المغرب يعزّز ريادته في النزاهة بدليل علمي لمكافحة الفساد
الرباط - في خطوة تعكس تسارع دينامية الإصلاح وتعزيز الثقة العامة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كأحد أبرز النماذج الإقليمية في مجال النزاهة ومكافحة الفساد، عبر بلورة سياسات عمومية متقدمة ومتناغمة مع المعايير الدولية، ولا سيما الأوروبية منها. وقد شكّل إطلاق النقاش حول مشروع دليل علمي لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد خلال مؤتمر الرباط محطة أساسية ضمن هذا المسار، باعتباره أول مرجع وطني شامل مؤطَّر بمنهجية علمية رصينة وممارسات مقارنة متقدمة.
وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، شدد رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، محمد بنعليلو، على أن نجاح المغرب في هذه الأوراش الاستراتيجية لا يُقاس بالخطابات أو النصوص فقط، بل بمدى التغيير الملموس في حياة المواطنين فالمعيار الحقيقي، بحسب قوله، هو تراجع الممارسات الفاسدة، وارتفاع منسوب الثقة في المؤسسات، والقدرة الجماعية على تدبير المخاطر واقتراح حلول استباقية.
وأكد بنعليلو أن المغرب انتقل اليوم إلى منظور جديد للحكامة العمومية يجعل من أثر السياسات على المواطن محوراً أساسياً، سواء تعلق الأمر بتحسين جودة الخدمات، أو تقليص الكلفة الخفية للفساد، أو تعزيز ثقافة النزاهة في المرافق العامة. وهذا التحول ينسجم مع التوجهات الحديثة في تقييم السياسات العامة داخل الاتحاد الأوروبي، والتي تعتمد على قياس المخرجات والأثر الاجتماعي وليس فقط على مراقبة الإجراءات.
ويأتي إطلاق مشروع الدليل العلمي بشراكة مع مجلس أوروبا ليعزز هذا التوجّه، فالدليل، باعتباره أول إطار منهجي متكامل من نوعه في المغرب، يهدف إلى توفير أدوات علمية دقيقة لتقدير مدى فعالية خطط مكافحة الفساد، وقياس انعكاساتها على حياة المواطنين، وملاءمتها للمعايير الدولية. وتراهن الهيئة على أن يشكّل هذا المرجع خطوة عملية لرفع جودة السياسات العمومية وضمان استدامة الإصلاحات.
ولا يكتفي المغرب بالجانب المؤسسي فحسب، بل يُرفق ذلك بسلسلة إصلاحات تشريعية وأمنية تعكس إرادة سياسية واضحة، فقد انضمت المملكة في السنوات الأخيرة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وعززت ترسانتها القانونية عبر إصدار قوانين لحماية الشهود والمبلغين والضحايا والخبراء، إلى جانب إحداث أقسام وفرق متخصصة في الجرائم المالية داخل الأجهزة القضائية.
وتبرز الأرقام الرسمية تقدماً ملموساً في تطبيق هذه السياسات، إذ أعلن رئيس النيابة العامة هشام البلاوي عن ضبط 407 أشخاص في قضايا تتعلق بالرشوة والفساد خلال عامي 2024 و2025، ما يؤشر على فعالية آليات التتبع والرصد، وعلى إرادة مؤسساتية لمحاربة الإفلات من العقاب.
وتعكس هذه الخطوات، مجتمعة، أن المغرب لا يكتفي بمجاراة المعايير الدولية، بل يطمح إلى مواءمتها وتطويرها بما يخدم أولوياته الوطنية ويعزز الثقة بين المواطن والدولة. كما أن الشراكات الدولية، وعلى رأسها مجلس أوروبا، تمنح الإصلاحات المغربية بعداً مؤسساتياً قوياً وتضمن نقل الخبرات وتطوير الأدوات التقنية اللازمة لمواكبة أفضل الممارسات العالمية.
وفي ظل هذا الزخم، يُرتقب أن يشكّل الدليل العلمي الجديد نقطة تحول في تقييم السياسات المرتبطة بمحاربة الفساد، عبر توفير آليات موضوعية تسمح بتحديد مكامن الخلل، وقياس الأثر الحقيقي، ودعم صانعي القرار بالمعطيات التي تساعدهم على صياغة سياسات أكثر فعالية وواقعية. وهو ما يؤكد أن المغرب يتجه نحو تثبيت نموذج وطني قائم على الشفافية، والحكامة الرشيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبناء إدارة عمومية قادرة على مواجهة مخاطر الفساد بكل أشكاله.