المسرح التونسي يتألّق في قرطاج بالذهب والبرنز

أيام قرطاج المسرحية تختتم دورتها السادسة والعشرين بتتويجات لافتة واحتفاء بالإبداع المحلي والعربي.

تونس - اختُتمت السبت فعاليات الدورة السادسة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية في حفل بهيج احتضنه مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي، بحضور ثُلّة من الفنانين والمبدعين من تونس وعدد من البلدان العربية والأفريقية، إضافة إلى جمهور غفير من محبي الفن الرابع. وقد تولّى الصحفيان الشابان سامية حامي والواثق بالله شاكير تقديم الحفل، الذي أعلن تتويج المسرحية التونسية "الهاربات" للمخرجة وفاء الطبوبي بالتانيت الذهبي، وهي الجائزة الأهم ضمن المسابقة الرسمية.

وشكّل فوز "الهاربات" بالتانيت الذهبي محطة مفصلية في هذه الدورة، لاسيما أن العمل سبق أن تُوّج بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح التونسي "مواسم الإبداع" في دورته الثالثة. ويُعدّ هذا التتويج الثاني من نوعه للمخرجة وفاء الطبوبي ضمن أيام قرطاج المسرحية، بعد فوز مسرحيتها "آخر مرة" بجائزة الدورة الثانية والعشرين سنة 2021، مما يعزّز مكانتها كواحدة من أبرز المخرجات في المسرح التونسي والعربي.

وقد أُنتجت المسرحية عن طريق شركة فابولا للإنتاج بالشراكة مع المسرح الوطني التونسي، وتولت الطبوبي كتابة النص والدراماتورجيا والسينوغرافيا، إضافة إلى الإخراج. ووضع الموسيقى المصاحبة للعرض الفنان هاني بن الحمادي، فيما شارك في التمثيل كلٌّ من فاطمة بن سعيدان، منيرة زكراوي، لبنى نعمان، أسامة حفيظ، أميمة بحري، صابرين عمر، وهاجر تومي. ويُقدَّم العرض باللهجة التونسية ويمتدّ على مدى ثمانين دقيقة.

وتدور أحداث "الهاربات" في محطة نقل عمومية تلتقي فيها ستّ شخصيات أرهقتها الحياة واضطرتها إلى دفن أحلامها تحت وطأة واقع قاسٍ. وما يبدو حدثًا يوميًا عاديًا — انتظار حافلة قد تتأخر أو لا تأتي بسبب إضراب في قطاع النقل — يتحوّل إلى لحظة مصيرية تكشف طبقات هذه الشخصيات وهشاشتها وخلفياتها الاجتماعية المتصدعة، في بناء مسرحي يزاوج بين الرمزية والواقعية، ويعيد مساءلة معنى الاستمرار وسط عطب يومي يتكرر بلا نهاية.

وتواصلت نجاحات العمل خلال الحفل، إذ حصدت الممثلة لبنى نعمان جائزة أفضل ممثلة عن دورها في المسرحية، كما فازت وفاء الطبوبي بجائزة أفضل نص، مما جعل "الهاربات" أبرز إنتاج مُتوَّج في هذه الدورة.

وفي بقية الجوائز، حصدت المسرحية العراقية "الجدار" للمخرج سنان محسن العزاوي التانيت الفضي، وقد نال العمل أيضًا جائزة أفضل سينوغرافيا بفضل خياراته البصرية القوية التي شدّت انتباه لجنة التحكيم، كما فاز بجائزة أفضل نص للكاتب حيدر جمعة، وجائزة أفضل أداء تمثيلي رجالي للفنان يحيى إبراهيم.

أما التانيت البرونزي، فقد عاد إلى المسرحية التونسية "جاكرندا" للمخرج نزار السعيدي، التي تقدّم ثماني شخصيات معلّقة بين ماضٍ مثقل وحاضر مضطرب، تجتمع داخل مركز نداء يتحوّل إلى فضاء رمزي لانهياراتها الداخلية وعلاقاتها الهشّة، في تتويج أكد حضورًا تونسيًا لافتًا ضمن الأعمال المتنافسة.

وعلى مستوى الأداء الفردي، تُوّج الممثل المصري أحمد أبوزيد بجائزة أفضل ممثل عن دوره في مسرحية "سقوط حر" للمخرج محمد فرج خشاب، وهو تتويج رأى فيه النقاد اعترافًا بمقدرة أدائية عالية وحضور مسرحي مؤثّر.

وشهد الحفل أيضًا تكريم مجموعة من الأسماء التي أثرت الساحة المسرحية التونسية عبر مسيرات طويلة، وهم الأكاديمي محمد مسعود إدريس، والممثل عبدالحميد قياس، والممثلة والمخرجة ليلى طوبال، والممثلة عزيزة بولبيار، في لفتة احتفاء بمسارات أضاءت المسرح التونسي لأجيال.

وفي ما يتعلق بالجوائز الموازية، منحت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين جائزة نجيبة الحمروني لحرية التعبير لمسرحية "الزنوس" لصالح حمودة، فيما أشادت لجنة التحكيم بمسرحية "ميتامورفوز" لقيس بولعراس.

أما جائزة "مسرح الحرية" التي تُسندها الهيئة العامة للسجون والإصلاح، فقد شهدت مشاركة لافتة من المؤسسات السجنية ومراكز الإصلاح. وقد فاز السجن المدني ببرج الرومي بالجائزة الأولى عن مسرحية "صد عقل"، تلاه سجن النساء بمنوبة بمسرحية "الحاوية" في المرتبة الثانية، ثم السجن المدني بالناظور عن مسرحية "مول الباش" في المرتبة الثالثة. وفي مراكز الإصلاح، فاز مركز الإصلاح بالمروج بالجائزة الأولى عن مسرحية "حياة بدون إدمان"، يليه مركز الإصلاح بسيدي الجديد عن مسرحية "أولاد عروش"، ثم مركز الأطفال الجانحين بسيدي الهاني عن مسرحية "جلسة سرية".

وتنافس على جوائز هذه الدورة اثنا عشر عملاً مسرحيًا من تونس وفلسطين والجزائر والمغرب والعراق ولبنان ومصر والإمارات والأردن والكوت ديفوار والسنغال. وقد ترأس لجنة التحكيم المسرحي التونسي الأسعد بن عبدالله، وضمّت اللجنة في عضويتها عماد المي (تونس)، سعداء الدعّاس (الكويت)، مالك العقون (الجزائر)، أبدون فورتونيه (الكونغو)، وثامر العربيد (سوريا).

وأكد رئيس لجنة تنظيم الدورة، محمد منير العرقي، أن أيام قرطاج المسرحية مثّلت هذا العام فضاءً نابضًا للإبداع والحوار، فضلًا عن تزامن فعالياتها مع اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن المهرجان جدّد عبر برمجته دعمه للقضية الفلسطينية.

وأشار إلى ثراء هذه الدورة بعروض متنوعة وفعاليات مميزة، أبرزها انعقاد المنتدى المسرحي الدولي الأول، واستمرار قسم "مسرح الحرية" الذي يقدم أعمالًا فنية من داخل السجون ومراكز الإصلاح، إضافة إلى تنظيم ورشات تكوين للشباب وخلق مساحات للقاء المبدعين من مختلف البلدان.

وأشاد بالحضور الجماهيري الكبير الذي رافق الأيام منذ انطلاقها، معتبرًا الجمهور "الراعي الحقيقي للمهرجان". كما أعلن رسميًا اختتام الدورة السادسة والعشرين، داعيًا إلى بدء الإعداد للدورة المقبلة، ومؤكدًا أن أيام قرطاج المسرحية "لا تتوقف… بل تتجدّد من حلم إلى موعد جديد".

وتؤكد دورة هذا العام، بانفتاحها على التجارب العربية والعالمية وتنوّع رؤاها، أن المسرح يظلّ فضاءً للوعي والتغيير ومرآة تعكس نبض المجتمع التونسي والعربي.

ويُعدّ مهرجان أيام قرطاج المسرحية، الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الثقافية التونسية، أحد أعرق المهرجانات العربية والأفريقية منذ تأسيسه عام 1983 على يد المسرحي الراحل المنصف السويسي. وقد تحوّل اليوم إلى موعد سنوي ثابت لعشاق المسرح، مع تركيزه على التجارب الأفريقية والعربية إلى جانب استضافة عروض من مختلف قارات العالم.