"العِقاب" شهادة عن زمنٍ ضائع

رواية الطاهر بن جلون تأتي ضمن حقل التوثيق السردي لما اختبره شخصياً خلال مرحلة تاريخية كانت تضجُ بالأحداث والتقلبات.


لا يفوت الكاتب المغربي التلميحُ إلى الأجواءِ التي تزيدها إسقاطات الموقفِ قساوةً وبؤساً


الراوي لا يهملُ تفصيلات الرحلة مشيراً إلى تخلّف خدمة المواصلات ورداءة خط الحديد ويدركُ

سرديات السجن وتوثيق الملاحقات والكشف عن السراديب التي تكبرُ مساحتها مع ازدياد عدد معارضي النظام الحاكم إلى تيارٍ متموضع في الأدب الروائي، وبذلك لم يعدْ ما يُقامُ خلف الأسوار من حفلات التعذيب متوارياً عن الأنظار، كما سقط القناع عن منهجية السلطة القائمة على التعذيب لتدجين أصواتٍ مختلفة.
من المعروف أنّ المرويات الشخصية والمذكّرات إضافة إلى الأفلام السينمائية تُعتبرُ أدوات أساسية لفضح ما تشهدهُ أقبية مُعتمة وأمكنة مموّهة. 
وينزلُ ما صدر للكاتب والروائي المغربي الطاهر بن جلون بعنوان "العِقاب" ضمن حقل التوثيق السردي لما اختبره شخصياً خلال مرحلة تاريخية كانت تضجُ بالأحداث والتقلبات تمتدُ من سنة 1966 إلى 1971، إدراكاً منه لمكر التخييل وإغراءاته من جانب وإنتقائية الذاكرة من جانب آخر.
إختار علامةً تجنّسية مركّبة لمرويته «سيرة روائية»، طبعاً التداخل بين الرواية والسيرة والمشترك بين جنسين أدبيين في الأساليب والتقنيات قد يكونُ مسوغاً لتداول العلامات المراوغة. 
تأتي مادة بن جلون مسرودة بضمير المُتكلم، حيثُ يعودُ الراوي إلى تاريخ 16 يوليو/تموز 1966، وما يعنيه ذلك اليوم بالنسبة لأمه. وتنزاحُ وقائع هذه اللحظات البائسة إلى ركن ذاكرتها ولا تريدُ سردها إلّا لحفّار قبرها على حدّ قول الإبن، الذي هو الراوي والشاهد في الوقت نفسه.
ولا يفوتهُ التلميحُ إلى الأجواءِ التي تزيدها إسقاطات الموقفِ قساوةً وبؤساً. وما يتواردُ في ذات السياق من السب والشتم والإشارة إلى الخوف الجاثم على صدر الزمن يُدخلك إلى خط افتراض الأسوأ، وبهذا ينجحُ الكاتبُ في كسب المُتلقي لأول وهلة. ومع إستمرار حركة السرد تتضّحُ دلالة المشهدُ الإفتتاحي.

فصول هذا العمل مسبوكة بلغة بسيطة معبرة عن محنة إنسان قد تحول حلمه إلى كابوس ترسبت آثاره في شخصيته

عبارات رديفة
العبارات المرفقة بعتبة العنوان من المؤشرات الفاعلة في تأكيد التطابق بين المؤلف والراوي في سيرة روائية، إذ ما يلفتُ النظر في هذا النص إضافة إلى عتبة العنوان المحمولة بموجهات لأُفق التوقع هو الملفوظات الرديفة، منها «كان العقاب رهيباً» أو «انتظرتُ خمسين عاماً لأتمكن من تأليف هذا الكتاب»، فالجملة الأخيرة منطوقة بضمير الأول، ما يعني ردم الهوّة تماماً بين الشخصية التي تتكفلُ بسرد القصة والمؤلف. 
زدْ على ذلك، فإنَّ مدينة طنجة بإعتبارها مُنطلقاً لتسلسل السرد، ويعودُ إليها البطل بعد تسعة عشر شهراً من حياة مضنية في الثكنات. مؤشر آخر الى أنّ المؤلف قد تستّرَ وراء راوٍ لا يُذكر اسمه في المتن. علماً أنَّ الطاهر بن جلون من مواليد طنجة التي يغادرها الراوي برفقة أخيه الكبير ممتثلاً لأوامر الجندي بالحضور إلى معسكر الحاجب. وفي الطريق، تشرعُ حلقات السردِ على سيل الذكريات، حيثُ يستعيدُ الراوي بعض المواقف ومقت والده للسلطة، لافتاً إلى أنّ جريمته الوحيدة هي المشاركة في المُظاهرة السلمية بصحبة بعض رفاقه، ولن ينتهي الحراكُ إلّا بسقوط القتلي وإعتقال قيادات طلّابية ومن ثُمَّ تسجيل أسماء المشاركين لتتمّ ملاحقتهم واحداً تلو آخر، وكان الراوي من بينهم فريسة لهذه الحملة.
سينما
ويتذكرُ في هذا الإطار مداهمات المجهولين للبيوت وحالات الإختطاف، وما يؤلمه أكثر هو أنَّ خطيبته زينة لم تودّعه غير أنَّ ذلك لا يمنعهُ من إسترجاع لحظة اللقاء في المكتبة الفرنسية عندما امتدت يداهما في ذات الوقت إلى رواية «الغريب» وكيف نظر أحدهما إلى الآخر مثل غاري غراند وانغريد بيرغمان. يذكر أنَّ الإحالات إلى الأفلام وأبطالها تصبحُ عناصر أساسية في البرنامج السردي والمسوغ، لذلك هو الوعي الفنّي للراوي وإهتماماته السينمائية، حيث كان قائماً على النادي السينمائي بطنجة كما راوده الحلم بأن يعملَ في الإخراج. ولم يبلغ من العمر سوى خمسة عشر عاماً حين تمّ استجوابُه بعد عرض فيلم «إيزنشتاين»، لذا فإنَّ بعض ما يعيشهُ في المعسكر يجدُ معادلهُ في مشاهد سينمائية.
لا يهملُ الراوي تفصيلات الرحلة مشيراً إلى تخلّف خدمة المواصلات ورداءة خط الحديد ويدركُ قلق أخيه من خلال ما بدا على وجهه في مكناس. وتتمفصل أخبار عن مقتل المهدي بنبركة تحت التعذيب في تيار السرد. والحال هذه فإنَّ ما يعتملُ في ذهن الراوي يوحي بأنَّه يعاني من خيبة الأمل وأنَّ ما تعلمهُ من قراءاته لماركس ورامبو لا يفيدهُ وهو قيد غرفة تسمى بـ(طاطا) في ثكنة الحاجب. 

The Moroccan novel
لماذا يجبُ مواجهة الأخوة الجزائريين؟

فجر كاذب
قد يكونُ إجراء بعض التغييرات في الوجه والشكل أمراً عادياً، لكن ذلك التحوّلُ الشكلي داخل المُعسكر المموّه يضمر غايات أخرى، منها الإيحاء بفقدان الحرية ومحدودية مجال التصرّف. من هنا يسهبُ الراوي في توصيف طريقة قصّ شعره وحلق جمجمته إذ يبكي بالصمت على خساراته ومن ثُمَّ يتوجّه إليه قائلاً له إنَّه «سيصنعُ منه رجلاً»، مُحذّراً إياه من الحديث عن السياسة. عليه، فإنَّ الوافد إلى الحاجب يشعرُ بأنَّه لم يعد كما كان عليه شكلياً وجسدياً جرّاء سوء التغذية والمكان المقفر، فقد قاطع المراحيض ليوم كامل لشدّة وساختها. 
أسوأ من كل ذلك، فإنَّ الفساد قد طال حتى المعكسر، ولا يمكن التغوّط بسلام دون الرشوة كما أنّ نفراً من الضباط يتحرّشون بمَن يرغبون به. والطريفُ هو الأمل الذي يداعبُ الراوي بالإفراج بعد إجراء الفحص الطبي والتأكد من وجود التشوه في إحدى خصيتيه حيثُ يبشره القبطان عليوة بإعفائه. لكن كل ذلك كان بمثابة الفجر الكاذب يطولُ مقامه في الثكنة متحسّراً على حبيبته إذ تتبدّى له زينة في وضعيات غرامية مع غيره وهذا بمنزلة الإستباق لما يكشفهُ المتلقي لاحقاً. 
يستنجدُ الوافدُ بقراءاته لكافكا ودوستويفسكي وجميس جويس يرسل له أخوه رواية "عوليس" ويستمد القوة تكوينه الديني. تفاجئهُ مشاهد دفن جسد الجنود في الرمال وهم يموتون ببطء. ويتمُ قطع مسافات طويلة لمواجهة العدو الوهمي. يتساءلُ المعاقَبون لماذا يجبُ مواجهة الأخوة الجزائريين كما يفرض عليهم القيام بالمناورات بالذخيرة الحية. 
يمضي الراوي أياماً في مستشفى محمد الخامس عندما يصاب بالحمي والإلتهاب يغزو جسده، ويترقّب خروج روح المريض المجاور له لعلّ يرى السرَّ. يفكر في الإنتحار تلح عليه عبارة الشاعر الذي قال بأنه يعيشُ والموت فوق كتفه. لا يشاركُ الراوي أصدقاءه في التلذّذ بمتع مسروقة خارج أسوار المعسكر. ومما يعزي السجين هو الإنتقال من زنزانة إلى أخرى كذلك الامر بالنسبة للمُعاقبين في معكسر الحاجب حيثُ يتم إنتقالهم إلى أهرموو ويمتلكُ الكومندان حمادي إمرة المعسكر يعيشُ الجنودُ لحظة نكسة 1967، ويطلقُ سراح رفيقهم اليهودي مارسيل يتبادل الراوي الرسائل مع والده وبهذا تلوحُ بوادر تغيير إلى أن يُطلق سراح الطلاب؛ وما تمر ثلاثةُ أعوام حتى يُستدعى المُعاقبون من جديد وعندما يصادفُ الراوي بصحبة صديقيه أعبابو في مقهى بفاس يسألونه عن فحوى إستدعاء لا يأتي رده إلّا مختصراً بأنَّه يحتفظُ لهم بالمُفاجأة إلى أنْ يُعلن عن قيام الجمهورية بقيادة اعبابو وأخيه حيث يحاصر الملك الحسن متزامناً الحدث مع عيد ميلاده ويساورُ الراوي الخوفُ كلما فكر في سيناريو انتصار الجنرال المتوحش الذي لم يوفر طريقة للتعذيب وإلّا مارسها ضدهم. 
يشارُ إلى أن فصول هذا العمل مسبوكة بلغة بسيطة معبرة عن محنة إنسان قد تحول حلمه إلى كابوس ترسبت آثاره في شخصيته.