المشهد الروائي السوداني يعج بالتجارب الروائية العميقة

الناقد السوداني مصطفى الصاوي يرى أن النزوع إلى كتابة السير والمذكرات في السودان أدى إلى نمو الوعي بالذات.


الصاوي يؤكد أن الرواية السودانية معروفة في المحيط العربي


ظهور نصوص سيرية في الربع الأول من القرن العشرين


المشهد الروائي السوداني متسع وبه تحولات عميقة، عقب التأسيس والريادة

يتمتع الأكاديمي والناقد السوداني د. مصطفى الصاوي بحضور لافت في المشهد الثقافي والنقدي حيث يدرس النقد في الجامعات، ويشارك بفاعلية في حراك الندوات والفعاليات الثقافية والأدبية، متتبعا المشهد الإبداعي الروائي والقصصصي والمسرحي والموسيقى، ولا يبخل بنقده البناء وعلمه على أحد، درس الموسيقى والفلكلور ونال درجة الدكتوراه عن أطروحته حول السير والمذكرات في الأدب السوداني من منظور النقد الأدبي. وفي هذا الحوار معه نتعرف على الكثير من جوانب المشهدين الثقافي والإبداعي في السودان.
بداية وحول أطروحته السير والمذكرات في الأدب السوداني قال الصاوي "استرعى انتباهي تراكم السير والمذكرات في المشهد الإبداعي السردي إضافة إلى نصوص سيرية رائدة مثل سيرة محمود القباني، وبابكر بدري واهتمام واسع بتراجم الشخصيات، وكذلك سير غيرية، ذلكم التراكم امتد واتسع بل وتشعب، لذا كان لا بد من النظر إليه كجنس أدبي يتقاطع من العديد من الأجناس الأدبية والسؤال عن أشكاله، وخصائصه الجمالية، وتصنيف هذا التراكم وفقاً لمحمولاته وأخيراً ربط نصوص الدراسة بعوامل إنتاجها وتلقيها. 
ومن ثم كانت أطروحتى التي خلصت فيها إلى أن النزوع إلى كتابة السير والمذكرات في السودان بالظروف الثقافية والتاريخية التي أدت إلى نمو الوعي بالذات مما مهد إلى ظهور نصوص سيرية في الربع الأول من القرن العشرين أفرزت مذكرات سياسية، وسير غيرية، وعبر التراكم من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التجنيس رسخت في المشهد الثقافي الإبداعي على اختلاف أنماطها، وهربت أغلبها من السرد السيري الشفيف والبوح إلى التعويل على الإنجاز "كفاح جيل"، "قدر جيل"، "ذكريات جيل" لكل من أحمد خير المحامي ويوسف بدري وحامد ضو البيت، وانكمشت مساحات السرد الذاتي الحميم كما في "الأيام" لطه حسين بل سعت في تدوين ذواتها إلى البوح الخجول، وغابت الطفولة، ومرحلة المراهقة وباستثناء الشيخ بابكر بدري رائد تعليم البنات في السودان وهو من النخب مالت إلى إبراء الذمة، والتبرير، والتعويل على الإنجازات، وتراجعت دخيلة ذواتهم بل غابت بنيتهم الأسرية. 

الحراك النقدي للمشهد الروائي يمضي للأمام وبخطى واثقة إضافة إلى جهود مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وجائزته جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وما يتصل بها من مؤتمرات نقدية تعالج الرواية السودانية

ولعل مرد هذا يكمن في تأثيرات ثقافية يقول المثل السوداني "شكار نفسو أبليس"، و"السترة والفضحية مُتباريات" مما ألقى بثقله على عنصر البوح، ومواجهة الذات بل والاعتراف وبالتالي تراجعت الصدقية، والمصداقية عبر الحذف، والصمت والانتقاء، الأنا ليست بغيضة ولكن ثمة عامل ديني يلجم من كتب، فالاعتراف يرتبط عندهم بالمجاهرة بالمعاصي إذن فقد كُبحت المادة الاعترافية لديهم بسبب العامل الديني، وسيادة ثقافة الستر وعدم التصريح، والتعري النفسي وارتباطه بمفهوم الفضيحة إضافة إلى دور الرقابة والرقابة الذاتية لذلك فهي بعيدة (أي السير والمذكرات) عن نظيرتها الغربية.
المشهد الروائي
وأكد الصاوي أن الرواية السودانية معروفة في المحيط العربي ودونك عبدالعزيز بركة ساكن، وحمور زيادة، وأمير تاج السر، وإشراقة مصطفى، ومنصور الصويم، وعلي الرفاعي، جلهم شاركوا في مؤتمرات السرد الروائي، وأعمالهم منشورة خارج السودان، وداخله وربما تقود الإجابة هذه إلى سؤال طرحته عن التواصل الإبداعي والثقافي والذي بات سهلاً وميسوراً، فالثورة الرقمية اخترقت كافة الحجب والسدود، أضف إلى ذلك ضرورة توثيق الصلات بين كليات الآداب بالجامعات العربية، والمراكز الثقافية وأندية السرد مما يخلق المزيد من التفاعل وتبادل الزيارات بين كُتاب الرواية والنقاد في الأقطار العربية لمزيد من التواصل. 
إذن ما المشاكل التي تحول دون التواصل؟ هذا هو السؤال إذا تجاوزنا التواصل الرسمي الحكومي وهو غير كافٍ، يبقى تواصل الكُتاب وأهل الإبداع كمؤسسات أهلية وحرة ومستقلة والأخيرة ذاتها منقسمة طبقاً للموقع الأيديولوجي، والصداقات الشخصية الخ عيوب الشخصية العربية. 
ورأى أن هذا المشهد متسع وبه تحولات عميقة، عقب التأسيس والريادة؛ ملكة الدار محمد، وخليل الحاج، وأبو بكر خالد انبثقت حركة روائية ارتادت آفاق الحداثة، من هؤلاء الطيب صالح إذ ارتكزت نصوصه على إطار زماني معقد، وتميزت بصعوبة الفصل بين شخصيتي الراوي ومصطفى سعيد في "موسم الهجرة للشمال"، استمر مسار التحولات فظهرت روايات أحمد حمد المك "الفرقة الموسيقية"، و"إذ أيام الخريف ونصوص أخرى" وإبراهيم بشير الذي مزج في روايته التراب والرحيل والزنديه بين الواقع والأسطورة والمحاكاة الساخرة، وتواترت الإسهامات الباذخة وظهر في سني التسعينيات أمير تاج السر، وعبدالعزيز بركة ساكن الذي ارتكز على أساليب: المسخ، والفانتازيا وتوظيف الأحلام وارتاد آفاق الواقعية السحرية في الطواحين، والواقعية العارية "واقعية القاع" في "الجنقو مسامير الأرض"، و"الرجل الخراب"، وفي ذات الصدد يمكن الإشارة إلى منصور الصويم الذي حقق حضوراً لافتا منذ نصه الثاني "ذاكرة شرير" والتي أولت اهتمامها أطفال الرصيف "المشردين" وعوالمهم في الهامش وصولاً إلى آخر نصوصه: "أشباح فرنساوي"، و"عربة الأموات" التي صاغها في قالب فني يمتح من الفانتازيا ويتداخل مع الواقع. 
الرواية النسوية
وأشار الصاوي داخل هذا المشهد الواسع، المتسع، والذي يعج بالتجارب الروائية برزت نصوص نسوية: بثينة خضر مكي، وزينب بليل وأخريات سعين في متخيلهن الروائي إلى تأسيس النص النسوي السوداني وأفرزت نصوصهن أسئلة عديدة هيمنت على تلك النصوص ذات الأنثى وفيها اخترقت الكاتبات، وتجاوزن، التابو الاجتماعي وتماهت نصوصهن مع مفهوم النسوية مما نعكس على البناء الفني للنصوص: سيادة ضمير المتكلمة، تفوق الشخصيات النسوية على الذكور (كمياً ونوعياً)، علو النبرة الخطابية وبإيجاز يتضح للقارئ سؤال الخصوصية والاختلاف كما احتفت بالجسد المرأة المقهور "ختان"، وأبرزت قلق النوع "لا أجد مخرجاً من ورطتي فيك، ولا أنا قادرة على العيش معك ولا أنا قادرة على الموت دونك"، ومما يسترعى الانتباه في تلك النصوص استخدام لغة النساء كما تعرف في علم اللغة الاجتماعي في محاولة منهن لتأنيث اللغة وأهم ملمح فيها: استبطان الوجع الأنثوي داخلها، وتجاوز الأنا النسوية إلى الأنا الجماعية وفضح ممارسات السلطة الذكورية، وظلت أقلام راسخة داخل هذا المشهد، مثل إبراهيم اسحاق في رواياته: "حدث في القرية"، و"أخبار الليل والبلدة"، و"أخبار البنت ميكايا"، و"مهرجان المدرسة القديمة"، و"وبال في كلميندو" وما ميز رواياته إضافة لتشكيلاتها الفنية سؤال الهوية ومنح من عامة دارفور وقدم شخصياتها وتقاليدها وأعرافها بل رؤيتها للكون، فكان صوتاً مميزاً ضمن هذا المشهد، ومن مجايليه القاص والروائي عيسى الحلو وضمن عالمه الروائي تلمح: تيار الوعي وتعدد الأصوات، والسرد اللولوبي، سرد يتكرر فيه العودة إلى الماضي ثم المستقبل والماضي وهي روايات مُغايرة، ومختلفة ومن وجهة نظر أخرى يلاحظ العلاقات الجدلية بين نصوصه الروائية وقصصه القصيرة مما يؤشر إلى الانفصال في عوالمه القصصية الروائية تلك النصوص ذات خصوصية في مجرى الإبداع الروائي السوداني لما حفلت به من تعدد أصوات، وتوظيف ذكي للتفاعل النصي، وتقطيع السرد، وزمانها المعقد وشخصياتها المغايرة ودونك "عجوز فوق الأرجوحة"، و"صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل". 

وبرزت في هذا المشهد نصوص روائية عرفت بكتابات المنفى وهي روايات كتبت عن الوطن خارج الوطن في سياق ثقافي مختلف، فالكاتب يقيم في مكان، ويتذكر الواقع، ويتخيله في مكان آخر، ومن هؤلاء الكُّتاب طارق الطيب في "مدن بلا نخيل" وإبراهيم سلوم، وخالد عويس، وعماد براكة، وإشراقة مصطفى التي كتبت سيرة روائية، لاحظ عناوين النصوص "وطن خلف القضبان"، "الأسرار"، "عطر نسائي"، والشاهد أن منهم من كتب باللغة الإنجليزية مثل جمال محجوب، وليلى أبو العلا، وباتت هجرة لسان أيضاً.
ولفت إلى أن الملامح العامة لتلك النصوص فقد تميزت بـ: أولا؛ للمكان الصدارة في نصوص المتن إذ أنه منشئ ولولا مكان النفى ما كان القص. ثانيا؛ قص المنفى في جوهره قص عن المكان لأن المنفى علاقة بين مكانين وطن خاص ووطن آخر يلوذ إليه المنفى. ثالثا؛ شخصيات نصوص رواية المنفى منقسمة بين المنفى والوطن، والتفاعل بين شخصيات سودانية وأخرى أجنبية. رابعا، احتلت الذكرى، والتذكر، والحنين مساحات شاسعة في النصوص. خامسا؛ مثلما تبحث رواية المنفى عن الحرية، واليقين الروحي فإنها تنغمس وبدرجات مختلفة في صراع الهوية وتحاول خلخلة الخطاب الأوروبي المركزي، والصورة النمطية للآخر العربي، والمسلم على اختلاف تلك الروايات. 
جل النصوص تكرر فيها: جدلية الآنا/ الآخر/ نحن وهم/ "نحن نحرص على العذرية والعفة". شكلت النصوص تغريبية سودانية وأفرزت روايات صبت في مجرى الإبداع وصولاً إلى روايات البحر أو التوابيت، كما عند سوزان كاشف "التابوت" وعاطف الحاج السيد "عاصف يا بحر" وعماد براكة في "تأشيرة خروج". أعترف بصعوبة تقديم شهادة كاملة ومتكاملة عن المشهد الروائي بالسودان وهذه فقط بعض ملامح ذلك المشهد لكن تجاوز بالتراكم الكمي، ثم الكيفي، والتحولات النوعية مراحل التأسيس وصولاً إلى تبوأة مكانة مهمة في المشهد العربي والعالمي لمجموعة من كتابه.
ورأى الصاوي أن أهم ما يمكن إيجازه في المشهد النقدي والذي حاول بما استطاع من جهد وفي ظل غياب حركة نشر فاعل ومجلات نقدية دائمة الصدور وغياب الحريات العامة أن يلقي حجراً في بركة ساكنة أبرز مشهداً وسم بالتالي: ضعف الصلة بين المراحل النقدية وذلك أثر سلباً على عملية التراكم النقدي ـ خفوت صوت النقد الأكاديمي وعدم وصول صوته خارج أسوار الجامعات ـ سيادة النقد الصحفي السريع: عرض الروايات في أشارات سريعة وغير منهجية ـ غياب الحوار النقدي الخلاق، عدم قبول وتقبل الآخر، وسيادة ثقافة الاقصاء والتهميش والتي تسللت إلى المجال النقدي ـ غياب الجهود الجماعية في ظل وجود جهود فردية قليلة أثرها خافت ـ الاتكاء على المناهج الغربية، وتطبيقها تطبيقاً آلياً دون العمل على معرفة طبيعتها، وخلفياتها الفكرية، أو محاولة استنباتها طبقاً للواقع السوداني وهذا لا يعني الانغلاق ـ غياب المجلات المتخصصة، والتي تصدر يهيمن عليها حراس السلطة، لقد اغتالت القوى الظلامية البائدة مجلة "الخرطوم" لاحظ شعارها "للثقافتين الغربية والأفريقية" وهيمنت على مجلة "وازا" مجلة الفلكور السودان.
وقال إن الثورة الرقمية أتاحت مجلات الكترونية متعددة في السودان والمهجر، وازدهرت فيها المُتابعات الرصينة للسرد الروائي، والتعريف بأعلامه، بل دخلت في شراكات وتشبيك مع مواقع مغربية وجزائرية، واعتقد جازماً أن الحراك النقدي للمشهد الروائي يمضي للأمام وبخطى واثقة في تلك المنصات إضافة إلى جهود مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وجائزته جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، وما يتصل بها من مؤتمرات نقدية تعالج الرواية السودانية. 
أما الحراك الثقافي العام فهو في ازدهار وارتبط بما يدور الآن في الخرطوم من ثورة اقتلعت الظلاميين وظهرت الإبداعات من فنون تشكليلية في ميدان الاعتصام: لوحات للشهداء، وشعارات الثورة، بل وتوثيق بصري للهتافات، إضافة إلى أن السينما البديلة ظلت منذ بداية الانقلاب على الديمقراطية تعمل إنتاجاً وإخراجاً وأفلاماً وثائقية وخاصة في مناطق النزاعات والتهجير القسري، وقهر المرأة ويعود الفضل لجماعة الفيلم السوداني ونشاطها في ناديها بالمدينة المركز "مدينة أم درمان".