اللويش يلخّص حالة الشعر بين إبداعات الجزيرة العربية

محمد بن لافي اللويش يؤكد أن الشعر العربي لا يزال محتفظا بالدور الحضاري عند العرب في العصر الحديث.


التطور الفني لبنية القصيدة العربية القديمة ارتبط بفنون إبداعية أخرى كالموسيقى والغناء


قصيدة النثر دليل على تفاعل الشعر مع النثر وتوظيف للغة النثر المتحررة من الوزن


الشعر لم يتخل عن سمته الأزلية وهي التكثيف اللغوي من خلال صور بيانية توحي لمستويات متعددة من الدلالات اللغوية

يحاول الباحث الدكتور محمد بن لافي اللويش أن يستقصي أثر السرد والدراما، والفنون التشكيلية على بنية الشعر العربي المعاصر في الجزيرة العربية، وأثر ذلك على اللغة الشعرية، وهو يرى أن تغير حالة الشعر يعود لتغير الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وليس لطبيعة الشعر ذاته، ويؤكد أن الشعر العربي لا يزال محتفظا بالدور الحضاري عند العرب في العصر الحديث، لكنه من ناحية أخرى يرى أن الشعر كان ديوان العرب، وافتقد هذه الوظيفة عندما ظهرت فنون إبداعية أخرى حلت محل الشعر لتسجل ما يحدث في المجتمع العربي.
وأكد في بحثه المنشور في التقرير الأول لحالة الشعر العربي 2019 الصادر عن أكاديمية الشعر العربي بجامعة الطائف السعودية، أن التطور الفني لبنية القصيدة العربية القديمة ارتبط بفنون إبداعية أخرى كالموسيقى والغناء. ويرى أن قصيدة النثر دليل على تفاعل الشعر مع النثر وتوظيف للغة النثر المتحررة من الوزن، ولكن الشعر لم يتخل عن سمته الأزلية وهي التكثيف اللغوي من خلال صور بيانية توحي لمستويات متعددة من الدلالات اللغوية.
وعن الخطاب الشعري في الجزيرة العربية المتضمن تقنيات السرد، قال اللويش إنه لا يمكن النظر إليه بوصفه خطابا سرديا خالصا، وإنما خطاب يحفظ خصائصه الشعرية حاملا رؤيته الشعرية، فتوظيف السرد في اللغة العربية في الشعر العربي المعاصر في الجزيرة العربية جعل من الشعر يتخفف من الغنائية ويتجه نحو التعبير الحر الذي يتوافق مع مقتضيات العصر الحديث، مؤكدا أن توظيف السرد في اللغة الشعرية لا يعني أن الشعر العربي فقد مكانته، وإنما يدل على حيوية الشعر العربي وتفاعله بين الفنون الإبداعية لا سيما السرد.
ويوضح أن في الشعر العري المعاصر في الجزيرة العربية نجد الشعراء استحضروا عنصر الشخصية السائد في الروايات، ويظهر من خلال قصائد تتحدث عن شخصيات، وعن آلامها، وعن حواراتها الفكرية والفلسفية، وعن ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، واقتضى الأمر الخروج عن التقاليد الشعرية التي تقتضي الغنائية والعاطفة الجياشة المباشرة التي سيطرت على الشعر لفترة زمنية بدأت تختفي من عدة قرون، إلا لأنه خفت نجم الشعر العربي في منطقة الخليج عندما ركز بعض النقاد على السرد بمعزل عن الشعر.
وعن توظيف الدراما في الشعر يوضح الباحث أن شعراء الخليج العربي لم يكونوا بحاجة لتوظيف بعض تقنيات الدراما، كالقناع مثلا لأن الظروف السياسية والاقتصادية للدول الخليجية مختلفة عن بعض الدول العربية.

The case of Arabic poetry
الشعر يتخفَّف من الغنائية

أما عن العلاقة الإبداعية التي تعتمد على عدد الإصدارات الشعرية، ومقارنتها بالأعمال الدرامية، فيوضح الباحث أن الدواوين الشعرية في منطقة الخليج العربي تفوق عدد الأعمال الدرامية، والسبب يعود – كما يرى – إلى قلة تكلفة طباعة ديوان مقارنة بتكلفة تصوير عمل درامي يقتضي الكثير من المال والجهد.
وعن العلاقة بين الشعر والفنون التشكيلية، ويضح اللويش أن شعراء الجزيرة العربية وظفوا بعض تقنيات الفنون التشكيلية في شعرهم، ليعيدوا العلاقة التي ناقشها البلاغيون العرب الذين يعتقدون أن المحاكاة هي القاسم المشترك بين الشعر والرسم. لكن لا يمكن الحكم على تلك العلاقة من غير تقييد، لأن الشعر والفنون التشكيلية لا يمكن أن يجمعها مادة أصلية واحدة، فكل منهما ينطلق من مادته التي لا تمت للآخر بصلة.
ويؤكد الباحث أن تأثر بعض شعراء الجزيرة العربية ببعض المدارس الفنية كالتكعيبية والسريالية والتجريدية فلسفيا يوحي للعلاقة بين الشعر والفنون التشكيلية، ولكن هذا التأثير لا يتجاوز المستوى الفكري الفلسفي.
ومن مظاهر العلاقة بين الشعر العربي في الجزيرة العربية والفنون التشكيلية ما نجده في بعض الدواوين الشعرية التي تحتوي على بعض الرسومات أو الصور الفوتوغرافية، مع بعض القصائد، مما يوحي للقارئ أن القصيدة شرح للوحة التشكيلية أو الصورة الفوتوغرافية، ويؤكد اللويش أن هذا النوع من العلاقة يمكن اعتباره سائدا عند أغلب شعراء الجزيرة العربية المعاصرين، دون أن يقدم لنا شواهد على ذلك من خلال ذكر أمثلة تطبيقية لدواوين أو لأسماء شعراء.
وفي خاتمة البحث يعتقد الباحث اللويش أن الحديث عن تقدم فن على آخر، حديث نسبي لا يستند على أسس علمية، وإنما على انطباعات ذاتية تأثرت بما يكتب في الصحف بأقلام أشخاص غير مؤهلين بالحكم على الشعر ودوره الحضاري العظيم. ويوضح أن العلاقة بين الفنون الإبداعية ظاهرة أزلية، ولكن تداخل الأجناس الأدبية مصطلح نقدي معاصر، يمكن رصده من خلال التناص والتعالق والتداخل الفني، وهو تداخل ينطلق من القدرة التخيلية للشعر العربي على احتواء التقنيات الإبداعية في الفنون الأخرى لينتج بنية قصيدة ولغة شعرية تتناغم مع معطيات العصر الحديث. وقد منح هذا التداخل وتأثير الفنون الإبداعية الأخرى بالشعر العربي المعاصر في الجزيرة الاستمرارية في دوره الحضاري والتعبير عن الرؤى الفلسفية والفكرية والنفسية والاجتماعية للعرب في الوقت المعاصر.