الفقد الكليبتوقراطي رقمي

الكليبتوقراطية Kleptocracy كمصطلح عبارة عن كلمة يونانية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية بشكل غير دقيق لتعني "اللصوصية".


عالم التواصل الاجتماعي صار مكان من لا مكانة له على أرض الواقع


إدمان ألعاب الفيديو هو ضرب من ضروب الخلل النفسي

أصعب تجربة قد يمر بها الإنسان هي تجربة الفقد؛ فالإنسان قد جبله الخالق على السعى دوماً إزاء تحقيق المكاسب والنجاح في جميع ما يباشره من أعمال، في جميع جنبات حياته. ومن أهم المكاسب التي قد يمكن أي إنسان تحقيقها هي تأسيس عمل ناجح، ومكانة اجتماعية بارزة، وامتلاك أموال ابتداء من الأموال القليلة التي تقي الإنسان حد الكفاف إلى الأموال الوفيرة التي قد تدخل في حيز الثروات، وذلك على الصعيد المادي الذي يشغل الإنسان في العصر الحديث. 
أما على الصعيد المعنوي، وهو الأهم بالرغم من عدم إمكانية رؤيته بالعين المجردة – النجاح هو تحقيق علاقات أسرية واجتماعية طيبة تجعل الإنسان ينتقل من مرحلة الفردية إلى تكوين نظم اجتماعية. ولهذا، في حال خسارة أي من تلك المكاسب والنجاحات المادية والمعنوية يكون الفقد موجعاً. وحينما يكون الفقد تدريجيا أو متوقعا، تصير وطأته أقل على نفس الإنسان. لكن عندما يتم انتزاع أي شيء من شخص دون أدنى رغبة منه، يتحول "الفقد" إلى سرقة بالإكراه. لكن مع اعتياد السرقات بالإكراه في حياتنا، لسوف يتحول شعور الإنسان من الامتعاض إلى اللامبالاة. وهذا بالضبط الوتر التي لعبت عليه الكليبتوقراطية  Kleptocracy لإخضاع الأمم.
والكليبتوقراطية   Kleptocracy كمصطلح هي عبارة عن كلمة يونانية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية بشكل غير دقيق لتعني "اللصوصية". لكن بتحليل الكلمة، نجد أنها تتكون من مقطعين أولهما "كليبتو" klepto لتعني "لص"، وثانيهما "قراطي"  cracy بمعنى "حكم"؛ أي أن الكلمة في مجموعها تعني "حكم اللصوص". وينتشر استخدام هذا المصطلح سياسياً ليصف الحكومات التي كرست جهودها إلى جمع الأموال والمميزات التي يجب أن يتمتع بها الشعب؛ لتحويلها إلى ثروات شخصية، وسلطات سياسية يتم منحها للمسئولين الحكوميين والقلة الحاكمة، مع ادعاء أن ذلك من أجل خدمتهم، ولكن مع اعتياد هذا الفقد، يتم فرض هذا الأمر كواقع محتوم لا يمكن الفرار منه. 

عمر وأموال وصحة الأجيال الحالية والجديدة يتم سرقتهم من خلال منظومة كليبتوقراطية عالمية مرقمنة تتدعي مؤازرة التطور

وقد يعتقد البعض أن النظم الكليبتوقراطية Kleptocracratic systems قاصرة على الحكومات القائمة على النظم الديكتاتورية أو الاستبدادية؛ ففي الكثير من النظم الديمقراطية قد تظهر الكليبتوقراطية بشدة عند الانزلاق إلى تسليم زمام الأمور لقلة قليلة حاكمة. وتتسم النظم الكليبتوقراطية بتفشي جميع أنواع المحسوبية، واستحالة الرقابة الخارجية أو حتى انعدامها. ويتسبب غياب الرقابة الخارجية في تفاقم قدرة المسئولين الكليبتوقراطيين على التحكم في أموال العامة ووسائل صرفها. ومما تم ذكره مسبقاً يمكن لنا أن نستخلص وبشكل بسيط أن أي نظام أو منظومة يسعى إلى نهب المواطن - أو من هو في موقف عدم المقدرة على اتخاذ القرارات - مالياً، واجتماعياً، ونفسياً، ويعمد إلى تمكين القلة من خلال تفشي منظومة من المحسوبية هو بالضرورة نظام كليبتوقراطي، علماً، أن ذلك لا ينبغي بالضرورة الإشارة للطبقات الحاكمة في الدول الواقعة تحت نظم دكتاتورية.
وبالنظر للإنسان في العصر، يلاحظ أنه واقعاً تحت العديد من النظم التي تسعى إلى نهب إنسانيته وحياته التي قد يستمتع بها إذا نبذها. ومن أهم تلك النظم الكليبتوقراطية Kleptocratic هي المنظومة الرقمية، وأخص بالذكر هنا نظم التواصل الاجتماعي Social Media وألعاب الفيديو Video Games. فلقد اخترقت وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو جميع الدول على حد سواء، إلى درجة أنها بسطت هيمنتها بشكل ديكتاتوري كليبتوقراطي على جميع أفراد الشعوب من خلال ضمان استحالة السيطرة التامة على المستخدمين وفرض رقابة فاعلة. فلقد كان الهدف الأسمى من نظم التواصل الاجتماعي هو تلاقي الأصدقاء القدامى، وتكوين صداقات جديدة عبر دول العالم المختلفة، والاستفادة وإفادة الآخرين من خلال جعل سبل التواصل الاجتماعي منبراً لتبادل الآراء والمعلومات. فكما هو الواضح من اسمها أنها سبيلٌ "للتواصل". وعلى غير المتوقع، بعد النجاح المنقطع النظير الذي حققته وسائل التواصل الاجتماعي عالمياً، نجد أنها قامت بإعلاء كلمة العالم الافتراضي الموازي، ومنها انصرف الناس عن عالم الواقع وصعوباته. 
والسبب في ذلك ليس فقط الانغماس فيما يقدم من مواد على وسائل الترفيه – والتي قد تكون غريبة ومثيرة – بل أيضاً في سهولة التواصل أو قطع الصلات بين البشر دون تعقيدات. فلقد قدمت سبل التواصل الاجتماعي لأفراد العالم المرقمن نظاماً معيشياً بديلاً أفقد العلاقات البشرية أهميتها، بالرغم من أنها قوام أي مجتمع. ومن ثم، لم يشعر البشر بأي امتعاض عندما يتم سرقة أوقاتهم بالساعات والأيام والشهور؛ لأن وسائل التواصل الاجتماعي لا تقوم إلا على فكرة المحسوبية؛ فالجميع على سبل التواصل الاجتماعي محاسيب ذوي أهمية كبرى وترتقي مكانتهم بسرعة صاروخية إذا استطاعوا جمع أكبر عدد من الأتباع حولهم. وغالباً، ما تتحقق الزعمة الافتراضية ليس من خلال تقديم كل ما هو نافع ومفيد أو حتى صادق، كما كان الهدف من نظم التواصل الاجتماعي؛ فكلما انزلق يتصدر الزعامة في التفاهة، أو تقديم الغريب الذي لا يقوى على مضاهاته أحد، كلما قويت شوكة حضوره ولمع نجمه في هذا العالم الموازي. 
أضف إلى ذلك، صار هذا العالم مكان من لا مكانة له على أرض الواقع؛ ففيه يعلو شأن من لا يتم الالتفات لهم على أرض الواقع. ومن المثير للشفقة تصدر بعض مقاطع الفيديو بملايين المشاهدات التي تحوي مثلاً امرأة بسيطة تغني، أو طفل من أطفال الشوارع لا يتجاوز عمره السبعة أعوام يتحدث عن تجارب وحكمة حياته وكأنه رجل محنك. 
الغريب فيما ذكرته من مثلين سالفين ليس أن أبطال تلك المقاطع ينتميان لطبقات دنيا، ولكن المثير للدهشة انغماسهما في عالم افتراضي قام بسرقة الزمن والعمر منهما في حين أنهما يعتقدان أن هذه السرقة أمر محتوم. فعوضاً عن الإنغماس في التفاهة كان من الممكن جداً الاستفادة بذلك الوقت المهدر في تنمية قدراتهما الثقافية، أو حتى تعلمهما النطق بمخارج حروف واضحة، أو على الأقل استخدام لغة جسد راقية. وكما تقول الممثلة الأميركية كازي دافيد: "من المثير جداً للضحك أن وسائل التواصل الاجتماعي كانت مجرد وسيلة تسلية، لكنها الآن استحالت إلى وحش يستهلك حياة الكثير من سكان الألفية الجديدة". 

ومن المثير أيضاً للسخرية، أن أبرز المقولات عن وسائل التواصل الاجتماعي وأخطارها منبعها ليس الباحثين، أو العلماء، أو الفلاسفة أو الأطباء؛ فسكان مجرة التواصل الاجتماعي لهم طقوسهم، ولهم حكماؤهم.
ولو كانت وسائل التواصل الاجتماعي في باطنها كليبتوقراطية تستهدف الفئات العمرية الرشيدة، فإن ألعاب الفيديو تستهدف الأطفال بدءاً من مراحلهم العمرية الأولى، وقد تستمر مع من هم في مراحل متقدمة من العمر. ولقد تم كشف اللثام عن أن هوس وإدمان ألعاب الفيديو بين الصغار والمراهقين قد بلغ نسبة تتراوح فيما بين 5 إلى 8% باعتبارها قبل أي شيء وسيلة للترفيه الجيد. وبالنظر للهدف من ألعاب الفيديو نجد أنه تم تصميمها في بادئ الأمر من أجل الصغار لتحسين القدرات الإدراكية لديهم، ومنها تحسين التوافق العصبي وردود الأفعال، وتنمية القدرة على حل المشكلات سريعاً، وتحسين الذاكرة والتركيز، وتعزيز القدرات العقلية والقدرة على إنجاز العديد من المهام في آن واحد. وبالطبع، جميع هذه الأهداف نبيلة للغاية، لكن بسبب رواج ألعاب الفيديو، وتصدرها أسواق المبيعات - مما جعل منها مصدر ربح وفير - تحولت ألعاب الفيديو التي كانت نبيلة الهدف إلى سلعة تجارية بحتة، يتفنن مصمموها في جعلها مصدر جذب وتشويق لا يقاوم. وعلى هذا، صار ازدياد جرعات العنف الدموي والحركي هو أكبر عامل لضمان إقبال الصغار على اقتناء تلك الألعاب. 
لكن النتيجة غير المتوقعة كانت إدمان تلك الألعاب لدرجة أنها صارت سبيلاً لهدم التواصل الأسري، والاتصال بالعالم الخارجي، وإهمال الدروس، وحدوث تشوهات جسدية. أضف إلى ذلك، يفقد مدمنو ألعاب الفيديو الشهيّة مما يؤثر بالسلب على حالتهم الصحية، ويصابون باضطرابات في النوم. ناهيك عن الاضطرابات النفسية، والشعور بالقلق المستمر، والعصبية الزائدة. فعندما وجد الأطفال مهرباً من صعوبات أرض الواقع، صارت ساحة ألعاب الفيديو هي المتنفس الوحيد لتحقيق كل ما يبتغيه الطفل دون مواجهة أية صعوبات حقيقية قد تؤثر على مزاجه بسبب ما يحيط به من ظروف قد تعكر صفو حياته. 
وفي تقرير أعلنته منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة عام 2018 أكدت فيه أن إدمان ألعاب الفيديو هو ضرب من ضروب "الخلل النفسي"، بالرغم من أن الخبراء لا يزالون يصرون على العكس نظراً لفوائدها الإدراكية السالفة الذكر في ظاهر الأمر، في حين أن الهدم هو ضمان المكاسب التي تحققها الشركات المنتجة لألعاب الفيديو.
وبسجن الكبار والصغار خلف آلات ذكية تزيد من غبائهم الاجتماعي بحجة أنها تبث أحدث وسائل التسلية والنفع على الأمد البعيد، نجد أن عمر وأموال وصحة الأجيال الحالية والجديدة يتم سرقتهم من خلال منظومة كليبتوقراطية عالمية مرقمنة تتدعي مؤازرة التطور، والتصدر لكل ما يدر النفع على البشرية، في حين أنها توفر في كل ثانية معولاً جديداً لهدم النظم الإنسانية.