القذافي المقدس والمدنس

لن يعجب هذا الكتاب الكارهين للقذافي لأنه يظهر الصورة التي لا يريدونها له، ولا يفضله المحبون للقذافي بصدق أو انتهازية، لأنه لا يخفي الصورة الدموية من المشهد على مدار أربعة عقود.


قبر القذافي الذي لا قبر له في متن هذا الكتاب

في منتصف تسعينات القرن الماضي سألت الصافي سعيد عن سبب تفضيله القذافي على بن علي؟ فأخفى الجواب الحقيقي الذي يفضله، مديرا قوس السؤال إلى كونه لا يرى الحل في تحويل الدولة إلى ثكنة ثورية كما يفعل القذافي في ليبيا، ولا إلى فندق سياحي كما أراد الرئيس زين العابدين بن علي ذلك لتونس.

لكن الجواب المعبر عما يكنه الصافي سعيد للقذافي كشفه من دون مواربة في كتابه الصادر “القذافي: سيرة غير مدنسة” وكأنه يضفي نوعا من القداسة على الزعيم القتيل عندما أوجد في متن هذا الكتاب قبرا للقذافي الذي لم يعرف له قبر. بينما لم يكتب سيرة بن علي كما فعل مع بورقيبة في “سيرة شبه محرمة” بل اكتفى برواية “سنوات البروستاتا” محتفيا بالخيال.

لن يعجب هذا الكتاب الكارهين للقذافي لأنه يظهر الصورة التي لا يريدونها له، ولا يفضله المحبون للقذافي بصدق أو انتهازية، لأنه لا يخفي الصورة الدموية من المشهد على مدار أربعة عقود، بيد أن الصافي سعيد يعترف بأن القذافي مزيج من روائح الأسمنت والبترول والعرق والحناجر وخليط من الدهاء والصراحة الموجعة والغموض البدوي الساحر، بالإضافة إلى قليل من الدم، تلك هي مسيرة ليبيا في عصر القذافي الذي اختار لها اسما جديدا هو الجماهيرية.

أهمية هذه السيرة غير المتأخرة عن الأحداث المتصاعدة في ليبيا تكمن في كشفها مساحة مرتبكة في الذاكرة العربية، فالمؤلف لا يجعل من الزعيم القتيل رابحا “ومتى ربح؟” لأنه عندما يخسر يذهب مباشرة إلى المفاوضات الناعمة، فهو سرعان ما يرتدي القفازات ويمثل الحقائق العنيدة والدامغة.

القذافي رجل تقلبات في علاقته بالغرب وبمحيطة العربي نجح في الكثير وفشل في كل شيء، هكذا يقدمه هذا الكتاب خليطا متفجرا من البراغماتية والدهاء والعنف والنعومة حتى ليبدو لكثير ممن تعاملوا معه رجلا متقلب المزاج، مشوشا، مهوّسا بلعبة الأمن والقوة.

ليبيا في زمنه متورطة في أكثر من نزاع، فقد ناورت في لبنان لدعم القوى التقدمية، حاربت الرئيس السوداني جعفر نميري عن طريق جون قرنق، ودعمت المعارضة في مصر لأن السادات قد دخل في متاهة سياسية لا مخرج منها، سلحت بعض معارضي بورقيبة لأنه وقف ضد الوحدة! ورمت بثقلها في جزيرة مالطا، ودعمت جبهة مورو لإزعاج القواعد الأميركية في الفلبين واحتضنت الجيش الأيرلندي لكي تبتز بريطانيا، وسلحت انفصالي البوليساريو ووقفت إلى جانب مقاتلي ظفار، كذلك تعيدنا السيرة “غير المدنسة” إلى عبثية القذافي التي امتدت من موزمبيق إلى ظفار ومن الصحراء المغربية إلى نيكاراغوا ومن أيرلندا إلى كردستان العراق وغابات الفلبين، ومن الباسك إلى لبنان، كل هذه جعلت من الزعيم “الإرهابي رقم واحد”.

سوّغ الصافي سعيد للكتاب الأخضر الذي ادعى فيه القذافي أنه أوجد الحل السياسي للعالم في تهشيم الدولة، بوصفه حلا فكريا وليس عبثا، وكأنه لا ينصح الناقمين على القذافي ولا المحبين له بقراءة هذا الكتاب المثير.