الكرة في ملعب الفلسطينيين

يمكن تحويل ما يعتبره الفلسطينيون محنة ثانية للتطبيع إلى منحة تعيدهم إلى الواجهة.


من الضروري استثمار نصف أو ربع الفرصة التي تلوح في الأفق حاليا


لا بد من جعل القضية الفلسطينية رقما رئيسيا في المنطقة لا تغيب عنها الأضواء


غالبية دول المنطقة على رؤوسها "بطحات" سياسية وأمنية تحتاج الى تسويات وتنازلات

يمثل استئناف الحوار الفلسطيني في القاهرة، الاثنين المقبل، فرصة ثمينة للحركات والقوى المختلفة للتأكيد على التفافها حول أجندة وطنية واحدة، واستعدادها للتعامل مع المعطيات الإقليمية والدولية بنظرة عملية، كي تستعيد القضية الفلسطينية مكانتها التي تراجعت السنوات الماضية، بسبب الخلافات والانقسامات والمناوشات.

ظهرت مؤشرات على أن الأوضاع تعود تدريجيا إلى الفناء الفلسطيني، وأن الإدارة الأميركية الجديدة، وجهات دولية متعددة، معنية بضبط ايقاعها سياسيا، بما يعيد إليها البريق الذي فقدت جزءا كبيرا منه على وقع صراعات ونزاعات كثيفة في المنطقة.

لم يفلح كل ذلك في التشويش عليها تماما، ومن المتوقع أن تعود كقضية مركزية، على الرغم من التطورات العاصفة التي هبت على ملف التطبيع بين إسرائيل ودول عربية، حيث لا يزال سقفه مرتبطا بما يتحقق من تقدم في هذه القضية.

بصرف النظر عن قبول أو رفض الطبعة الجديدة من التطبيع، هناك دوائر مصممة على الوصول لمدى بعيد، حيث جرى رهن الملف بتحقيق مصالح لدول قررت الانغماس فيه، بعد أن أغرتها منافعه الآنية.

قد يدغدغ هذا المدخل دولا أخرى تريد تصفية بعض القضايا العالقة، فتزامن التطبيع مع المكاسب بات أداة جذابة، خاصة أن غالبية دول المنطقة على رؤوسها بطحات سياسية وأمنية، يحتاج علاجها إلى تسويات وتنازلات مناسبة.

من حسن حظ الفلسطينيين أن البعض من هذه الدول لا زالوا معنيين بقضيتهم، ويعترفون بوجود ضغوط أخلاقية تمنعهم من التمادي في التطبيع وقضيتهم الأم معلقة وحائرة، أو أنهم تسببوا في تصفيتها، ما يدفعهم للحرص على إيجاد حل مقبول لها، والعمل على تشجيع مفاوضات السلام.

بالتالي يمكن تحويل ما يعتبره الفلسطينيون محنة ثانية للتطبيع إلى منحة تعيدهم إلى الواجهة، واختبارا لمدى جدية الدول التي قبلت به في دعم القضية الفلسطينية، ووضعهم وإسرائيل والولايات المتحدة وكل من دعموا هذا المسار في زاوية ضيقة.

تعكس استضافة مصر لجلسات الحوار الفلسطيني طبيعة دورها الرائد في لم شمل القوى المختلفة، فقد بذلت جهدا مضنيا السنوات الماضية، وحاولت جهات أخرى تعطيله أو قطف ثماره.

غير أن معادلات الجغرافيا السياسية والمكانة التاريخية وانحيازات غالبية الفلسطينيين لم تقبل بديلا عن مصر. فيمكن أن تمر بعض الحركات مؤقتا على عواصم وتتلمس النصحية والدعم والتأييد والملاذ، لكن عند اتخاذ القرار المصيري تعود إلى القاهرة.

يبدو شكل هذه العودة مختلفا عن جولات سابقة، فلن تقبل هروبا أو مرواغات، ولن تتحمل فشلا أو توقيع اتفاق يجف حبره قبل أن تغادر الفصائل القاهرة، حيث أهدرت الكثير من الفرص، وضاعت تفاهمات وطنية في زحمة البحث عن مكاسب حركية وشخصية.

ومن الضروري استثمار نصف أو ربع الفرصة التي تلوح في الأفق حاليا، والقبض على تمسك الإدارة الأميركية برئاسة جو بايدن بحل الدولتين، وما واجهه الفلسطينيون في عهد سلفه دونالد ترامب يجعلهم يستفيدون من الأخطاء السالفة في كيفية إدارة العملية التفاوضية بحكمة ورشادة.

تأتي نقطة البدء بالعمل على تجديد الشرعيات السياسية من خلال الالتزام بمرسوم الانتخابات الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس مؤخرا، وحدد مصفوفة زمنية دقيقة لانتخابات، المجلس التشريعي، والرئاسية، واختيار أعضاء المجلس الوطني، من الصعوبة تنفيذها على الأرض بدون التوافق حول مجموعة من الضوابط، فلا تزال هناك خطوات جادة مطلوب اتخاذها ليتسنى تطبيق الإجراءات.

هذه واحدة من المهام الرئيسية لحوارات القاهرة الحاسمة، لأن العالم ينتظر رؤية نموذج فلسطيني حضاري يتناسب مع عظم التحديات الراهنة، ويحتاج الوصول لذلك قدرا وفيرا من التواضع من جانب فتح وحماس والحركات الأخرى المشاغبة.

وعدم القفز على الواقع بحيل سياسية ربما تؤدي لشرعنة ضمنية للانقسام الحالي، وتواصل حركة فتح سيطرتها على الضفة الغربية، وتستمر حركة حماس في هيمنتها على قطاع غزة.

فات أوان هذه القسمة الظالمة للشعب الفلسطيني وثوابته، وتكرارها سوف يفوت فرصة قد تكون أخيرة لإعادة إحياء قضيته، فالعالم سيتابع عن كثب تطورات الحوارات والانتخابات، وما يتمخض عنهما من نتائج هو بوصلة ترسم شكل التوازنات خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يفرض على القوى التي ستدخل في لقاءات القاهرة التحلي بقدر كبير من الانفتاح والانضباط الوطني.

من معالم ذلك، الحضور بعقول وقلوب حريصة على التفاهم البناء، وراغبة في التوصل إلى قواسم مشتركة عاجلة، ومراعاة عنصر الوقت وما يمثله ضياعه من خسائر فادحة.

ففي الجولات السابقة كانت هناك إمكانية للأخذ والرد، وإطالة أمد الجلسات، والذهاب والعودة، وغيرها من المفردات التي عرفها القاموس الفلسطيني ومتابعوه على مدار سنوات، جعلت الحديث عن مفاوضات بين فصائل في القاهرة أو غيرها، يكفي لتتحسس كل حركة مسدسها لرفعه في وجه الأخرى كدليل على أن الحوار يمضي في طريق مليء بالطرشان.

تجاوزت فئة كبيرة من الفلسطينيين هذا الزمن ومراراته، ومن يصرون على استعادته يرتكبون جريمة كبيرة في حق وطنهم المسلوب الذي يتوسع فيه الاستيطان كل يوم، أو هكذا يتخيل أمثالي ممن راقبوا القضية الفلسطينية على مدى سنوات.

وما لم يتحل الجميع بالمسؤولية السياسية والأخلاقية سيرتكبون جريمة في حق بقايا وطن كان يمكن أن يصبح كاملا لو قدمته القوى الحركية الحية على حساباتها السياسية.

عادت الكرة إلى ملعب الفلسطينيين أولا، ولم تذهب بعيدا بالطبع عن الملعب الإسرائيلي الذي أدمن تقاذفها من لاعب لآخر، في ظل وجود وسطاء أميركيين غير محايدين، وجمهور عربي ودولي، كان في معظمه لا يملك حولا أو قوة.

وتعزز هذا الضعف مع كل علامة انقسام ظهرت بين الفلسطينيين، وأدى الفصل بين الضفة وغزة إلى نكبة أخرى أضيفت إلى النكبة الأولى، يستلزم تصحيحها العودة إلى طاولة الحوار البناء، والتمسك بمجموعة من القيم والثوابت التي تجعل القضية الفلسطينية رقما رئيسيا في المنطقة، لا تغيب عنها الأضواء مهما تكاثرت الأزمات.