المغرب يكتب من مراكش فصلا جديدا في هندسة الأمن العالمي

كلمات حموشي تتجاوز حدود البروتوكول، وتتحوّل إلى تأكيد لثقة دولية تُمنح لمن يستحقها.

مراكش - في زمن تتسارع فيه التهديدات بوتيرة تفوق قدرة العالم على استيعابها، وتتحول فيه الجريمة من ظاهرة محلية إلى صناعة كونية معقدة، جاءت الدورة الثالثة والتسعون للجمعية العامة للإنتربول في مراكش لتؤكّد أن الأمن الدولي بحاجة إلى بوصلة جديدة. وقد كان خطاب عبداللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، نقطة ارتكاز لهذه البوصلة؛ خطابا حمل وضوح الرؤية وعمق التحليل، وعبّر عن تحوّل المغرب إلى فاعل رئيسي في معادلة الأمن الجماعي.

أمن معولم… وتهديدات بلا سقف

العالم الذي نعيشه اليوم ليس العالم الذي نشأت فيه مؤسسات الأمن التقليدي. الحدود لم تعد خطوطاً فاصلة، بل أصبحت مساحات مخترقة؛ والجريمة السيبرانية غيّرت قواعد اللعبة، لتصبح قادرة على شلّ اقتصادات وإرباك مؤسسات وإضعاف دول. أمام هذا المشهد، جاء خطاب مراكش بلهجة صريحة: لا دولة، مهما بلغت قدراتها، تستطيع أن تواجه وحدها خطر الجريمة المعولمة.

إن الإقرار بأن "الأمن تكلفة مشتركة ومكسب جماعي" ليس مجرد توصيف، بل هو إعلان عن فلسفة جديدة لإدارة المخاطر. فلسفة ترى في التعاون ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وجودية.

لماذا المغرب؟ ولماذا الآن؟

اختيار المغرب لاحتضان هذا الحدث العالمي ليس مكافأة رمزية، بل اعتراف دولي بمسار طويل بنته المملكة خلال العقدين الأخيرين. من تعزيز الأجهزة الأمنية، إلى بناء شراكات ممتدة مع أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة، مروراً بالتحول العميق في إدارة المخاطر السيبرانية أصبح المغرب نقطة توازن في زمن يشكو من اختلالاته.

لقد أثبتت التجربة المغربية، سواء في محاربة الإرهاب أو تفكيك الشبكات العابرة للحدود، أن مقاربة الأمن الشامل ليست مجرد شعار. إنها ممارسة ميدانية، ومراكمة خبرة، وابتكار في التكنولوجيا، ورؤية استراتيجية تُقنع الشركاء قبل أن تُخيف الخصوم.

هذا الرصيد هو ما جعل كلمات حموشي تتجاوز حدود البروتوكول، وتتحوّل إلى تأكيد لثقة دولية تُمنح لمن يستحقها.

الإنتربول أمام امتحان العصر الرقمي

منظمة الإنتربول نفسها تواجه منعطفاً تاريخياً، فالتحديات التي تولد في الفضاء السيبراني تفرض تحديثاً مستمراً في الأدوات وآليات التعاون، خصوصاً في عالم تتقاطع فيه الجريمة المنظمة مع الإرهاب، وتستغل الشبكات الإجرامية هشاشة الدول لتمرير مخططاتها.

ومن هنا، حمل خطاب المدير العام للأمن الوطني رسالة واضحة: الإنتربول ليس مجرد وكالة تنسيق، بل يجب أن يتحول إلى منصة ذكية تتقاطع فيها المعطيات والخبرات والقدرات لحماية أمن العالم.

إن التوقعات كبيرة، والمسؤولية أكبر، لكن وجود دول ملتزمة مثل المغرب يمنح هذا المسار زخماً وحيوية.

التعاون… منطق أخلاقي قبل أن يكون إجراءً أمنياً

وفي ختام كلمته، استحضر حموشي آية قرآنية تدعو إلى التعارف بين الشعوب، في تذكير بديع بأن الأمن ليس تراكماً لقواعد أو مساطر، بل قيمة إنسانية عليا، فالتهديدات تتبدل، لكن مبادئ بناء الثقة تبقى ثابتة: احترام، مشاركة، ومسؤولية مشتركة.

وفي عالم يشهد صعود النزعات الانغلاقية، وتكاثر الجدران السياسية والنفسية، يأتي خطاب مراكش كصيحة مضادة: لا يمكن للعالم أن يستمر في تشظّيه، ولا يمكن للأمن أن يبنى على أساس الخوف. التعاون هو لغة النجاة الوحيدة.

مراكش… مساحة للثقة وأفق للتفكير

لم تكن الجمعية العامة للإنتربول مجرد اجتماع دولي، كانت لحظة تأمل في مستقبل الأمن العالمي، ولحظة إدراك أن النموذج التقليدي لم يعد كافياً.

وقد تمكن المغرب من خلال قيادة هادئة وواثقة من تحويل هذا الحدث إلى فضاء يعاد فيه التفكير في معنى الأمن:

أمن قائم على الشراكة، لا الهيمنة.

أمن يستند إلى الذكاء، لا إلى القوة وحدها.

أمن يبنيه الجميع، ويحمي الجميع.

مستقبل الأمن الدولي قد يكون أقرب إلى مراكش مما نعتقد

في نهاية المطاف، ما جرى في مراكش ليس مجرد حدث عابر في رزنامة الإنتربول. إنه إشارة قوية إلى أن موازين الأمن تتغير، وأن الدول التي تستثمر في الثقة والتعاون والابتكار هي التي ستقود المرحلة المقبلة.

والمغرب، كما ظهر في خطاب حموشي، لا يطمح فقط إلى أن يكون طرفاً في المنظومة الأمنية الدولية، بل شريكاً في صياغة قواعدها الجديدة.

وفي عالم متوتر، متغير، هش… هذا الطموح ليس رفاهية. إنه مساهمة في حماية الإنسانية نفسها.