القصة القصيرة عند نبيل عودة هل هي نوسطالجيا أم مجرد إشراقات؟

عودة يعبر عن عدم اقتناعه بما يسمى القصة القصيرة جداً، حيث يرى أن التسمية دخيلة على عالم القصة.


الكاتب الفلسطيني يتهم مجامع اللغة العربية بالقصور والانغلاق


الكثيرون من أعظم كتاب القصة والرواية لم ينه بعضهم حتى المدرسة الابتدائية

شَخَّصَ الأديب نبيل عودة واقع القصة القصيرة في الأدب العربي وموقف النقاد منها، مقدما  تجربته الإبداعية ورؤيته الخاصة للقصة القصيرة بعيدا عن كل النظريات والتنظير التي لا يراها إلا دخيلة ومتطفلة على جوهر الإبداع، وكيف واجه مشاكل الإبداع في تجربته القصصية، كانت اللغة العربية المزدوجة والمرهقة في قيودها، جعلته يقتنع بالتحرر والكتابة بحرية مطلقة، والإمسك بطرف الإبداع من المكان الصحيح، حيث يرى أن القصة هي فن لا يتجزأ، وهي ليست مجرد لغة ومعرفة التركيب القصصي، بل تتجاوز المفهوم المباشر والأولي للأدب إلى مفاهيم أعمق، ترتبط بالمشاعر الإنسانية والحياة والمجتمع والوعي والفلسفة، كما يرى أن الموهبة تولد أحيانا مع الكاتب وتتشكل في مراحل وعيه الأولى وتكتمل بناءً على ظروف تطور وعيه، وقد أطلق الأديب نبيل عودة اسم "اشراقات" على القصة القصيرة جداً.
 في دراسة نقدية نشرتها مؤسسة الفكر والثقافة بعنوان: "الأدب القصصي عبر رؤيتي وتجربتي"، وهي عبارة عن ملاحظات ثقافية، يلخص الأديب نبيل عودة القصة في مسارين أو خطابين، الأول: الخطاب التاريخي، وهو خطاب فكري أيديولوجي، والثاني: المسار أو الخطاب الفني، وهو يتعلق بقدرة الكاتب على الصياغة اللغوية الإدهاشية أي التي تخترق أحاسيس القارئ، وتدمجه عاطفياً مع الفكرة القصصية، وتثير دهشته من البداية حتى النهاية.
وقد عبر عودة عن عدم اقتناعه بكل ما يسمى القصة القصيرة جداً، حيث يرى أن تسمية قصة قصيرة جداً هي تسمية دخيلة على عالم القصة، لدرجة أن بعض النصوص الأدبية من وجهة نظره مجرد ثرثرة بلا معنى ولا فكرة ولا رؤية، ويوضح أن القصة القصيرة قد تكون ومضة حقاً، والمشكلة في المضمون لا المساحة كما أن القليل فقط من يمتلك عناصر القصة، والباقي ليس قصة وليس أدباً حتى، لأن القصة القصيرة جداً تفتقد للمبنى القصصي بحكم مساحتها، وغياب عناصر مهمة مثل الخطاب التاريخي والخطاب الفني، وبناء الحدث، وبناء سيكولوجية الحدث وأبطاله.
وكأنموذج يقدم نبيل عودة  الناقد الأميركي ادغار آلن بو، الذي يعتبر من أوائل كتاب القصة القصيرة، والفرنسي جي دي موبسان الذي لُقِّب بـ: "أبي القصة القصيرة" والروسي أنطون تشيكوف، الذي يعتبر أفضل كاتب للقصة القصيرة، ويقول إن هؤلاء يُنَظِّرُونَ بالاعتماد على مفاهيم أكاديمية، لم يثبت حتى اليوم انها أنتجت مبدعاً أو نصف مبدع، ونجد أن الكثيرين من أعظم كتاب القصة والرواية لم ينه بعضهم حتى المدرسة الابتدائية، وهذا الأمر أعاده إلى تجربته التي لم تعتمد إلا على العشق الذي اجتاحه، منذ أن قرأ أول قصة وهو في بداية دراسته الابتدائية، وكثيراً ما تساءل عن العوامل التي جعلته يستوعب الجوانب الفنية في تجربته القصصية، رغم أنه لم يستعن لها بأيّ نص مدرسي أو بحثي يتعلق بفن القصة القصيرة، وقد عبر صراحة عن تأثره بالكاتب الروسي أنطون تشيخوف، خاصة موهبته في التعبير القصصي عن عالمه ومجتمعه وإنسانه، وهذه التجربة تكاد لا توجد بمثل عمقها، من حيث أساليب كتابته أو صياغته للفكرة القصصية، وفن الحوار في قصصه، وكيف يتعامل مع اللغة في قصصه، كيف يحول اللغة نفسها إلى نص درامي، واندماج اللغة المستعملة في النص القصصي بالفكرة الدرامية، وغير ذلك من الأساليب الفنية للقصة القصيرة.

الفن القصصي هو ألدّ أعداء الفذلكة اللغوية والديباجة والإطناب، والنحت في المفردات، وجمالية القصة تتعلق بفكرتها وأسلوب تنفيذها وقدرة كاتبها على إبداع لغة درامية في السرد حتى لو حطم كل ثوابت الكتابة الإنشائية

وينتقد نبيل عودة كُتَّابِ القصة القصيرة، عندما تحدث عن حالة التسيب والسهولة التي وجدها البعض في هذا اللون من الكتابة، قد تقود إلى تعميق الأزمة الأدبية، بحيث تصير الكتابة القصصية القصيرة جداً ملعباً للكثير من الفاشلين قصصياً، لأن الكثيرين من الذين فشلوا في صياغة قصة قصيرة خاصة بالنسبة للأدب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة يبحثون عن تغطية ثقافية ليس إلا، لكن هذا لا يعني أنه ينتقص من قيمة الكتابة الإبداعية، رغم أنه لم يدخل في "نوسطالجيا" القصة القصيرة، أو أجواء الدهشة والإحساس بالحدث، وشعور التواصل، وقدم نبيل عودة مثالا حيا عن شعراء كتبوا قصائد النثر مثل محمود درويش ونزار قباني، خاصة ما كتبه الدكتور فاروق مواسي واحد من الأدباء داخل الأراضي المحتلة الذي  أصدر مجموعة "مرايا وحكايا" وهي مجموعة قصص قصيرة جدا، حيث كان معجبا بروحها الأدبي، بيد أنه يوافق على كونها تفتقد لمبنى القصة. 
يقول الكاتب الفلسطيني إن القصة الحقيقية حتى لو كانت قصيرة هي القصة التي تعيش لفترة أطول في ذهن القارئ، وتخلق انفعالات درامية تدوم في ذاكرة القارئ لفترة أكثر امتدادا،  فالأدب عنده متعة نفسية وجمالية وفلسفية وأخلاقية وتطويرية ونقدية، ورحلة في عالم الإنسان والطبيعة والجماليات، لا يمكن اختصاره إلى قصة قصيرة جداً، تكتب خلال دقيقتين.
كما ينتقد نبيل عودة مجامع اللغة العربية ويتهمهم بالقصور والإنغلاق على القديم، وعدم فهمهم لحيوية إحداث نقلة نوعية في اللغة، مما يضر بمكانة اللغة ولكن لا يمكن أن يوقف التطور، ربما يعيقون في اتجاهات معينة، ولكن من المستحيل وقف تطوير لغة القصة والرواية والمسرح والشعر والسياسة لشدة ارتباطهم بالمناخ الثقافي السائد، إن ما يحدث هو شرخ لغوي، والكثير من الصياغات التي تستعمل  اليوم في كثير من الكتابات يعتبرها حراس اللغة أخطاء يجب تصحيحها، ولكنها أضحت مستعملة ومتفق عليها وغير قابلة للتغيير، الشارع والثقافة في جانب والمجامع بعيدة قرناً كاملاً أو أكثر عن اللغة الحديثة، ويوضح أن التجديد في اللغة يتجاوز التقييد، والكثير من التعابير العامية أضحت جزءا من الفصحى، وهو أمر طبيعي في كل اللغات التي تتشابه لغتها الفصحى مع لغتها المحكية، فلا ثقافة ولا إبداع في عالم الأوهام والعقائد الجامدة والتخيلات المريضة الوهمية، والكاتب المبدع يحتاج أولا إلى وعي معرفي اجتماعي واسع وفي جذوره الفلسفة، التي تغذي العقل بقدرات لا نهائية من المعرفة والقدرة على فهم حقائق الحياة، والقدرة على الاستفادة من التجارب الذاتية والعامة، والفن القصصي هو ألدّ أعداء الفذلكة اللغوية والديباجة والإطناب، والنحت في المفردات، وجمالية القصة تتعلق بفكرتها وأسلوب تنفيذها وقدرة كاتبها على إبداع لغة درامية في السرد حتى لو حطم كل ثوابت الكتابة الإنشائية.
الأديب نبيل عودة من مواليد مدينة الناصرة  1947  درس الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو، وهو قاص وناقد وروائي، كما أنه كاتب مقالات سياسية، تفرغ للعمل الصحفي والأدبي منذ مطلع العام  2000 حيث عمل نائبا لرئيس تحرير صحيفة "الأهالي" المعروفة بمواقفها الفكرية والسياسية والأدبية ونقدها الاجتماعي الحاد مما أثار ضدها غضب أوساط سياسية واسعة ومن كل التيارات. حرر بالمشاركة مع سالم جبران مجلة "المستقبل" الفكرية الثقافية، ثم جريدة المساء اليومية. 
له مجموعات قصصية وروايات وكتابان إلكترونيان هما "نبيل عودة يروي قصص الديوك" ومجموعة قصصية بعنوان "انتفاضة". وأصدر عام 2017 كتاب "الفلسفة المبسطة وقصص تعبيرية ساخرة" بطبعتين، طبعة محلية هي الجزء الأول من الكتاب، وطبعة أمريكية-المانية اصدرتها دار نور للنشر ومقرها نيويورك وتشمل الجزئين. كانت كتاباته موضع اهتمام النقاد، خاصة الناقد السوري محمد توفيق الصواف، وهي دراسة مهمة عن بعض قصصه منشورة في كتاب "الانتفاضة في أدب الوطن المحتل" عن أدب الانتفاضة في موقع القصة السورية وفي موقع اتحاد الكتاب العرب ضمن زاوية كتب الدراسات وفي مواقع أخرى عديدة.