القرآن شاهد على ما قبله من الكتب السماوية

الباحث المغربي صابر مولاي أحمد يسلط الضوء على ما هو وارد داخل البنائية القرآنية حول موضوع منهج التصديق والهيمنة.


الوعي بالأبعاد القرآنية للموضوع الذي نحن بصدده يعد وعياً بماهيّة القرآن، وبما يتّصف به من الخصوصيات عن غيره من الكتب التي سبقته


الكتاب يلقي الضوء على الخصوصيات المنهجية، التي اختص بها القرآن الكريم دون غيره من الكتب السماوية

الكتاب، الذي أُنزل على محمد "صلى الله عليه وسلم"، كتابٌ واحد اسمه القرآن، ومن أعظم الغايات والمقاصد الكبرى، التي يتضمّنها، أنه تذكير للناس بالحق، الذي خُلقت به السموات والأرض وما بينهما. كما أنّه فرقان بين الحق وغيره لمن أراد أن يتدبر؛ فبالقرآن نهتدي، وبه نفهم ما قبله، ونستغني عمّا سبقه، فهو خطاب عالمي لكلّ الناس؛ فالنبي الخاتم جاء بالكتاب الخاتم رحمةً للعالمين. والعلاقة، التي أسسها القرآن الكريم، بما سبقه من الكتب، فيها اعتراف صريح وتصديق لتلك الكتب، وفيها، في الوقت ذاته، هيمنة على ما تتضمّنه تلك الكتب بفعل نسخ أحكامها وشرائعها، وتبيين ما تمّ إخفاؤه، أو تبديله منها، باطلاً وزوراً، والكشف عمّا تتضمنه من الحق.
سلط الباحث المغربي المتخصص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر صابر مولاي أحمد في دراسته "منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم: سورة البقرة نموذجاً" الضوء، بشكل منهجيّ، على ما هو وارد داخل البنائية القرآنية حول موضوع منهج التصديق والهيمنة، وهو منهج قد أسّسه القرآن، من خلال سوره وآياته، ليضبط العلاقة بينه وبين الكتب السماوية التي سبقته، وقد جاء الحديث عن هذا الموضوع بشكل مباشر في سورة المائدة. يقول تعالى {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، ولهذا، يُعدّ الوعي بالأبعاد القرآنية للموضوع الذي نحن بصدده، في الوقت ذاته، وعياً بماهيّة القرآن، وبما يتّصف به من الخصوصيات عن غيره من الكتب التي سبقته.
وأشار مولاي أحمد في دراسته الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود أنّ جوهر موضوع التصديق والهيمنة يكمن في كون القرآن الكتابَ الشاهد والمستأمَن على الكتب المقدسة؛ أي ما قبله من الكتاب؛ ولهذا من التعسف بمكان أن يتمّ النظر إلى ما تضمّه الكتب المقدسة، اليوم، بمعزل عمّا يضمّه القرآن الكريم حول كثير من الموضوعات، وهي موضوعات تعني الناس جميعاً؛ مثل: الحث على القيم العليا والفضيلة، من خلال التذكير بتاريخ الأنبياء والرسل، وما كانوا عليه من الحقّ والدعوة إليه، ومثل قصة الخلق وموضوع الاستخلاف، وهو موضوع يعني الناس جميعاً. ونؤكد، هنا، أنّ الإعراض عمّا يضمّه القرآن من هذه الموضوعات وغيرها، والاكتفاء بما هو وارد في الكتاب المقدس، يُعدّ خروجاً عن الفهم الصواب، وعن الحقيقة، التي يصبو إليها الناس جميعاً. كما أنّ فهم وتفسير ما قال به القرآن، حول هذه الموضوعات وغيرها، من خلال ما هو وارد في الكتب المقدسة، يُعدّ تضييعاً للهدى والحق الذي يكتنزه القرآن الكريم.

لم نُغطِّ كلّ الموضوعات الواردة في سورة البقرة؛ بل اكتفينا بالموضوعات الأساسية في السورة فحسب؛ التي نُظّم، من خلالها، الكثيرُ من الموضوعات الفرعية والتابعة لما هو محوريّ وأساسي في السورة

ورأى أن جلّ مفسري القرآن أكدوا أنّ القرآن شاهد على ما قبله من الكتب السماوية، ومؤتمن عليها. وقال "على الرغم من وعيهم بهذا المعطى المنهجي الخاص بالقرآن دون غيره، لم يكرّسوا جهدهم في العمل على إظهار القضايا والموضوعات، التي عمل القرآن، من خلال سوره وآياته، على تصديقها، والهيمنة عليها؛ أي استرجاعها بمدخل نقديّ ينفي عنها ما لحقها من التبديل والتحريف. كما أنّهم، عند حديثهم عن موضوع التصديق والهيمنة، لم يشغلوا أنفسهم بالحديث عن الآليات، التي وظّفها أهل الكتاب في تحريفهم وتبديلهم ما جاءهم من الكتاب، والتي جاء القرآن على ذكرها. ولقد عملنا، من خلال هذا البحث، على بيان أهمية الوعي المنهجي بموضوع التصديق والهيمنة في القرآن الكريم، وقد بينّا الخصوصيات المنهجية، التي اتصف بها الخطاب القرآني عن غيره من الكتب؛ من بينها أنّه خطاب عالمي يشمل كلّ الناس، كما أنه خطاب مفتوح على الكون والإنسان، فجلّ آيات القرآن الكريم تتحدّث عن الكون "عالم الطبيعة". وحديثه هذا يلتحم بما توصل إليه العلم في كثير من حقول العلم والمعرفة. ومن خصوصياته، كذلك، أنّه كتاب يتصف بالخاتمية؛ فالرسول الخاتم جاء بالكتاب الخاتم، فلا رسول، ولا كتاب، بعد بعثة محمد "صلى الله عليه وسلم"، إلى غير ذلك من الخصوصيات المنهجيّة، التي خص الله بها كتابه "القرآن" دون غيره من الكتب. وفي تقديرنا أنّ هذه الخصوصيات، وغيرها، هي ما جعلت منه كتاباً يتّصف بالتصديق والهيمنة على ما قبله.
قسم مولاي أحمد دراسته إلى شقّين؛ شقّ نظري في الموضوع، وهو الباب الأول، وشقٍّ تطبيقي، وهو الباب الثاني؛ إذ اتّخذ سورة البقرة نموذجاً، تطبيقياً لما بسط القول حوله في الباب الأول الذي ضم ثلاثة فصول الأول بعنوان "دراسة مفهومية لقوله تعالى {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}، أمّا الثاني، فقد جاء بعنوان "منهج التصديق والهيمنة في القرآن الكريم"، وقد تطرق من خلال المبحث الأول منه، إلى أقوال أهمّ المفسرين حول قوله تعالى {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}. كما عمل على تحليل أقوالهم وآرائهم، مع بيان مدى الأهمية التي أعطوها لهذا الموضوع. 
وجاء المبحث الثاني من هذا الفصل ليلقي الضوء على الخصوصيات المنهجية، التي اختص بها القرآن الكريم دون غيره من الكتب السماوية، وقد تطرّق إلى النقاط الآتية: الوحدة البنائية للقرآن الكريم، الرؤية الكلية القرآنية، العالمية "خطاب يشمل الناس كافة"، الكونية "القرآن مفتوح على الكون"، الإمامة والخاتمية، منهجية القرآن المعرفية، التصديق والهيمنة. فالقرآن الكريم نصّ يلتحم أوله بآخره، ففهم آياته ينبغي أن يكون من خلال وحدته البنائية، وليس من خلال تجزئ واقتطاع آية وحدها، وعزلها عمّا سبقها، وما يلحقها. كما أنّ القرآن كتاب مفتوح على الكون بأكمله، وهذا ما جعل منه كتاباً يتّصف بمنهج معرفيّ محدد يتميز بالدعوة المنهجية إلى الجمع بين القراءتين؛ قراءة الكون، وقراءة الكتاب المنزل؛ ولهذا، الجزء الكبير من أدلة وحجج التصديق به يستمدّها من الآيات المبصرة في الكون، فهو كتاب يدعو إلى التدبر في آيات الله في الخلق، فلا كتاب، ولا رسول بعد محمد  صلى الله عليه وسلم، فالرسول الخاتم جاء بالكتاب الخاتم.
وفي المبحث الثالث من هذا الفصل، فقد بين مولاي أحمد "صورة الكتب المقدسة في القرآن الكريم، فهو كتاب يَعدّ تلك الكتب وحياً من الله، ولكنه يكشف أنّ أهلها من أهل الكتاب قد بدّلوها وحرّفوها، وهو لا يقف عند هذا الحد؛ بل عمل على تصحيح وإعادة بناء ما تمّ تحريفه وتبديله، لكن جلّ المستشرقين، كما بينّا - مع الأسف - اتّهموا القرآن بكونه نقلَ ما هو موجود في الكتب السابقة عليه، في غفلةٍ عما يتّصف به القرآن عن غيره من تلك الكتب، من الخصوصيات المنهجية، وفي غفلةٍ تامة، كذلك، عن طبيعة التناقض، والتعارض، والاختلاف، الذي تتصف به نصوص الكتاب المقدّس فيما بينها، نتيجة التبديل والتحريف الذي تعرضت له.

الدراسات الإسلامية
لم يتطرّق إلى موضوع السنّة النبويّة المطهرة في علاقتها بموضوع التصديق والهيمنة

وقد جاء الفصل الثالث من الباب الأول بعنوان "القرآن وعملية الاسترجاع النقدي لما قبله"، وقد كشف مبحثه الأول عن الآليات التي وظفها أهل الكتاب في تحريفهم لكتبهم، وقد جاء القرآن على ذكرها، ومن بينها: تحريف الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وتغييب العقل في التعاطي مع ما عندهم، ونسيان وكتمان حقيقة ما عندهم من الكتاب، والكذب على الله. وخُصِّص المبحث الثاني لبسط القول حول ما هو متداول، في الفكر العربي المعاصر، حول طبيعة علاقة القرآن بالكتب السماوية. وقد توقّفنا عند وجهاتِ نظرِ ثلاثةِ مشاريع فكرية في الفكر العربي لكلّ من محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد عابد الجابري.
الباب الثاني الذي جاء بعنوان "سورة البقرة على ضوء البنائية القرآنية"؛ شكل الدراسة التطبيقية وضمّ فصلين الأول بعنوان "سورة البقرة دراسة تحليلية" تطرّق الباحث من خلاله في المبحث الأول، إلى التعريف بسورة البقرة، وأهميتها، وإلقاء الضوء على السياق التاريخي الذي واكب نزولها، وغير ذلك. أما المبحث الثاني فقد خصصه لتحديد الموضوعات الأساسية في سورة البقرة، وهي: حديث السورة عن "القوم المفلحون"، وحديثها عن "القوم الخاسرون"، ثمّ حديثها عن موضوع الاستخلاف، وأهمية هذا الموضوع في الوجود الإنساني على الأرض، وقد تطرّق كذلك، تبعاً لما هو وارد في السورة، إلى موضوع تجربة الخلافة، التي خاض فيها بنو إسرائيل. وتبعاً لتجربتهم تلك، تطرّق إلى موضوع ما عهده الله به لإبراهيم، ومن تلاه من ذريته.
أمّا الفصل الثاني المعنون "قراءة مواضيع السورة على ضوء البنائية القرآنية"، فقد خصّص الباحث مبحثه الأول للبحث في موضوع قصة الخلق، وقضية الاستخلاف؛ إذ عرض، من خلاله، ما يضمه العهد القديم من نصوص حول الموضوع، مع تحليل وبيان تلك النصوص؛ إذ اعتمد عليها وحدها، دون النظر إلى ما هو متداول في الثقافة الدينية اليهودية في فهمها وتفسيرها لتلك النصوص، إيماناً منه بأنّ القرآن، في عملية استرجاعه النقدي لما قبله من الكتاب، يتحدّث عمّا حرّف من الكتاب "التوراة"؛ أي العهد القديم. كما تطرّق إلى ما قال به جلّ المفسرين حول الموضوع، مع بيان مدى تأثّر بعضهم ببعض، وغير ذلك. 
وقال مولاي أحمد "سرنا على الخطا نفسها في المبحث الثاني المتعلق بموضوع ما عهد الله به لإبراهيم ولذريّته من بعده، بعرض النصوص الواردة في الموضوع في العهد القديم، وعرض أقوال أهم المفسرين، وبعده بيان الرؤية الكلية للموضوع، من خلال القرآن الكريم، مع بيان ما صدقه القرآن، وهيمن عليه، في عرضه للموضوع. 
أمّا المبحث الثالث فقد خصّصناه للبحث حول ما يتعلّق بطباع بني إسرائيل، كما هي واردة في سورة البقرة، بنقضهم العهد، وتقديسهم تاريخَهم، وتاريخَ آبائهم، إلى درجة إخفاء حقيقة ذلك التاريخ. وقد خصصنا المبحث الرابع لموضوع المشترك الإنساني من خلال سورة البقرة، وذلك لكون ربّ الناس رباً واحداً لا شريك له؛ وبهذا هم أمة واحدة متساوية في الخلق للرب الواحد الأحد المعبود، وقد تم - مع الأسف - إخفاء وطمس هذا المعطى من داخل نصوص العهد القديم، وهو الأمر الذي استدركه القرآن، وأكده من خلال سورة البقرة أو من خلال غيرها، فكلّ الناس يعنيهم منهج الإعمار والإصلاح في الأرض بدل الفساد فيها، وهذا لا يتأتّى إلا بالفهم السليم لموضوع الاستخلاف في الأرض.
ونبّه إلى أنه "لم نُغطِّ كلّ الموضوعات الواردة في سورة البقرة؛ بل اكتفينا بالموضوعات الأساسية في السورة فحسب؛ التي نُظّم، من خلالها، الكثيرُ من الموضوعات الفرعية والتابعة لما هو محوريّ وأساسي في السورة". ونبّه أيضا إلى أنه لم يتطرّق إلى موضوع السنّة النبويّة المطهرة في علاقتها بموضوع التصديق والهيمنة؛ فهذا أمر في حاجة إلى بحث خاصّ به وحده؛ حرصاً منا على حصر الموضوع وضبطه، لعلّنا نوفّق في ما هو قادم في دراسة موضوع التصديق والهيمنة من خلال السنة النبوية الصحيحة المطهرة.