المقرمي يقدم رؤية جديدة لعروض الفراهيدي

الناقد اليمني يؤكد في كتابه "بعيدًا عن الخَيمَة.. قريبًا إلى النهْر.. رؤيةٌ جديدةٌ في إِيقاع الشعر العربي" أن الكتاب ليس مشروع خصومة مع الخليلِ بن أحمد الفراهيدي.


كانتْ لي مع علم العروض تجربةٌ بل تجاربُ مثيرةٌ كانتْ تقرّبني منه تارة، وتبْعدني عنه تارة أخرى


المنطق الإيقاعي الذي درجت عليه ألسنة الشعراء منذ مهد القصيدة وحتّى يومِ الشعرِ هذا هو الفيصل في مختلف قضايا الكتاب


إعادة النظر في المصطلحات الخليلية التي لا علاقة لها بالإيقاع، والتي انْـتُـزِعَتْ من البيئة البدوية القديمةِ بمسمّياتها الغريبة القاموسية

يفتتح الناقد اليمني د. عبدالغني المقرمي كتابه "بعيدًا عن الخَـيمَة.. قريبًا إلى النهْر.. رؤيةٌ جديدةٌ في إِيقاع الشعر العربي" مؤكدا أن الكتاب ليس مشروع خصومة مع الخليلِ بن أحمد الفراهيدي، ولا تمرد على علم العروض، ولكن رؤية تحمل إعادةُ قراءةٍ للخليلِ نفسه. وسرد دوافعه لذلك حيث قال "عشتُ علم العروض منذُ يفاعةِ سنِّي، وكانتْ لي معه تجربةٌ بل تجاربُ مثيرةٌ كانتْ تقرّبني منه تارة، وتبْعدني عنه تارة أخرى، وما بينَ التقريب والإبعاد كنتُ فضولا ملؤه التحدِّي والإصرار على اكتشاف مجاهل هذا العلم، والخوض في عبابه، والخروج بفائدةٍ تجعلُني أهزُّ رأسي أمام الخليلِ مُعجبًا ومستوعبًا، أو مدِّعيا لهذا الإعجاب وذلك الاستيعاب".
وأضاف في تقدمة كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر والترجمة "كانت علاقتي بالكتابة الشعرية دافعاً مهمّاً مضى بي إلى رحاب الخليل وعلمه "العروض"، فليس من المنطقي أن أكونَ شاعراً، وفي منْأى عن الخليل وعروضِه، ولقد قرّرتُ حينَها أن أكون قريباً منهما، فلم أجد كتابا ذا صلة ألا واشتريته، وكنت مع كل كتاب أشتريه أُصاب بخيبة ذابحةٍ، كانتْ تتنامى في روعي بما يشبه اليقين بأنَّ فهم الخليل عروضيا غايةٌ دونها خرْط القتاد. التقيتُ علمَ العروض لأول مرّة قبل ثلاثة عقود ونيف في معرضٍ من معارض الكتاب بصنعاء، وكان كتاب (ميزانُ الذهب في صناعة شعر العرب) للشيخ أحمد الهاشمي، هو عنوان هذا اللقاء، كما كان الصدمةَ الأولى التي تلقيتها في هذا الطريق الذي أصبح فيما بعد شاقًّا وطويلا، ومُثْـقلًا بالصدمات، واستقرَّ في روعي يومئذٍ أن هذا الكتاب بطبعتِه الشعبيةِ وخطوطِه الباهتةِ وأوراقِه الصفراءِ هو علمُ العروضِ ذاتِه، فاجْـتاحني شعورٌ بالخيبة، وشعرتُ بأنّني وأنا أسْتنفذُ جهدي عبثا في الوقوف على معالم العروض كمن يحاول اقتحام عالمٍ أسطويٍّ محاطٍ بالطلاسم والألْغاز.

الهاجسَ التعليمي شغل الفصلَ الثالثَ بتقسيماتِه المختلفة، وهو هاجسٌ نما واستوى من خلال دوراتِ عروضيّةٍ عديدةٍ أقامها المؤلّف

وأكد المقرمي أن هذا الشعور تضاعف في نفسه وأصبح غابات مهولة من اليأس والإحباط حين دلفتُ إلى دهاليز هذا الكتاب مع أحد العارفين بأسراره، فوجدتُ نفسي غريبَ الوجهِ واليدِ واللسان، وغرقتُ في مصطلحاتٍ بدوية لا حصرَ لها أقنعـتْـني بصورة أو بأخرى بأنَّ هذا العلم مادةٌ متحفيَّةٌ قادمةٌ من خيمةٍ خَلِقَةٍ رثَّـة تنْتابها رياح البِلى والقِدم في مكان مجهول من صحراء الربع الخالي. ولم أكدْ أفيقُ من صدمتي الأولى حتى تلقيتُ الثانية، حين اقتنيتُ كتاب "العقد الفريد" لابن عبدربه الأندلسي، وكان العروضُ هناك بنفس المصطلحات، وبنفس المنهجية، وزاد على ذلك أنَّ عِـقْـدَ الأندلسيِّ أُثْقِل بالدوائر العروضية، فزادتْ دوائرُ الحيرة اتّساعًا، ولمْ يبقَ أمامي يومها غيرَ أنْ أعْـلِنَ تراجعي خطوةً بل خطواتٍ عمّا أسميتُـه سلفًا تحدِّيًا وإصرارا، أو فضولا ملؤه التحدِّي والإصرار.. واكتفيت بالنظر إلى عروض الخليل شزراً ومن زاويةً خفيّـة.. وبعيدة.
وقال "مع هذا فقد ظلّتْ علاقتي بالقصيدةِ في الوجْـهةِ الأخْـرى حميميَّـة لا يُمازج صفوها كدرٌ، وكنتُ كلما كتبتُ نصًّا شعريًّا عرضتُـه على بعض أساتذتي؛ فأجدُ ترحيبًا وتشجيعًا، دونَ أدنى إشارةٍ إلى المعمار العروضي للنصِّ، وذلكَ غايةُ ما كنتُ أشتهيه. غير أنَّ العروضَ أبى إلا أن يكونَ لي بالمرصاد، حين أصبحَ مقرَّرا دراسيًّا لا يمكنُ التنحِّي عنه أثناء دراستي الجامعية، وكان امتعاضي شديدا بالعودة إليه، وشعرتُ يومَـها بأنّي أُساقُ مُكْرَها إلى خرابةٍ بالية مهجورة، فحاولتُ التخفيفَ عن نفسي من هذا المصاب الجلل بإقناعها بأن طبيعة الدراسة الجامعية لاشكَّ ستعملُ على إخراجي من (فوبيا العروض) إلى قدْرٍ من التعاطي الممتع بما في هذه الدراسة من تعدُّد المراجع والمصادر، وتخصُّص القائمين على التدريس، وما إلى ذلك من خصائصِ المنهج الجامعي".
ولفت المقرمي إلى أن الصدمة الكبرى كانت حين وجد العروضَ في أرْوقة الدراسة الجامعية هو.. هو.. لم يتغيرْ من ملامحِـه شيءٌ، كما أن الكتبَ والمراجعَ الكثيرةَ التي كنتُ أعودُ إليها لم تأتِ بجديد، بل إنها تعيدُ إنتاج المشكلة بأغْلِفةٍ جديدة، ويستنسخُ بعضُها بعضًا مصطلحًا ومنهجية، بل شواهدَ شعريةً، وكانَ الهاشمي موجودًا في كلِّ هذه المراجع تقريبًا، وشعرتُ بأنني بين هذه المراجع المتناسخة كتائه ضال تحيط بهِ أكوام الرمال المتشابهة، ولا يهتدي إلى الخروج سبيلا. ولأنَّه لا بدَّ مما ليس منه بدّ؛ فقد عكفتُ على هذا العلم وحفظتُ كل مصطلحاتِه تقريبًا، وكان أن تجاوزتُ هذا المقرَّر الجامعي بسلام، ولم تكد تمضي فترة وجيزة بعد ذلك حتى تبخَّرتْ هذه المصطلحات من ذهني، وأصبحتْ في خبر كان، وكنت أعتقد في قرارة نفسي أنَّ الشكوى المريرة التي يبثُّـها الطلابُ من هذه المادة لا بدَّ أن تجد صدى، خاصة أن علوما عديدة من علوم العربية داخلها التجديد والتطوير، ومن ثم فإنَّ محاولة تجديد العروض وتبسيطه قادمة لا محالة، أو هكذا كنت أزجي الترجّيات.
وأشار إلى أنه تحقَّقَ له بعضُ ما كان ينشدُه، ووجد غايته ليس صورةً مكتملةً في كتاب، إنِّما في إشاراتٍ متفرِّقة توزَّعها عدد من المصادر النقدية الحديثة، "قرأتُ للشاعرة العراقية نازك الملائكة في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) ما أثلج صدري على قلته وعدم بلوغه الغاية، ولو لم يكن فيه غير الدعوة إلى تجديد معالم هذا الفن لكفى، واطّلعتُ على ما بسطه كلٌّ من د. إبراهيم أنيس في كتابه (موسيقى الشعر)، ود. محمد مندور في كتابه (الميزان الجديد)، ود. محمد طارق الكاتب في كتابه (موازين الشعر العربي)، ود. كمال أبوديب في كتابه (في البنية الإيقاعية للشعر العربي: نحو بديل جذري لعروض الخليل، ومقدمة في علم الإيقاع المقارن)، ورغم الوثبات الكبيرة التي حقَّقها هؤلاء وغيرهم فإن ما يمكن قوله عن هذه المؤلفات وما شابهها أن بعضها يأتي في سياق الحديث العابر، لا البناء المنهجي المتكامل كما فعلتْ نازك الملائكة، وبعضُها يربط علم العروض بالرياضيات والأرقام، كما فعل د. محمد طارق الكاتب، وبعضها يتناول العروض بمصطلحات أجنبية، ويُفنّد قضاياه في ضوء الدراسات اللغوية الغربية، كما فعل د. كمال أبوديب الذي جاء كتابُه المذكور أكبر الكتب حجما في هذا المجال". 

prosody
التحدِّي والإصرار 

ورأى المقرمي أن التجديد الحق في هذا العلم لا يتم إلا بتجريده من كل الحشائش التي تحجب عنه أشعة الشمس، وبإعادته إلى أسلوبه البسيط العفوي الذي وُلد عليه، وبتجديد مصطلحه تجديدا يقربه إلى علم الإيقاع والموسيقى بلفظ عربي مبين.
وأكد أن كتابه هذا ليس ادِّعاء بسبق علمي، ولا زعما بتقديم رؤية مغايرة للعروض الخليلي، ولكنه محاولةٌ جادة للمْلمةِ جهودِ إخراجِ هذا الفنِّ الشائق من خيمتِه البالية، والسعي به نحو النهر الدافق، وقراءةٌ لرؤية الخليل نفسه من زاوية أخرى بلغة العصر بغية التسهيل والتبسيط.
ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسين: يناقش الأولُ منهما العروض الخليلي في ضوء آراء كبار العروضيين القدامى والمعاصرين، بينما يقدّم القسم الثاني رؤية جديدة في علم العروض تقوم منهجيتها على أمور ستة أجملها المقرمي فيما يأتي:
أولا: إعادة ترتيب المباحث العروضية، ترتيباً ديناميكيا توالديًّا، يفضي السابقُ منها إلى اللاحق، والبسيط إلى الصعب، والمفرد إلى المركّب، والمعلوم إلى المجهول، بشكل هرمي، يبدأ بسيطاً ثم يتّسعُ كلما اتَّجهَ إلى العمق. في ضوء معطياتٍ نظرياتِ التعلُّم الحديثة، وبما يتناسب مع طبيعة علم العروض مع التمهيد لذلك بمقدِّمة توضِّحُ مفهومَ الإيقاع وعلاقته بالحركة والسكون، ومواضع كلٍّ منهما، وماهيّة الخط العروضي، وعلاقته بالمنطوق من الحروف، وبما يفضي إلى بسط الحديث في المكوّن العروضي، في مستوياته الثلاثة: الأصغر والأوسط والأكبر، مع الحرص الشديد على وضع القضايا المتّصلة بهذه المباحث كالزحاف والعلل والضرورات الشعرية كلًّا في موضعها، وصولا إلى البحور الشعرية وترتيبها بحسب المنطق الإيقاعي التوالدي بدءا بالبحور أحادية التفعيلة، ثم بالثنائية منها، ثم بالثلاثية.
ثانيا: إعادة النظر في ضوء المنطق الإيقاعي في كثير من القضايا العروضية المهمة، ابتداءً بالأسباب والأوتاد والفواصل، مرورا بالتفاعيل العروضية والزحافات والعلل، وانتهاء بالبحور الشعرية، سعيًا وراء حذف المكرّر واللاوظيفي منها، وضم المتماثلاث منها في نسقٍ واحد، واستنتاج أشكال جديدة، كانت غائبة عن المشهد العروضي، أسهمتْ في تقديم تفسيراتٍ جديدةٍ ومهمّةٍ لبعضِ الظواهر العروضية، وفي حلِّ كثير من المعضلاتِ التي عانى منها علمُ العروض، وفي فضِّ الاشتباكِ بين مباحث عديدة ظلّت تعاني من التداخل، كما أسهمتْ في إعادة تعريف كثير من المصطلحات العروضية وفق المنطق الوظيفيِّ لها. 
وضمنَ هذا السياق أعيدَ النظرُ في التفاعيل العروضية كمًّأ ونوعاً، وتقديم سياقٍ إيقاعي، يمنح الشعر أنساقًا وزنيةً خاصة به، بعيدًا عن هيمنةِ علم الصرف، وبما يقرِّبه من جهودِ الحَوْسَبَة التي تجري في الراهنِ على قدمٍ وساق في مختلف العلوم والفنون.

إعادة ترتيب المباحث العروضية، ترتيباً ديناميكيا توالديًّا، يفضي السابقُ منها إلى اللاحق، والبسيط إلى الصعب، والمفرد إلى المركّب، والمعلوم إلى المجهول، بشكل هرمي

ثالثا: إعادة القافية إلى أحضان العروض، هروبًا من النزعة التفتيتية التي فصلتْ كلا منهما عن الآخر، مما أتاح إعادة قراءة العلل العروضية قراءة جديدة، تتّسم بالوضوح والبساطة، كما أتاح تنقية القافية من كلِّ تلك المباحث المصطنعة التي جعلتْ منها مبحثًا مثقلا بقضايا زائدة ليس منها نفع.
رابعا: إعادة النظر في المصطلحات الخليلية التي لا علاقة لها بالإيقاع، والتي انْـتُـزِعَتْ من البيئة البدوية القديمةِ بمسمّياتها الغريبة القاموسية، وتقديم مصطلحاتٍ سهلةٍ مأنوسةٍ ذاتِ علاقة بالإيقاع، يسهلُ فهمُها واستيعابُها، مع الحرصِ الشديد على التقليل من هذه المصطلحات، وتوحيد الظاهرة العروضية المكرَّرة في مصطلحٍ واحدٍ خروجاً من التوهان الاصطلاحي الذي عانى منه هذا العلم كثيرا.
خامسا: اعتبار المنطق الإيقاعي الذي درجت عليه ألسنة الشعراء منذ مهد القصيدة وحتّى يومِ الشعرِ هذا هو الفيصل في مختلف قضايا الكتاب، وعدم الالتفاتِ إلى الشواهدِ الشعريةِ المجهولةِ التي تمثلُ خروجًا عن القاعدة الإيقاعيّة. وكذا التخلّص من الشواهدِ العروضيةِ المبتورةِ التي تناسختْـها المصادرُ العروضيةُ قرونًا من الزمان، والاعتماد على نصوص مختارةٍ من عيونِ الشعرِ العربي قديمِه وحديثِه، والتي يجد فيها الدارس متعةَ البيانِ متساوقةً جنبًا إلى جنْبٍ معَ متعةِ الإيقاع.
سادسا: ترك البابِ مفتوحاً أمام كلِّ الإضافاتِ الرائعةِ التي تُزهر في حقل النصِّ الشعري الجميل، والتي تمثِّل إضافات حيّةً ومدْهِشَةً، وتفتحُ المجالَ لآفاقٍ إيقاعيّةٍ جديدةٍ، تقومُ على أُسُس علميّةٍ ثابتة.
وإذا كان الهاجسُ التنظيري قد شغل الفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب؛ فإن الهاجسَ التعليمي قد شغل الفصلَ الثالثَ بتقسيماتِه المختلفة، وهو هاجسٌ نما واستوى من خلال دوراتِ عروضيّةٍ عديدةٍ أقامها المؤلّفُ، واستفاد منها في تهذيب وتشذيبِ كثيرٍ من القضايا، خلال عقدين ونيّف من الزمان.