الغباء نعمة لا يفهمها إلا العباقرة

شدة العبقرية، ووطأة الأعباء المفروضة على العباقرة وأهمها تحمل هجوم الآخرين عليهم قد يسبب العدائية، أو الميل للشر، أو الاكتئاب، أو حتى الانتحار.


العبقري لا يشعر بأنه عبقري، بل مجرد شخص عادي، يريد أن يحيا حياة عادية، أو حتى أقل من العادية


العبقري الحق لا يرى نفسه عبقرياً، بل مجرد إنسان عادي، لكنه يتمتع ببعض القدرات التي قد تفوق قدرات الآخرين

العباقرة، أشخاص يمتلكون مواهب خاصة، ويسهل عليهم التوصل لأشياء لا يستطيع أن يتوصل إليها أحد، وقد يكونون أيضاً غير مدركين أنه من الصعب التوصل لذلك؛ لأنهم قد يشعرون بأنه شيء بديهي، أو نتيجة حتمية. فغالباً، العبقري لا يشعر بأنه عبقري، بل مجرد شخص عادي، يريد أن يحيا حياة عادية، أو حتى أقل من العادية. لكنه لا يستطيع منع الأفكار من التدفق لخاطره، فهي تسليته الوحيدة. ومن المثير للدهشة أن كل عبقري في داخله يتمنى أن يكون كأي فرد عادي، بل ويتصنع نوبات غباء متقنة، أو يسعد عندما يتصرف بغباء في بعض المواقف؛ لأنه حينئذٍ يثبت لنفسه أنه فرد عادي، ومن حقه أن يكون كأي فرد في المجتمع. وبالنسبة للعبقري الحق، لحظات الغباء لذيذة ومثيرة؛ لأنها تشعره بآدميته، وتجعله يتنصل - ولو لوهلة – من مسئولياته إزاء نفسه وإزاء الآخرين.

نظريات الطب النفسي أجمعها تحاول أن تفسر الآثار المناوئة للعبقرية بسبب الهجوم غير المبرر من البشر على العباقرة

السؤال الملح هنا، هل تمنيت ولو لوهلة أن تصير عبقرياً؟ أما السؤال الأهم، هل يمكنك تحمل تبعات وأعباء العبقرية؟ قد يكون الرد على التساؤل الأول بالإيجاب، ولكن قبل أن تجيب أيضاً بالإيجاب على التساؤل الثاني يجب عليك أن تتمهل قليلاً. فالعبقري عندما ينكشف اللثام عنه يجعله بارزاً أينما ذهب، وهذا شيء ليس باليسير. فلك أن تتخيل أن الناس يراقبون سلوكك وتصرفاتك، وكأنك أحد نجوم السينما مثلاً، فيصعب عليك ارتكاب حماقة كسائر البشر، أو التعبير عما يموج بداخلك بكل صراحة؛ لأنه يوجد من ينتظر ذلك منك؛ كي يضخم سلوكك ويجعل هفوتك لا تسير في منهاجها الطبيعي، ونعتها أنها مجرد خطأ عادي، أو الجميع يفعل ذلك، وله الحق في فرصة ثانية؛ لأنه خطأ من اليسير مسامحتك عليه اقترافه. لكن العكس يحدث. 
يأخذ كل من يريدون النيل من العبقري إبراز ما يقترفه بأنه سلوك جسيم، أو شاذ، أو حتى خطير. وأما المشكلة الأكبر أنك تجد نفسك بدون سبب محاطاً ليس فقط بهالة من الأضواء، بل أيضاً بهالة من أعداء النجاح الذين يحاولون أن ينبشوا لك قبراً بأظافرهم ، ويدفننونك بداخله حياً، لمجرد التشفي فيك، وإشباع غرائزهم الشريرة تجاهك. فهم للأسف يخشون نجاحك، ويرون أنك عنصر تهديد لهم أينما حللت؛ لأنك تكشف وبكل بساطة أنهم لا يقومون بواجبهم الطبيعي، فيكرهون أنفسهم كلما يتذكرونك، والأدهى من ذلك عندما يرونك تفعل أكثر الأشياء صعوبة بكل بساطة ويسر. 
أما المشكلة الأكبر، فهي أن العبقري الحق لا يرى نفسه عبقرياً، بل مجرد إنسان عادي، لكنه يتمتع ببعض القدرات التي قد تفوق قدرات الآخرين، لكنه ليس بالشيء غير المألوف. فبالنسبة له، كل فرد له مميزات وعيوب، وهو يتمنى أن يكون لديه بضع من المواهب التي يتمتع بها الآخرين. أما من يرون أنفسهم عباقرة، أو ذوي قدرات خاصة، فهم مجرد مدعين، وسلوكهم النرجسي هذا الذي يجعلهم يضخمون أعمالهم وقدراتهم، ويبرزونها، ويؤكدون عليها أمام الآخرين، هو – قبل أي شيء – شعور شاذ ينبع من شعور داخلي مقيت باحتقار الذات، وصراع مع النفس كي يحافظ هذا الشخص على تلك الهالة الكاذبة من العلا والشموخ، لكن ما يعذبه في قرارة نفسه علمه بأنه مجرد جاهل مقيت، يخشى مواجهة الحياة بصورة طبيعية حتى لا ينكشف أمره، ويعلم الناس مدى زيف نجاحه، حتى ولو كان نجاحاً حقيقياً، لكنه لا يستحق التصرف بنرجسية. 

وفي هذا الموقف بالتحديد، إذا حاولت مقارنة العبقري بمدعي العبقرية، لوجدت أن العبقري الحق لا يهمه رأي الناس فيه، أو رسم هالة من النجاح حوله، فهو يسير في طريقه، ويفعل ما يجعله يشعر بالسعادة والنشوة عن طريق التفكير، ولكم يقع في غرام تداعي الأفكار عليه، ويجد فيها الونيس والرفيق. 
وتلك هي "لعنة العبقرية"؛ لأن العبقري لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية، يرتكب فيها الأخطاء والحماقات، أو يندمج مع آخرين دون أن يروا أنه مصدر تهديد لهم، ومن ثم يجب إلحاق جميع أنواع الأذى به؛ للثأر لوجودهم على هذه الحياة بدون هذا المستوى من الذكاء. وللأسف، لا يستطيع الطب النفسي حتى الآن إيجاد نظرية تمكن العباقرة من التفاعل مع الحياة بشكل طبيعي، دون أن يلحظهم أحد، وإعطاءهم الوصفات الطبية أو الإرشادات السلوكية التي تمكنهم من درء هذا الصراع الهائل مع النفس الناجم في الرغبة في العيش كإنسان طبيعي، وفي نفس الوقت الاحتفاظ بعبقريته. 
على النقيض، نظريات الطب النفسي أجمعها تحاول أن تفسر الآثار المناوئة للعبقرية بسبب الهجوم غير المبرر من البشر على العباقرة، وتشير أن شدة العبقرية، ووطأة الأعباء المفروضة على العباقرة وأهمها تحمل هجوم الآخرين عليهم قد يسبب العدائية، أو الميل للشر، أو الاكتئاب، أو حتى الانتحار. وجميعها نظريات تضع العبقري دوماً في قفص الاتهام، ولا تحاول فهم مدى معاناته بعمق؛ لتقديم حلول نافذة له.
وعلى الرغم من ذلك، لم يستطع الدخول في المنطقة الخاصة بالعباقرة سواء بشر أسوياء يتمتعون بمواهب أدبية وخاصة فن الكتابة، والرسم، والموسيقى؛ لأنهم ككل العباقرة الحق يتمتعون بمواهب خاصة قد تجلب لهم المشكلات دون أن يعوا لماذا. 
ومن أهم أفلام السينما الأميركية التي عالجت هذا الموضوع بكل بساطة وعمق كان فيلم "ويل هانتيج الطيب" Good Will Hunting الذي يبرز مدى معاناة العبقري الذي لا يريد أن يصدق أنه عبقري ولا يرغب في أن يراه الآخرون عبقريا، فلقد علم أنه كي يندمج في الحياة بصورة طبيعية تجعله لا يصاب بأذى نفسي بسبب هجوم الآخرين عليه، والذي قد يجعله في نهاية المطاف شخصاً منبوذا، هو إخماد هذه العبقرية، وجعلها السر الذي يعرفه هو فقط، ولن يفصح عنه للآخرين؛ فهو لا يريد أعباء تكبله، ويكفيه ما يموج بداخله من وحدة وصراعات داخلية لا يشعر بها ولا يقدرها أحد، لأنه لا يوجد من يتفهم مدى صعوبتها.

وبعد قراءة تبعات العبقرية، لو تم تكرار السؤال المطروح في البداية، ألا وهو "هل تريد أن تكون عبقرياً؟" فماذا ستكون إجابتك. والأهم من ذلك، يجب الوقوف أمام مرآة النفس للنظر إليها بنظرة تشريحية فاحصة، وسؤال نفسك ما إذا كنت تستطيع أن تعرِّف نفسك بأنك عبقري، وتستحق تفهم أكبر لموهبتك، أو أنك مجرد شخص نرجسي يضخم ولو حتى أبسط النجاحات. وأما المفاجأة، لو نظرت لنفسك بنظرة فاحصة وعلمت أنك مجرد شخص تافه لا قيمة له، والدنيا لن تتغيير بدونك، أو لأجل خاطرك. وقبل أن يصيبك الحنق بسبب العبارة الأخيرة، لسوف يصدمك أن جميع العباقرة الحق يشعرون بالانتماء للفئة الأخيرة.