المغرب وصناعة الأمن المائي: من تدبير الندرة إلى تصدير الحلول

السياسة المائية المغربية ليست مجرّد نجاح قطاعي، بل هي لبنة أساسية في بناء سيادة مائية وطنية، تؤمن الأمن الغذائي، وتوفر شروط التنمية الصناعية والعمرانية.

في زمن تتسارع فيه الأزمات المناخية وتشتد فيه ندرة المياه في مختلف أنحاء العالم، لم يعد تدبير الموارد المائية مجرد خيار بيئي أو اجتماعي، بل تحول إلى قضية سيادية استراتيجية، تختبر قدرة الدول على التكيف، والتخطيط، والتحكم في مصيرها التنموي.

من بين الدول القليلة التي استوعبت باكرًا عمق هذا التحول العالمي، يقف المغرب، بقيادة الملك محمد السادس كنموذج رائد في بناء سياسة مائية متكاملة، تقوم على رؤية استباقية، وتوازن حكيم بين الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى، وتطوير التقنيات الحديثة، وتحقيق العدالة المجالية والنجاعة الاقتصادية.

رؤية ملكية تُبنى على الاستباق لا على الانفعال

منذ مطلع الألفية، أرسى المغرب معالم سياسة مائية جديدة، انطلقت من قناعة مركزية عبّر عنها جلالة الملك في خطبه، مفادها أن "الماء لم يعد متاحًا كما في السابق، وأن تأمينه مسؤولية جماعية تتطلب تغييرا جذريًا في طرق التفكير والتدبير".

وقد تُرجمت هذه القناعة إلى مشاريع كبرى: بناء عشرات السدود، إنشاء "الطرق السيارة للماء" التي تربط بين الأحواض المائية، توسيع مشاريع تحلية مياه البحر، ترشيد استعمال المياه في الفلاحة والصناعة، والرفع من قدرات معالجة وإعادة استخدام المياه العادمة.

لكن الأهم من البنية التحتية، هو التحول الذهني والمؤسساتي الذي أحدثته هذه السياسة، والذي جعل من تدبير الماء مسؤولية أفقية، تهم وزارات ومؤسسات ومجتمعًا مدنيًا ومواطنين، في انسجام تام مع التوجيهات الملكية.

إشادة دولية بنموذج مغربي متفرد

وقد بدأ صدى هذا التحول المغربي يلقى اعترافًا دوليًا صريحًا، ففي لقاء رفيع المستوى انعقد بالرباط، خصص لموضوع الأمن الغذائي والتعاون جنوب–شمال في إفريقيا، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إعجابه الكبير بالاستراتيجية المغربية في تدبير الموارد المائية، مؤكدًا أن "فرنسا نفسها يجب أن تستلهم من هذا النموذج الشمولي، خصوصًا في مجالات ربط الأحواض وتحلية المياه".

لم تكن هذه الإشادة مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تعكس بوضوح كيف أصبح المغرب، في مجال الماء، من بلد يبحث عن حلول، إلى بلد يُنتجها ويُصدرها، بل ويُمارس من خلالها دبلوماسية جديدة هادئة وفعالة.

وقد أبدت عدة دول، من السنغال ورواندا إلى الأردن والبرازيل، اهتمامها بتجربة المغرب، سواء في بناء السدود المتكيفة مع المناخ، أو في إدارة التحلية، أو في حوكمة التوزيع، أو في تعبئة الساكنة.

من إدارة أزمة إلى بناء سيادة مائية

ليست السياسة المائية المغربية مجرّد نجاح قطاعي، بل هي لبنة أساسية في بناء سيادة مائية وطنية، تؤمن الأمن الغذائي، وتوفر شروط التنمية الصناعية والعمرانية، وتحمي المناطق القروية من الهشاشة.

إن انتقال المغرب من منطق "تدبير الأزمة" إلى منطق "هندسة المستقبل"، يُعد إنجازًا حقيقيًا يعكس القدرة على التكيف الذكي مع تحولات العالم، دون التفريط في مبادئ الإنصاف المجالي والحكامة الرشيدة.

عندما يتحول الماء إلى رافعة دبلوماسية

وفي عالم يزداد عطشًا، يصبح من يمتلك الحلول في الماء، هو من يملك النفوذ الهادئ. والمغرب، بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، لا يملك فقط رؤية واضحة، بل يملك منظومة عمل فعّالة، وخبرة تراكمية، وإرادة سياسية حازمة، تؤهله ليكون فاعلًا دوليًا مرجعيًا في صناعة الأمن المائي.

وبينما تتعثر دول كبرى في مواجهة ندرة المياه، يمضي المغرب بثقة نحو المستقبل، ليس فقط لتأمين حاجياته، بل ليُسهم في تشكيل وعي جماعي جديد: الماء ليس مشكلة العصر، بل مفتاحه.