'القوات اللبنانية' يُحمّل نصرالله المسؤولية عن أحداث بيروت

حزب القوات اللبنانية ينفي أي صلة له بإطلاق النار في الطيونة، مذكّرا بخطابات الشحن الأخيرة من قبل الأمين العام لحزب الله، فيما تعهد الرئيس اللبناني بمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف الدموي والمحرضين عليها.


لماذا سمح حزب الله لأنصاره بالتظاهر في منطقة يعلم جيدا أنها شديدة الحساسية؟


حزب الله يُعيد لبنان إلى مربع العنف الطائفي


الجيش اللبناني يعتقل 9 مسلحين بينهم سوري على صلة بإطلاق النار في الطيونة


حزب الله يدفع لعزل المحقق في انفجار بيروت بأي ثمن   

بيروت/الكويت - حمل حزب القوات اللبنانية الذي يتزعمه سمير جعجع، جماعة حزب الله الشيعية وأمينها العام حسن نصرالله المسؤولية عن أحداث الطيونة، معتبرا أنها نتيجة لعملية الشحن الذي بدأه نصرالله منذ أربعة أشهر ضد المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، نافيا في الوقت ذاته أي صلة لمسلحيه بما حدث وذلك في أول ردّ على بيان مشترك للثنائي الشيعي (حزب الله وأمل) الذي اتهم قناصة من"القوات" باستهداف المحتجين من أنصارهما.

وقُتل في إطلاق النار 6 أشخاص وأصيب عدد آخر في منطقة معروفة تاريخيا بأنها شديدة الحساسية طائفيا وواحدة من محطات الحرب الأهلية (1975-1990).

وقال حزب القوات اللبنانية إنه يندد بشدة بأحداث العنف في بيروت، مؤكدا أن "ما حصل اليوم من أحداث مؤسفة على الأرض، وهي موضع استنكار شديد من قبلنا، ما هي سوى نتيجة عملية للشحن الذي بدأه السيد حسن نصرالله منذ أربعة أشهر بالتحريض في خطاباته كلّها على المحقّق العدلي" في انفجار مرفأ بيروت.

وتقود جماعة حزب الله الدعوات المطالبة بعزل قاضي التحقيقات طارق بيطار، متهمة إياه بالتحيز.

ومارس حزب الله ضغوطا شديدة على البيطار لعزله أو دفعه للاستقالة، لكن الأخير استمر في مهامه وتمسك بالتحقيق مع شخصيات نافذة بينها وزراء سابقون مقربون من الجماعة الشيعية المدعومة من إيران.

وكان يمكن للقوى التي تعترض أو تطعن في نزاهة القاضي طارق البيطار أن تلجأ للقضاء بدلا من التصعيد في الشارع وهو الطريق الذي اختاره حزب الله وحليفته حركة أمل مع علمهما بحساسية الظرف وبحساسية منطقة التظاهر.

ودفع حزب الله بالعششرات من مقاتليه لشوارع الطيونة مدجججين بأسلحة رشاشة وصواريخ الكاتيوشة في مشهد يعيد للأذهان مشاهد الحرب الأهلية، ففي هذه المنطقة تحديدا اندلعت شرارة الحرب الأهلية (1975-1990) ومنها يمر طريق رئيسي يفصل بين أحياء ذات غالبية مسيحية وأخرى ذات غالبية شيعية، تحول إلى خط تماس خلال سنوات الحرب.

وقال الرئيس اللبناني ميشال عون في كلمة متلفزة إن أحداث العنف في بيروت اليوم الخميس "غير مقبولة"، متعهدا بمحاسبة المسؤولين عنها والمحرضين، مضيفا "لن نسمح لأحد أن يأخذ لبنان رهينة لمصالحه الخاصة... ولن نسمح بأن يتكرر ما حدث اليوم تحت أي ظرف"، مضيفا أن إطلاق النار الذي أوقع ما لا يقل عن ستة قتلى وعشرات المصابين سيكون موضع متابعة أمنية وقضائية.

وقال رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري إن أعمال العنف التي شهدتها بيروت اليوم الخميس أعادت إلى الأذهان الحرب الأهلية، مضيفا "ندعو الجيش والشرطة إلى اتخاذ أقصى الإجراءات والتدابير لمنع كل أشكال إطلاق النار والقبض على المسلحين وحماية المدنيين".

وذكر الجيش اللبناني أنه ألقى القبض حتى الآن على تسعة مسلحين بينهم سوري، معلنا كذلك أن قيادته "أجرت اتصالات مع المعنيين من الجانبين لاحتواء الوضع ومنع الانزلاق نحو الفتنة وتجدد القيادة تأكيدها عدم التهاون مع أي مسلح، فيما تستمر وحدات الجيش بالانتشار في المنطقة لمنع تجدد الاشتباكات".

وفي مؤشر على خطورة الوضع وتحسبا لتصعيد محتمل، قالت وزارة الخارجية الكويتية في بيان اليوم الخميس إن السفارة الكويتية في لبنان تدعو مواطنيها هناك إلى المغادرة وتحث الراغبين في السفر على التريث.

وأضافت أن السفارة "تدعو المواطنين الكويتيين المتواجدين في الجمهورية اللبنانية التزام الحيطة والحذر والابتعاد عن مواقع التجمعات والاضطرابات الأمنية في بعض المناطق والتزام مقار السكن."

كما قال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة إن الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش دعا كل المعنيين في لبنان لوقف أعمال العنف على الفور والكف عن الأعمال الاستفزازية والخطابات التحريضية، مضيفا أن غوتيريش أكد مجددا ضرورة إجراء تحقيق مستفيض ومستقل وشفاف في الانفجار الذي وقع عام 2020 في مرفأ بيروت.

كما دعا رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر الذي تصدرت كتلته نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة، اللبنانيين إلى ضبط النفس.

اشتباكات عند خط تماس قديم

طلقات نارية تخترق واجهات الأبنية، قناصة يطلقون الرصاص عشوائيا، قتلى وجرحى يسقطون تباعا وسكان محاصرون داخل منازلهم.. عينة من مشاهد هزت اللبنانيين عند إحدى خطوط التماس القديمة الخميس معيدة للأذهان ذكريات الحرب الأهلية الأليمة.

وصباح الخميس، وبالتزامن مع تظاهرة لمناصري حزب الله وحركة أمل أمام قصر العدل في بيروت، اندلعت اشتباكات عنيفة لم تتضح ملابساتها حتى الآن عند منطقة الطيونة القريبة، أودت بحياة ستة أشخاص وأصابت 30 آخرين بجروح.

عند مستديرة الطيونة التي تحيط بها أبنية عدّة ما زال بعضها مهجورا منذ سنوات الحرب، وجد السكان أنفسهم رهائن رصاص أطلقه قناصة ومسلحون ودوي قذائف صاروخية. ووجه كثر نداءات استغاثة عبر وسائل الإعلام لمساعدتهم على إخلاء منازلهم. وهرع الأهالي إلى مدارس أطفالهم في المنطقة.

وبدت المنطقة أشبه بساحة حرب، رغم تواجد وحدات الجيش وتنفيذها انتشارا سريعا في المنطقة.

وأنعشت المشاهد ذكريات الحرب الأهلية لدى سحر (41 عاما) التي قالت "منذ الصباح، أتلقى رسائل من أصدقائي ممن عايشوا معي زمن الحرب نتحسر فيها على جيل جديد يعيش اليوم تجربتنا ذاتها.. من الاختباء في أروقة المدرسة أو زوايا الغرف أو في الحمامات، كانت مشاهد أسبوعية اعتدنا عليها".

وتابعت "ما جرى مرعب وأيقظ الماضي والحاضر والمستقبل.. كأننا عالقون في آلة زمن، إذ أن الأشخاص ذاتهم هم وجوه الحرب والسلم، حكامنا اليوم ومن يطبخ مستقبلنا غداً".

وانتهت سنوات الحرب في البلاد بعد توقيع اتفاق الطائف في العام 1989، وجولة عنف أخيرة انتهت في 1990. وخلّفت الحرب اللبنانية أكثر من 150 ألف قتيل و17 ألف مفقود.

وتقاسمت القوى السياسية التي خاضتها، السلطة بعد الحرب وفشلت في بناء دولة مؤسسات وقانون وتتحمل اليوم مسؤولية الانهيار الاقتصادي المستمر في البلاد منذ أكثر من عامين، وبات معه نحو 80 بالمئة من السكان تحت خط الفقر.

وفي شوارع مؤدية إلى مستديرة الطيونة، ظهر مسلحون، بعضهم مقنع، من حركة أمل وحزب الله يطلقون النيران باتجاه أبنية يتواجد فيها قناصة.

وفيما لم يكن الطرف الآخر واضحا للعيان، وضع بعض مسلحي حزب الله وحركة أمل شارات تؤكد انتماءهم، فيما ارتدى الغالبية لباسا مدنيا.

واتهم الحزبان الشيعيان "مجموعات من حزب القوات اللبنانية"، أبرز الأحزاب المسيحية التي شاركت في الحرب الأهلية وتعد اليوم معارضا شرسا لحزب الله، بـ"الاعتداء المسلح" على مناصريهما.

ولم تتمالك مريم ضاهر (44 عاما) دموعها عندما سمعت أصوات الرصاص وشاهدت على التلفاز رجلا وامرأة يختبئان خلف سيارة في الطيونة.

وتقول ظاهر وهي أم لصبيين، "تذكرت كل شيء.. في اللحظة نفسها وصلتني رسالة من مدرسة ابني تطلب من الأهالي أن يأتوا لاصطحاب أطفالهم"، مضيفة "سألت نفسي في أي رواق يجلس سكان أبنية الطيونة اليوم، ثم استرسلت بالبكاء وتذكرت نفسي طفلة مختبئة في رواق المنزل".

وأعاد إطلاق الرصاص صور مسلحين إلى ذاكرة مريم، اعتادوا الصعود إلى سطح البناء حيث كانت تسكن مع أهلها، ليبدأ القنص "وتشتعل المنطقة".

وطبع رصاص القنص مرحلة الحرب الأهلية، التي أنهكت جيلا كاملا من اللبنانيين، خصوصا سكان خطوط التماس والمناطق الساخنة.

وتسأل مريم نفسها سؤالا واحدا اليوم "كيف استطاع زعماء الحرب أن يسيطروا على جيل آخر اليوم؟، مضيفة "فكرة اندلاع حرب جديدة مرعبة، لا أستطيع أن أعيش التجربة نفسها مجددا. أريد المغادرة وحماية ولديّ".

وفي وقت اختبأ الناس في بيوتهم وشهدت شوارع بيروت ومداخلها حركة سير خفيفة، توالى مسؤولون على التحذير من "الفتنة".

وخلافا للحرب الأهلية التي بدأت بين أحزاب مسيحية وفصائل فلسطينية ساندتها قوى إسلامية ويسارية لبنانية، وما لبثت أن شاركت فيها قوى إقليمية أبرزها سوريا وإسرائيل، فإن اشتباكات الخميس تزامنت مع توتر إزاء الموقف من المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق بيطار.

وتعرض الأخير خلال الأيام الأخيرة لحملة ضغوط قادها حزب الله، القوة السياسية والعسكرية الأبرز في البلاد، اعتراضا على استدعائه وزراء سابقين وأمنيين لاستجوابهم في إطار التحقيقات التي يتولاها، تخللها مطالبات بتنحيته.