامين الحوار المهم للروائي والقاص والمبدع الكبير أمجد توفيق، دون الإشارة إلى مضمون أسئلة المحاور والاكتفاء بعناوين مهمة للحوار مع نص الحوار:

السؤال نار والإجابة محض مياه لإطفاء جذوة النار

أنا دائمًا أعدُّ السؤال سيفًا، وكل الإجابات غمدًا، وأعدُّ السؤال نارًا والإجابة محض مياه لإطفاء جذوة النار التي يحملها السؤال. وكل الإجابات، برغم أنها تعقب السؤال عمرًا، إلا أن الإجابة أصغر عمرًا من السؤال، ولكن الإجابات تشيخ بسرعة ويبقى السؤال فتيًّا. لا أحد يمتلك الجواب النهائي لكل ما يدور في ذهن الإنسان الحي القلق في هذه الحياة، وما محاولة كل أديب أو مبدع حقيقي إلا التفكير في مساحة أفق جديد وأرض جديدة. هل ينجح؟ هل يفشل؟ المهم هو شرف المحاولة.

القيم الجمالية تحكم كل أشكال الإبداع والفنون والموسيقى

واقع الحال أنا نشأت في أسرة أديبة. جدي الشيخ إسماعيل اليماني كان شاعرًا معروفًا، ولا تزال مخطوطات دواوينه محفوظة في المكتبة المركزية في خزانة خاصة في الموصل. وأخي أرشد كان شاعرًا له دواوين عدة وله رواية مدهشة باسم "نصف السماء". وعشت في بيت كان الكتاب، كما أعبّر دائمًا، كنا نعتبره أحد أفراد العائلة. ولذلك كان الكتاب قريبًا مني، وكنت أقرأ بكثرة، وأعتبر القراءة ليست واجبًا إنما محض متعة، أو هكذا كنت أتصورها. والمتعة حين فكرت فيها شعرت أن ثمة خطأ في تفسيرها على أنها مرادفة للتسلية، ولكن التسلية شيء والمتعة شيء آخر. والمتعة هي التي تثير الحافز لخوض تجربة، وهنا تكمن قيمتها في الأعمال الإبداعية بشكل عام. والقيمة التي تحكم كل أشكال الإبداع والفنون والموسيقى هي قيم جمالية تمنح المعنى الحقيقي العميق لحياتنا في هذا العصر بكل تقلباته. فشعرت في البداية وكأنه كان هناك سؤال يبحث عن إجابة. وكل المحاولات التي كتبتها، بدءًا في مجموعتي الأولى التي صدرت عام 1974 بعنوان "الثلج.. الثلج"، وانتهاءً بكتابي الأخير الذي صدر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق قبل أسبوع تقريبًا، وهو "بدراب"، كلها محاولة للإجابة عن أسئلة أشعر أنها في داخلي، وهي تقتضي مني محاولة جادة للفهم وعكس هذا الفهم للحياة وللإنسان، ولعلاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقته بالقيم وما تعنيه القيم الجمالية في الحياة اليومية في عملية البحث عن معنى لما يجري. ولهذا فكل إنسان يعيش في مجتمع، وهذا المجتمع يترك تأثيراته، فكما أن الجينات الوراثية لها تأثيرات، فالبيئة تمتلك تأثيرات مماثلة إن لم تكن أشد. فطبيعة الحياة التي نعيشها، وطبيعة الاضطرابات والموجات الفكرية والعقائدية والجمالية والفلسفية، كلها تترك بصمات عميقة في نفس أي مبدع، ويتم التعبير عنها بأشكال مختلفة. وفيما يتعلق بي أنا، فإن التعبير الجمالي عن هذه الأشياء هو الذي يوصل رسالة أي مبدع ويُشيد علاقة تلقٍ ناجحة مع القارئ أو المشاهد أو المستمع. هذا ما أراه.

الكاتب جزء من البنيان الذي يُشيده

كل تجربة جديدة هي عملية تحدٍ. ولكي أكون صادقًا وقدر تعلق الأمر بتجربتي الخاصة، أقول بأن التحدي الشخصي الذي أملكه ينبغي أن أكتب شيئًا مختلفًا عما كتبته سابقًا، فيما يتعلق بالبناء وفي الآليات والحبكة والشخوص والفكرة النهائية للعمل. أفكر بما هو جديد، فلا ينبغي للمبدع أن يكرر نفسه وكأنه يمنح نسخًا متعددة لفكرة واحدة. أحاول، قدر تعلق الأمر بي، أن أتجدد وأبحث عن الشكل والمضمون المناسب لهذه الفكرة. فما أن تكتب الصفحات الأولى.. نعم، الصفحات الأولى هي صعبة وهي محنة، ولكن ما أن تكتبها حتى تشعر براحة ومتعة كبيرة أثناء الكتابة. وهذه المتعة لا تنتهي إلا بكتابة الجملة الأخيرة في الرواية أو القصة التي تكتبها. فالمحنة هي طريقة التفكير قبل أن تبدأ، قبل أن تقوم برحلة أو بسفرة معينة قد تفكر بتفاصيل كثيرة، ولكن ما إن تأتي وتمشي الخطوة الأولى حتى بإمكانك أن تستمتع بالمشاهد والطرق وبالمفارقات والزملاء الذين يرافقونك، فتكتب بأمور مختلفة عما فكرت به سابقًا. هكذا هو الحال فيما يتعلق بالعمل. الخشية تبدأ في البداية بالتحدي. هناك كاتب مسؤول يشعر بمسؤولية كبيرة عن كل كلمة وجملة وعبارة يخطها قلمه. وهناك درجات فيما يتعلق بالمبدعين، وهناك من يتساهل في الكتابة، وهناك من هو جاد ولا يسمح لأية عبارة أو جملة خارج ما يعتقده أنه جزء أصيل في البنيان الذي يُشيده. فالتجارب مختلفة حالها حال الورود في الحديقة، عطرها مختلف وشكلها مختلف ولونها مختلف، وكذلك الفاكهة متعددة وشكلها وطعمها مختلف. أنا أعتقد أن الإبداع مختلف أيضًا ولا شكل موحد له.

 الإنسان هو المحور الأساسي في الرواية أو القصة

من الطبيعي أن الإنسان هو المحور الذي تدور حوله كل الكتابات والأعمال، فنحن بشر نتحدث عن أنفسنا، فلا يمكن أن أقتنص شكلًا آخر أتحدث عنه. الإنسان هو المحور الأساسي، ولا يوجد عمل قصة أو رواية من الممكن أن تبتعد عن الإنسان، ليس بالنسبة لتجربة أمجد توفيق بل بالنسبة لتجربة كل الكتاب في العالم. لا توجد رواية دون أن تقوم بشخصياتها وبأبطالها وأحداثها، وكلها تدور حول الإنسان في عنفوانه أو مأساته أو في لحظة انكساره.

 المبدع الحقيقي هو من يمنح عمله قيمًا جمالية جديدة

منذ البدء أعتبر أن القيم الجمالية هي التي تميز العمل الجاد والعمل المميز عن غيره، فبدون قيم جمالية ليس هناك شعر أو موسيقى ولا تشكيلية ولا رواية ولا قصة قصيرة. باختصار شديد، أنا أعتبر أن الذي يمنح المبدع الحقيقي قيمته هو القيم الجمالية، وهي التي تصل إلى الآخرين. فعلى سبيل المثال، لو رأيت منظرًا جميلًا أو لوحة جميلة، بودك لو يكون شخص بجوارك لتقول له: تأمل كم هذه جميلة. هذه هي الروح في المشاركة في الجمال. ومن الطبيعي أن هناك قيمًا جمالية مختلفة، فالعمل ليس له تفسير واحد، فالكاتب يمتلك تفسيره والقارئ الذي يقرأ العمل ينتهي إلى دلالات متفقة مع خزينه المعرفي الذي يمتلكه.

الكتاب تبعث فيه الحياة في لحظة قراءته

فالقارئ محدود المعرفة غير القارئ المتخصص، وهم ينتهون إلى تفسيرات أو دلالات مختلفة. ومع هذا، فإن تعدد الدلالات يُغني العمل، وبالتالي فإن الكتاب بحد ذاته هو جسم ميت، تبعث فيه الحياة لحظة قراءته، ولا توجد هناك قراءتان متشابهتان، فكل قراءة تختلف عن القراءة الثانية، وهي كما ذكرت تتعلق بالخزين المعرفي للقارئ ودرجة ثقافته وقراءاته، وبالتالي تكون القراءات مختلفة بين قارئ وآخر. الشيء المشترك هو الإحساس بالقيم الجمالية ودرجة تأثر القارئ بهذه القيم. فالمدارس كثيرة ووجهات نظر القراء كثيرة. هناك من يعتبر الجمال في العبارة بمقدار الانحراف القاموسي للكلمة حتى تستخدم الكلمات بمعنى جديد.

 على المبدع الحقيقي تهشيم النظريات النقدية

هناك الكثير من النقاد يقولون إن على المدارس النقدية أن تضع معايير وشروطًا ونظريات، وما على المبدع الحقيقي إلا تهشيم هذه النظريات. عليه أن يخلق عالمه، وبهذا يترك بصمته العميقة؛ لأننا نفهم أن كل النظريات وكل الأبحاث التي صارت هي نتاج قراءات لأعمال سابقة بنت نوعًا من المعايير. هذه المعايير ليس هناك شيء ثابت، الثابت الوحيد هو المتغير، وبالتالي من حق أي مبدع حقيقي أن يعمّق بصمته بما يجده مناسبًا لتجربته وبصمته الخاصة.

 لا يوجد نص ناجح كتب بموجب وصفة نقدية

أقرأ الكثير من هذه النظريات والمدارس وتطور السرد وتطور الرؤيا من الأعمال الكلاسيكية إلى الحداثة وما بعد الحداثة. كل هذه الأمور تساعد المبدع في اتساع زاوية الرؤية له. أما عملية تبنيها لكتابة نص إبداعي، أنا أعتقد أنها فشل ذريع. لا يوجد نص ناجح كُتِب بموجب وصفة نقدية. على النقد أن يستل معاييره من النص. فالنص هو الأسبق. وبالنتيجة، فهذه النظريات كانت مبنية نتيجة قراءات وتمعن لدراسات ونصوص أسبق، وبالتالي لا يجوز أن أعتبر أن هذه المعايير التي توصلت لها المدرسة الفلانية، الكلاسيكية أو الحديثة، وبخاصة المدارس الفرنسية في هذا الجانب، هذه كلها مفيدة للاطلاع لزيادة المعرفة، ولكن استخدامها كمعايير لكتابة نص جديد أعتقد أن هذه خيانة، ولا يجوز للمبدع أن يعتمد وصفة نقدية لكتابة نص.

 الكتابة هي صوت معارض

أي مبدع حقيقي أو مثقف حقيقي هو شخص معارض. لا يجوز أن يكون متفقًا تمامًا، فلو كان متفقًا تمامًا مع مجمل ما يدور في حياته السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية، لا حاجة للكتابة. الكتابة هي صوت معارض. وأذكر في هذا المجال ما قد يكون مثلًا ظريفًا على هذه الحالة: في يوم من الأيام حاولوا تقليد الشاعر الإنجليزي أودن. وسام تقدمه له الملكة في الاحتفال، طلبوا منه قراءة قصيدة، فصعد إلى المسرح وألقى قصيدة أحفظ منها ما يلي. قال فيها: "آه يا إنجلترا، كل شيء فيك لا يعجبني". ألقاها فساد صمت غريب. إنه في لحظة تكريم يبدأ ويبين عدم إعجابه بكل شيء في إنجلترا. الشخصية الوحيدة التي صفقت له هي ملكة إنجلترا في وقتها. صفقت لأنها قالت: "إنه هذا هو المواطن المخلص الذي يريد أن يكون بلده أجمل وأفضل ومتقدمًا أكثر". وكل المثقفين لا يجوز أن يكونوا طبّالين للسلطة في المنهج. نعم، نحيي ما هو جيد وما هو مناسب ونطالب بما هو أكثر. لا شيء يرضينا. متى ما رضينا، لا يجوز للمثقف والمبدع أن يجد ما تقدمه السلطة غاية ما يمكن عمله.

 لا توجد فكرة أخطر من فكرة الموت

الكاتب دائمًا يطمح نحو الأفضل، والأفضل يرتبط بالفكرة الأساسية من اللحظة التي سرقت فيها الآلهة هذه الحياة الأبدية لنفسها وكتبت الموت على بني البشر. هكذا تبدأ رحلة جلجامش للبحث عن عشبة الخلود. فعندما اكتشف عشبة الخلود، كما تقول الأسطورة، وسرقتها الأفعى، فالحقيقة لم يبق من البحث إلا أن يبحث عن العمل الصالح والعمل الجيد الذي يضمن أن حياته لا تنتهي بانتهاء سني عمره، فيبقى عمله أو أولاده وحياته التي عاشها هي من تكون المعيار؛ لأنه فشل في اختبار الحياة الأبدية. ودائمًا هناك السؤال الجوهري، فأخطر فكرة في الكون هي فكرة الموت. فكرة الموت كانت علامة مركزية وهمًا مركزيًا لكل من كتب، بطريقة أو بأخرى تم التعبير عنها، ولكن من انتصر على هذه الفكرة؟ لا أحد ينتصر، ولكن كمحاولة للفهم ومحاولة للرد.

عظمة دوستويفسكي في تحليله النفسي لرواية الجريمة والعقاب

لا زلت أميل إلى السؤال ولا أثق بالإجابات. الإجابات سرعان ما تشيخ وتسقط ويبقى السؤال شابًا. فالإجابة النهائية غير موجودة. تبقى هي عملية البحث، وفي طريقنا للبحث عن الإجابة لا بأس من أن نمنح حياتنا شيئًا من الجمال، شيء يساعدنا على تحمل مشاق الرحلة. وردنا على هذا لا يمكن أن نكتبه، وما نقرأه أو نكتبه هي التي تمثل رسالة أي كاتب للناس، فهي عملية تعبير عن الأفكار التي تدور فيها. وفي هذا الجانب، أقول إن الذي يخلّد أي عمل، خاصة فيما يتعلق بالرواية، أنا أعتقد حجم الفكر الذي يمنحه العمل الإبداعي.

 الرواية بالنتيجة موقف مسؤول ورسالة

فالفكر الذي تمنحه الرواية هو من يخلدها، ليس مجرد الحكايات. الرواية ليست مجموعة حكايات، وإلا جداتنا وأمهاتنا أقدر منا على رواية حكاية تجلب انتباه الآخرين. الرواية ليست حكاية. الرواية بالنتيجة موقف مسؤول ورسالة. دون هذا تتحول إلى حكايات، وجداتنا أقدر حقيقة منا في رواية حكايات مبدعة.

 "الساخر العظيم" أكثر رواية أتعبتني

وقد ذكرت لك بأني دائمًا أحاول بين رواية وأخرى وأي عمل جديد أن أكون مختلفًا عن العمل السابق. ولكن الرواية التي أتعبتني أثناء الكتابة وكانت رواية ضخمة بأكثر من 660 صفحة هي رواية "الساخر العظيم" التي تناولت محنة الموصليين أثناء احتلال داعش، وطبيعة العلاقات السياسية للبلد الذي قاد إلى كارثة، وطبيعة حياة الناس وأسئلتهم وطموحاتهم في تلك الفترة. كانت رواية كبيرة وممتدة، تزدحم بالشخصيات وتزدحم بالمواقف والأفكار. طُبعت الطبعة الأولى من هذه الرواية عن دار فضاءات في عمّان، ونسخة أخرى في العراق عن طريق الدار العربية. وهي رواية لها منزلة خاصة في نفسي بحكم ما تمنحه من فكر وما تتناوله من مواقف وأحداث.

 التغلغل في نفسية شخصية بطل الرواية هو المهم

سبق أن سُئلت عن شخصيات رواياتي، وأي شخصية هي أقرب لك أو تمثلك أو هي صورة بشكل أو بآخر عنك؟ كنت أقول وأكرر هذا القول أن كل الشخصيات التي أتناولها فيها بصمة مني، سواء كانت هذه المرأة عاهرة أو كانت الشخصية رجل دين. فكل الشخصيات، بطريقة أو بأخرى، سواء في الحديث أو في الحركة، إلا وتمتلك شيئًا من بصمتي. أنا أحاول أن أفهم لا أن أحكم. وبالنتيجة، هناك درجات كثيرة جدًا بين اللونين الأبيض والأسود في نفس كل إنسان، هناك بعض المواضع سلبية وأخرى إيجابية. لا يوجد شخص إيجابي على طول الخط أو آخر سلبي على طول الخط. ينبغي على الكاتب أن يمتلك القدرة على التغلغل في نفسية الشخصية التي يختارها كبطل للعمل. وحتى الحب لا يأتي دون فهم. وكل ما تزداد معرفتك بشيء يزداد حبك له. حتى المدينة، إذا لم تزدد معرفتك بها فحبك لهذه المدينة يكون هشًا. تزداد المعرفة ويزداد الحب. هذا الحب لا يتعلق بالأشياء الجميلة فقط. أن تفهم حتى في لحظة انكسار إنسان وتتعاطف معه، ومن الممكن أن تتعاطف مع إنسان منتصر وتحييه على هذا الانتصار. المهم الفهم مطلوب ومُعبّر. وبدون تعابير إنشائية لا تعني شيئًا. الإنسان من لحم ودم وأعصاب، يحزن ويضحك ويشعر بالسعادة أو بالتعاسة، وفي كل الأحوال لا يجوز تصويره على أنه مجرد صورة فوتوغرافية للحظة هو يضحك فيها. هذه عملية تبسيطية وسطحية لفهم الشخصية. فالمبدع الجاد ينظر إلى الشخصية بطريقة تكوينها بكافة المجالات. هي عبارة عن شريط فيديو متعدد المشاهد وليس صورة فوتوغرافية.

 اختياري الأسماء في الرواية لا يأتي اعتباطًا

نعم، إن اختياري الأسماء في الرواية لا يأتي اعتباطًا. أحاول أن يكون اسم الشخصية منسجمًا بطريقة أو بأخرى مع دوره ومع المعنى الذي يمثله. ولذلك تأتي الأسماء بطريقة مدروسة، وغالبًا ما انتبه النقاد ممن كتبوا عن تجربتي في موضوع الأسماء ورمزية هذه الأسماء وعلاقتها ببناء الرواية. وهو بصراحة، بطريقة أو بأخرى، أنا أشكر الاهتمام النقدي بها. وهناك الآن أكثر من عشرة كتب صدرت عن رواياتي لنقاد معروفين ومشهورين تناولوا كل الجوانب والمنعطفات التي تمر بها الرواية، ومنها ما يتعلق بالسؤال عن علاقة الأسماء بمضامين الرواية وطريقة اختيار الشخصيات.

 الكتاب أعتبره فردًا من أفراد العائلة

كنت قد ذكرت لحضرتك أني أعتبر الكتاب فردًا من أفراد العائلة. ولدت في بيت فيه مكتبة وفيه كتب. لم أكن أنا من أختار هذه الكتب. كنت أقرأ كل كتاب يقع بين يدي. وفي كثير من الأحيان، أتذكر قول أخي الكبير أرشد وجدني في وقتها أقرأ كتابًا فلسفيًا وسأل: "كيف يمكن أن تقرأ هذا الكتاب؟ هل تفهم منه شيئًا؟" قلت له: "لي القدرة على الفهم، وأنا أفهم هذا الكتاب جيدًا برغم أن هذا الكتاب يتعلق بالفلسفة". وكنت أشعر وكأنني أكتشف غابة غريبة، أتعرف على أشجارها شجرة بعد شجرة وأكتشف طيورها النادرة. هذا ما كان يدفعني إلى محاولة المعرفة، وكأني أبني قضية تسعدني هذه المحاولات، سواء كنت أفهمها بعمق أو مجرد أن تكون قراءاتي دون توفر إمكانية توفر فهم عميق لهذه القراءات.

في الطبخ فلسفة عميقة

أصدقك القول: بودي لو كنت طباخًا. وهناك كاتب معروف اشتهر بالطبخ، وأنا أرى في الطبخ فلسفة عميقة قوامها كيف أن نزاوج بين الفائدة والطعم والشكل. هناك علامات تقودك إلى أكلة جيدة، والأكلة الجيدة ينبغي أن تتوافر على فائدة للإنسان يحصل عليها حتى تفيد جسمه، وبعدها الطعم المناسب المستساغ زائدًا الشكل. هذه المعادلة الثلاثية ربما تحتاج إلى مزيد من التفكير والفهم، وإلى مزيد من لتقديمها بشكل مناسب. وأنا أسعد حقيقة عندما أشعر أن هناك طباخًا يجيد عمله ويفهم في هذا الموضوع. وغالبًا ما قمت بتجارب في هذا المجال رغم أن تجاربي الشخصية كلها تتعلق باللحوم. وأحاول أن أهتم ببعض الأشياء التي أشعر أن مزاجي الشخصي يسعد فيها، وأشعر أنه حتى الوقت الذي ينقضي في إعداد وجبة هذا وقت ليس عملًا شاقًا حتى يمكن للواحد أن يشعر بالتعب. أنا أعتقد أنه عمل لذيذ، وهناك مكافأة لو تأكلها وتسعد بتناولها.

 الثقافة لا تُبنى بالانعزال

ربما سأقول لك قولًا غريبًا. أنا أعتقد أن الذي أثّر بي بطريقة عميقة هم الكتاب السيئون وليس الجيدين. وأعتقد أنه لما أكتشف الضعف في نص، وأكتشف الإرباك في بناء الجمل وتعانق العبارة بالعبارة الثانية، أكتشف الدرس الذي من الممكن أن أستفيد منه أكثر من الدروس عندما أقرأ كتابة متزنة وعميقة وناضجة. كنت أعتقد أنه من الطبيعي أن يكون الكتاب هكذا، ولكن عندما أكتشف أن عددًا كبيرًا من الكتاب يُظهرون هذه الهفوات، فهي من ساعدتني في تجنبها. فهم علّموني، بدون قصد طبعًا كنتيجة ثانوية، أكثر من الجمل البليغة. وفي المقابل، فإني أقدر كل كتاب جيد أستفيد منه، وأعتقد أن من كرم الأخلاق فهم التجربة الإنسانية. أنا أعتقد بأني أعتبرها وكأنها ملك شخصي. وأستفيد من تجارب الكتاب سواء كان يابانيًا أو أمريكيًا أو إنجليزيًا أو روسيًا أو من أي دولة أخرى. فأنا أعتقد أن الثقافة لا تُبنى بالانعزال، تُبنى بشكل منفتح وتنفتح تجاربنا على الآخرين ونحن ننفتح على تجاربهم كما انفتحوا على تجاربنا واستفادوا منها في وقت ما. وأنا أعتقد أن العمل الجيد هو من يترك تأثيره، وهو متاح من كل إنسان؛ لأن العمل الجيد عمل كريم يمنح نفسه دون شروط.

 الشيء الوحيد الذي لا أتنازل عنه في حياتي هو الكتابة

أنا أعتقد على مستوى شخصي إلى اليوم الأخير أني قد أتنازل عن كل شيء، وفعلاً تنازلت عن أشياء كثيرة في حياتي. الشيء الوحيد الذي لا أتنازل عنه هو الكتابة فهي ملكي الشخصي. الوظائف هناك شخص آخر سيمنحك هذه الوظيفة وربما يكون قادرًا على سلبها منك. ومهما كانت هذه الدرجات، سواء أكنت وزيرًا أو صحفيًا أو مديرًا عامًا أو مدير دائرة، هناك من يستطيع أن يرقى بك أو يفصلك من الوظيفة. الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يأخذوه منك عندما تكون مبدعًا هو قدرتك على الكتابة. لا أحد يستطيع أن يأخذ رواياتي أو قدرتي على الكتابة لأني لم أستجدها من أحد. هذه تجربتي وهذه ملكي الشخصي الذي لا ينازعني فيه أحد. هذا ما يتبقى لي، وبالتالي لست مستعدًا للتنازل عنه إلى اللحظة الأخيرة في حياتي.

الأعمال الجيدة قد تكون تذكرة خلود كما تسميها، نعم. والأعمال التي تحوي أفكارًا تفيد البشرية، نعم. ولكن لنكن صريحين، أن هناك مئات من الكتب طُبعت وعشرات الروايات والقصص ودواوين الشعر لا تستحق الورق الذي طُبعت عليها.

 طبعات بعض الروايات عبارة عن كذبة

هذه الطبعات من بعض الروايات عبارة عن كذبة. هناك من الطبعات من تدخل التجارة وتدخل في الكثير من حياتنا الثقافية. فهناك من يطبع 25 نسخة ويكتب عليها الطبعة الأولى، ويوزعها على أصدقائه، ويعود إلى المطبعة ويطبع 25 نسخة أخرى طبعة ثانية، و 25 نسخة أخرى طبعة ثالثة. هذا يختلف عن الأديب الذي يطبع الطبعة الأولى بألف نسخة. فلو تقسمها على 25، فستكون الطبعة الأربعين. وأعتقد أن القارئ عندما يشاهد الطبعة العاشرة أن هذا الكتاب مطلوب ومقروء. وكيف تكون هناك طبعة عاشرة دون أن يكون هناك اقتناع واسع ومحبة وإشادة بهذا الكتاب؟ وهي لعبة تجارية ليس أكثر من هذا.

 أنا أكتب لأؤكد وجودي

أنا ليس لدي شيء أحاول أن أعوّضه عن خسارة وأعوّضه عن كتابة بحيث تأتي المعادلة متوازنة. في كل الأحوال، الكتابة جزء أساسي. وأكتب في كل الأوقات وفي كل اللحظات. عملية وصف الكتابة بأنها رد على حالة معينة هذه قد تكون مؤقتة وكثير من الناس يكتبون. والرواية الأولى عادة يكتبها تسعون بالمئة أو أكثر من الكتاب عن حياتهم الشخصية فتنتهي. إنك لا يجوز أن تكتب عن حياتك الشخصية في الرواية الأولى وفي الرواية الثانية والرابعة بنفس الأحداث. وحتى يكون الروائي روائيًا، الاستمرار والنتاج المتواصل هو الذي يحدد أن يكون هذا الشخص يستحق أن يوصف بكلمة روائي أو لا. أما العمل الواحد أو لديه عملان، فهذا لا يبرر أن يُطلق عليه روائيًا، وأنا أعتقد أنه لا يستحق هذا الوصف دون أن يؤكد جديته واستمراره في هذا النهج.

كساد العصر شمل كل شيء

هناك كساد في كل شيء. وثورة الاتصالات الحديثة وما فعلته قبل ذلك الفضائيات وما بعدها الإنترنت جعلت نسبة كبيرة من الناس تدير وجهها عن الكتابة. نعم، الشعر في أتعس حالاته. ربما الآن الجانب المتفوق هو الرواية، والرواية أيضًا جانب كاذب فيها؛ لأن هناك إعلامًا يعمل بكثرة عن الجانب الروائي زائدًا الجوائز التي ارتبطت بالرواية. هذه منحتها مشاركة عديدة واستفهامات كثيرة وسمعة إعلامية كثيرة. وهناك نكتة انتشرت مؤخرًا أن معرض كتاب يبيع عشرين ألف لفة همبرغر ويبيع عشرين ألف علبة مشروبات ويبيع ستة عشر كتابًا. وهو ما يعكس وضع الكتاب الورقي في مراتبه الدنيا. وأصبح هناك من يبحث عن الكتب الدينية أو طلاب يبحثون عن كتب علمية أو طبية أو عن اختصاص. أنا أعتقد أن هذا جانب مهني. أما أن نتحدث عن جانب الثقافة أو نتحدث عن الأدب فالمعايير مختلفة في هذا الجانب.

 أبطال رواياتي ما كانوا يترددون عن طرح الأسئلة الصعبة

أعود وأؤكد مجددًا بأني لست موظفًا في دائرة تسمى القصة القصيرة أو تسمى الرواية. ولذلك لن أوافق على استقبال تعليمات من أحد. أكتب ما يروق لي، وما يروق لي بمسؤولية شديدة أعبر عنه، وبالتالي فإن أبطال رواياتي ما كانوا يترددون عن طرح الأسئلة الصعبة. الأسئلة الصعبة: هل كان الجنس للمتعة أو لزيادة النسل؟ هل كان الدين عنصر توحد بين شعوب الأرض أو عنصر تفرقة؟ وهل هناك فرق بين القوة المبصرة والقوة العمياء؟ وكيف نُقيّم بين قوة مبصرة وقوة عمياء؟ هذه على سبيل المثال أسئلة استراتيجية لن أتردد في طرحها ولن أتردد في نقاشها، فما عانيناه يكفي ولن نساهم في جريمة السكوت على الأشياء.

 هناك كتاب دفعوا ثمنًا باهظًا لنصوص كتبوها

الوصف العام عن النص لا يكون دقيقًا. كثير من الكتاب في تاريخنا دفعوا ثمنًا باهظًا لنصوص كتبوها. هناك من فقد حياته وهناك من عُذب وهناك من سُجن لقاء نص. النص لن يكون خلاصًا للكاتب، ربما كان خلاصًا بعد موته ليبقى ثابت الأثر، وإلا كثيرون عُذبوا وحوكموا لنصوص لم تكن تتوفر أمام الحاكمين الذين حكموا على هذا النص قدرة فهم واسع لدور هذا المبدع وهذا المفكر.

أنا أسعد تمامًا بأي قارئ يقرأ أي مجموعة قصصية أو رواية. أنا أقول لمن هو شاب: اعتمد على نفسك في القراءة ولا تستورد قناعة من آخرين. ابنِ قناعاتك كما تفهمها أنت، وتكون مخلصًا مع نفسك، وإذا توفر الصدق في القراءة وفي القناعة فنحن في أمان تمامًا.

وأقول للشباب: اهتموا بلغتكم أولاً، واهتموا بقراءتكم، واهتموا بأن الكتاب الجاد في القصة أو الرواية أو القصيدة أمر بالغ الجدية.