المؤتلف والمختلف بين الدولتين الدينية والمدنية

حالة من الجدال المستدام: كل تيار بدلاً من أن يبين مناقب نظرته الاستشرافية لهذا الوطن الذي يستحق كل جهد، راح يخيف الطرف الآخر ويتهمه إما بالرجعية أو الفجور.


معظم المنظرين العرب لا يزال يسعى لاقتناص لحظة مقاربة بين الديني والسياسي


فهم الدين والقرآن بوصفه المصدر الأساسي والأول للإسلام لن يتم إلا في ضوء السيرة النبوية


الذين خرجوا على الحاكم في 25 يناير مسلمون، على خلاف الذين عزلوا الحاكم في 30 يونيو!

ثمة اختلاف في جهة السير بين فريقي المدني والديني كهوية لهذا الوطن العربي الكبير الذي بدا متكشفاً أكثر من عادته بعد انتفاضات الربيع العربي، تحديداً في مصر وتونس، في مصر منذ الجلسة الإجرائية التي تمت ببرلمان الوطن في جلسته التاريخية عقب الإطاحة بنظام مبارك، وهذا الاختلاف يتجسد من خلال محورين أساسيين؛ محور المصطلح، ومحور الاستخدام والتطبيق، فلكل فريق من أنصار المدني والديني خارطة طريق تحدد وجهته وخطابه، ونكاد نجزم بأنهما يريدان بمصر أمورا شتى وإن تباينت الرؤى والطروحات المقدمة. 
ولقد غفل عن الفريقين مقولة إمامنا المرادي أحد أقطاب التصوف الرشيد البعيد عن مظاهر الدروشة والدجل والمظاهر البدعية التي خالطت الإسلام القويم، حينما يقول "اجعل أكثر أحوالك في اليقظة صمتاً، وأكثر صمتك في الأمور عبرة، فإن في كثرة صمتك راحة لقلبك". ومفاد هذه المقولة البليغة أن كلا الفريقين لم يُرد وقتها أن يستشرف المشهد السياسي بمنأى عن الفصيل الآخر المرابط بالشاطئ الآخر.
لذا لقد رأينا كل فصيل (الديني/المدني) يرى في الفصيل الآخر لغطاً وريبة، وأصبح كل فريق منهما يدشن للتيار المغاير له أيديولوجياً وتنظيرياً حملات تكاد تكون مسعورة رغم أنهما يستظلان بمرجعية واحدة مطلقة ألا وهي المرجعية الدينية الإسلامية غير المتطرفة أو الراديكالية التي تم تصديرها للمشهد العربي من إيران. إلا أن الفصيل الديني يؤكد على مرجعية الحاكمية الإسلامية لكل شئون الحياة ومختلف مناحيها، بينما يظن الفصيل المدني على أن المرجعية الدينية منوطة فقط بضبط القواعد الاجتماعية والأعراف المجتمعية دون إقحامها بصورة مباشرة في الشأن السياسي. 
ووسط حالة الهلع من أقطاب التيار المدني أو إن شئنا الفصيل الليبرالي من التصاعد المفاجئ للتيارات الدينية التي سرعان ما عبرت عن توجهها السياسي، نجد الفصيل الديني يكيل عظيم الاتهامات لليبرالية والمدنية ويجعلها قاصرة على الحرية المطلقة للفرد ويوجه لصدرها سهماً مباغتاً لأنها تقف حجر عثرة أمام حركة الإصلاح الديني التي تشهدها البلاد منذ ثورة يناير المجيدة. 
 الأمر خلق حالة من الجدال المستدام في أن كل تيار مناوئ للآخر بدلاً من أن يبين مناقب نظرته الاستشرافية لهذا الوطن الذي يستحق كل جهد، راح يخيف الطرف الآخر، ليس هذا فقط بل قدم صورة لدولته الافتراضية ـ لأن الدستور لم يعد حتى لحظتنا الراهنة ـ  على أنها إما تشدد مطلق وحاكمية مستبدة ورجعية ترفض التنوير، أو تحرر دائم دونما قيود أو سلطان بشري ينتهي بنا إلى التعهر والفجور. وكلا الفريقين يلعب على البعد الاقتصادي ودوره في النهوض بهذا الوطن دون أن نستبين النظام الاقتصادي في ظل أي من الدولتين الافتراضيتين.
وهذه هي نقطة المفارقة بين الطرفين، فأنصار الدولة الدينية لا يسعون لتقديم أنفسهم على أنهم مدنيون بالفطرة، إلا أنهم يستندون إلى مرجعية دينية ثابتة قوامها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي لا عوج فيها ولا عوض عنها لأنهما باختصار شديدين دستور يجمع بين الأصالة والمعاصرة ويقيم علاقة متوازنة بين الزماني والتاريخي، ولا يستطيع أن ينكر جاحد القدرة الخلاقة للقرآن الكريم وللسنة النبوية في إدارة شئون البلاد والعباد، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في من يطبقها وكيف يطبقها دون إخلال بالنهج الإسلامي القويم.
وأنصار الدولة المدنية هم أيضاً لا يقيمون وزناً لقاعدة مهمة مفادها أن المدنية لا تعني الخروج بالحرية من باب الالتزام تجاه الآخر إلى طريق لا سلطان عليه، بل إن المدنية فكرة قديمة جداً أسسها وكرس لها نبينا المصطفي (صلى الله عليه وسلم)، والمستقرئ لدولة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في المدينة يدرك المقاربة الرشيقة بين حياة المرء الشخصية وبين القواعد الثابتة الراسخة والتي تجعله يمارس حياته وحرياته بصورة تتواءم مع مجتمعه دون خلل أو عصيان أو خروج عن مقتضيات الحياة الاجتماعية.
لكن معظم أنصار الدولة المدنية يتغافلون قصداً عن أن الليبرالية التي تغلف الدولة المدنية تبلورت في ظل ارتباط وثيق بتطور النظام الرأسمالي لتبرير حقوق الطبقة البرجوازية الصاعدة إزاء النظام القديم، واعتمدت في ذلك على عدد من النظريات مثل الحريات الطبيعية ومبدأ المنفعة والعقد الاجتماعي أي أن الحقوق الليبرالية أو المدنية الحديثة ارتبطت في بدايتها بالطبقات العليا في مجتمعاتها الأوروبية الغربية.
 وكانت مشكلة المفكرين الديموقراطيين الليبراليين في القرن التاسع عشر هي كيفية التوفيق بين التقاليد الليبرالية للقرنين السابع والثامن عشر من ناحية، وازياد المطالب الشعبية بالمساواة من ناحية أخرى، إذا فالمشكلة هي عندنا فقط وهي محاولات الليبراليين المكثفة في التلويح بفكرة الحاكمية الدينية التي لم تكن موجودة بالأساس في النظرية الأوروبية الأم. فالغريب منهم إدخال ملمح جديد في نظرية اقتصادية قائمة على التنازع الطبقي وهو الدين الذي من المفترض أنه ملمح رئيس وموجود بالفعل في هذا الوطن الذي تحكمه الشريعة الإسلامية منذ قرون. 
والمستقرئ لتاريخ التجربة الإسلامية في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستطيع بيسر أن يدرك وجود كيان مدني حقيقي دون فلسفة نظرية عقيمة للمجتمع الإسلامي تحت مرجعية دينية إسلامية حفظت لهذا المجتمع قوامه وحافظت على أسسه، واستمر الخلفاء الراشدون في الحفاظ على هذا النهج القويم والذي ارتقى بالمجتمع الإسلامي. 
ورغم أن فكرة المقاربة بين الديني والمدني لا تزال حائرة بين قطبي الجدال السياسي هذه الأيام، إلا أن لها مهاداً تاريخياً ضارباً في القدم، ورغم ذلك لا يزال يسعى معظم المنظرين العرب لاقتناص لحظة مقاربة بين الديني والسياسي، والحق أن هذه اللحظة قد تحققت منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة تقريباً، حينما مكث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة، واستطاع أن يؤسس دولة في صورتها الأولية، هذه الدولة البسيطة في أنظمتها ومؤسساتها هي التى سمحت ولأول مرة في تاريخنا العربي للتعايش بين الديني والسياسي. 
ولكن المشكلة الحقيقية في الخلاف بين مصطلحي الديني والمدني هي طريقة التطبيق، والفهم الصحيح للدين الإسلامي الرشيد الذي لا يعرف الإفراط أو التفريط، ولا يعرف عبر عصوره الرشيدة صيحات الغلو والتكفير، بل إنني لا أغالي أو أبالغ حينما أقرر أن الإسلام هو أول دين سماوي يؤكد على فكرة التنوير والأخذ بعوامل النهضة الحقيقية وهي نفس الأفكار والآراء التي يرددها المدنيون متغافلين هذا النسق الإسلامي الذي يبحث عن عقل واعٍ وذهنٍ صافٍ لتطبيقه، وهذا يجعلنا بصدد جعل مسألة الاجتهاد والتجديد والتصويب للخطاب الديني، وأن هذا التجديد لن يتم إلا في ضوء معايير محددة وثوابت أصيلة وأيضا أهداف ومجالات متعددة. وهذا الدفع الإيجابي يأخذنا إلى الحديث عن الطرح الفكري الأصيل والمتجدد لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب في كلمته التاريخية في الاحتفاء بذكرى مولد الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وتحذيره من فكرة استبعاد السنة النبوية، وهذا التحذير وإن صادف بعض التوجس لدى كثيرين إلا أن التحذير يشمل التأكيد على قاعدة أصيلة في التجديد والتصويب وتصحيح المسار، وهذه الكلمة هي الحادثة الثانية التي اجتاحت معظم الفضائيات المصرية والعربية على السواء. 
فأغلب الذين تم اتصافهم بالتطرف والراديكالية هم من اقتصروا في فهمهم الديني على القرآن الكريم فحسب، وصار تفسيرهم للنص الديني المقدس وفق أهواء وظنون قاصرة بل ومسكينة أيضا، في الوقت الذي ينبغي علي وعلى غيري من الذين يحبون هذا الوطن الإشارة إلى أن فهم الدين والقرآن بوصفه المصدر الأساسي والأول للإسلام لن يتم إلا في ضوء ما فصله وفسره الرسول في سنته وسيرته. لذا أرى أن ما أشار إليه فضيلة الإمام من التأكيد على الأخذ بالسنة والسيرة النبوية أمر ضروري للاجتهاد والتجديد والفهم أيضا.
واستكمالا لمسلسل الغياب الذهني الذي يمارسه أنصار وفقهاء الدولة الدينية في صورتها المتطرفة الراديكالية، لا يزال يعتقد أنصار ومريدو وأتباع الجماعة التي انقضى سحرها أن أي نظام حاكم غيرها وغيرهم هو نظام محارب للإسلام وللمسلمين. فمن وجهة نظرهم المسكينة أن الذين خرجوا على الحاكم في الخامس والعشرين من يناير مسلمون، لكن ليسوا أولئك الذين هبوا وعزلوا حاكما فاشلا في الثلاثين من يونيو، وليسوا من أيد وشارك وساهم في مشروع حفر قناة السويس الجديدة، أو من هلل فرحا بالمؤتمر الاقتصادي. 
هي بالتأكيد فتنة نحياها، وهؤلاء إن كانوا يؤمنون بالوطن والوطنية لأيدوا الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يعلن ليل نهار بأنه يريد مشاركة أبناء الوطن الحقيقيين في تشييد مصر المحروسة، لكن هؤلاء مصرين على الاحتفاء بليلة فض اعتصام رابعة وهم يذكروننا بذلك باحتفال الشيعة واحتفائها بليلة مقتل الإمام الحسين، ومن شاهد قنواتهم المدهشة يدرك أن جيلا كاملاً يعيش منا على أرض هذا الوطن لا يريد أن يتقدم بل هو ينفذ أجندة مؤامرات تسعى لتقويض أمن وأمان واستقرار الوطن.
ومن خلال الندوات والمحاضرات الثقافية التي أشارك فيها خارج الجامعة وأنا ألمح جملة من الشباب المنتمي قسرا وكرها ونتيجة طبيعية لفقر المعرفة والتكوين الثقافي المفتوح  أعينهم زائغة القرار، وأرى عقولهم لا تزال محظورة على التجديد، ففتوى التحريم أقرب إليهم من الإعلان بالتحليل، وهم أقرب للرفض من القبول وربما سمة التمرد والعصيان توافق الهوس الديني الذي جاءت به تيارات الإسلام السياسي ظنا منها بأنهم وحدهم مسلمون. وهؤلاء هم من يقوم بأعمال التفجير والتخريب والتدمير بغير رحمة وكأنه ينتقم لثأر قديم.
والشباب الذي تمتلأ بهم الجامعات لم يستطيعوا أن يجدوا إجابة واحدة شافية عن السؤال المكرور: ماذا قدمت الجماعة للإسلام طيلة عام كامل وبيدها حكم البلاد والعباد ومجلس الشعب والشورى وإدارة الجامعات والنوادي والجمعيات الأهلية؟ هم يقولون أنهم لم يستطيعوا فعل شيء بسبب تحالف الأشرار، هذا من وجهة نظرهم بأننا والمصريون استحلنا أشرار. ويؤكدون أن الإعلام والشرطة والقضاء والجيش والشعب ونادي الزمالك باعتباري من أكبر مشجعيه وأنا وأنت على رأي الأفراح الشعبية في مصر وقفوا جميعا ضد مرسي المسكين وجماعته. 
وإذا كنا نتحدث عن التجديد الديني فإن هذا الهدف لن يتحقق إلا وفق اهتمام أوسع بالتجديد في قطاعات أخرى كتجديد الخطاب التعليمي، وتجديد الخطاب الإعلامي.