المنطقة تترنح على صفيح ساخن

تسعى إسرائيل من جهة وحركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان وإيران من جهة أخرى لتغير قواعد الاشتباك وزعزعة توازن الردع القائم ضمن معادلة الصراع.


وضعت إسرائيل إستراتيجية أمنية جديدة، تتناسب مع التطورات التي لحقت بالمعارك


امتلاك حركة حماس وحزب الله لترسانة الصواريخ غير شروط اللعبة العسكرية في المنطقة

اعتمدت إسرائيل منذ نشأتها على عقيدة أمنية قوامها القوة النوعية الكبيرة والقدرة الاستخبارية العالية، والتي تضمن لها شن حروب "خاطفة حاسمة" بعيدة عنها، أي سريعة لا تستغرق الكثير من الوقت، ومدمرة تقضي على أعدائها بالضربة القاضية، كما حدث في حربي عام 1948 وعام 1967. ومكنت هذه العقيدة الأمنية إسرائيل من الحفاظ على حالة من توازن القوى مع أعدائها، والذي يميل لصالحها، والمحافظة على استمرار هذه الحالة من التوازن بعد حروبها الحاسمة معهم، من خلال ردعهم بضربات إنتقامية عنيفة خاطفة وقد تكون متكررة، تحبط بحسم أي تحدي أو خرق أمني من قبلهم، والذي بدا بشكل ظاهر في استخدام القصف الجوي العنيف والمتكرر. وتتضح عمليات الانتقام في الرد على مصادر النيران لردعها وأيضاً استهداف المدنيين العزل لارهابهم، كما بدا ذلك واضحاً في  قصف القوات المصرية خلال خمسينات وستينيات القرن الماضي والحدود اللبنانية خلال سبعينياته، وفي معاقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يقومون بعمليات فدائية، وكذلك بقصف المدنيين العزل في لبنان وغزة، في إطار ردودها الانتقامية. تناسبت عقيدة إسرائيل الأمنية الماضية مع عدد من العوامل التي صاحبت نشأة إسرائيل على رأسها أنها تعيش في بيئة معادية، يحيط بها الأعداء من جميع الجهات، الأمر الذي أفقدها للعمق الاستراتيجي، ناهيك عن فرق القوة العددية الذي يميل بقوة لصالح العرب. وعلى الرغم من عدم تبدل تلك العوامل نظرياً، الا أن العقيدة التي تقوم عليها إستراتيجية إسرائيل الأمنية تآكلت تدريجياً ولم تعد قائمة، رغم حفاظها على امتلاك عنصريها الرئيسيين المتمثلين بالقوة العسكرية النوعية الكبيرة والقدرة الاستخبارية العالية.

غير امتلاك الترسانة الصاروخية، غير المكلفة نسبياً، رغم دقتها في التصويب وفعاليتها في إحداث الضرر وصعوبة تحديد مصدرها وسهولة الحصول عليها أو حتى بنائها وتصنيعها، من معادلة القوة في الحرب وحسم المعارك. وكانت حرب رمضان مع مصر عام 1973 أول حرب تواجه فيها إسرائيل أخطار إمتلاك عدوها لترسانة صاروخية، والتي عجزت خلالها إسرائيل من تحقيق النصر بالضربة القاضية كما اعتادت من قبل. لم تحقق صواريخ مصر نوعا من التوازن مع القوة العسكرية الجوية الإسرائيلية المغيرة، بل أعاقت أيضاً التقدم البري للدبابات، حيث وصف عيزر وايزمان تلك الصواريخ بأنها هزمت الردع الإسرائيلي. وجاءت إستعانة مصر بالترسانة الصاروخية في أعقاب هزيمة عام 1967، حيث إستخدمت في البداية صواريخ سكود الروسية، لمواجهة القوة الجوية الإسرائيلية. وفي حرب لبنان الثانية عام 2006، واجهت إسرائيل مرة أخرى تحدي ترسانة صواريخ حزب الله، فعجزت أيضاً عن حسم نتائج المعركة.

وضعت إسرائيل إستراتيجية أمنية جديدة، تتناسب مع التطورات التي لحقت بالمعارك، والتي بات من الصعب حسمها بالضربة القاضية كما أنها لم تعد بعيدة عن جبهتها الداخلية، تقوم على تحييد قدرة العدو واحباط مساعيه لتعزيز قوته، بضربات إستباقية. ونشر جيش الاحتلال توضيح لعقيدته أو استراتيجيته الأمنية الجديدة عام 2015، والتي ارتبطت بظهور ترسانة الصواريخ المعادية، مستحدثاً فيها مصطلح "الحملة بين الحروب"، والتي تعني الضربات الاستباقية، التي تسعى لعرقلة تأسيس بنية تحتية عسكرية للعدو وإحباط أي تهديد من قبله، بهدف تأخير نشوب حروب شاملة. ورغم أن الضربات الاستباقية ليست جديدة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فقد استخدمت قبل هذا العام كثيرا ضد أهداف فلسطينية، بحجة "نيتها شن هجوم" على إسرائيل، الا أن ما باتت تقصده إسرائيل بها اليوم يستهدف إيران وحلفائها في المنطقة، ويركز على الجبهة السورية، وعلى أهداف نوعية معينة، تستبعد استهداف المدنيين كعملياتها الانتقامية.

تبلور التحرك الإسرائيلي المبني على استراتيجيتها الأمنية الجديدة في الساحة السورية بعد وصول دونالد ترامب الرئيس الأميركي السابق الى الحكم، وبات التنسيق لضرب أهداف في سوريا والعراق في أعلى مستوياته. واستثمرت إسرائيل الاتفاق الذي وقعته كل من الأردن وروسيا والولايات المتحدة نهاية عام 2017، لتأسيس منطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا، لاستهداف البنية التحتية لايران وحلفائها في سوريا. نفذت إسرائيل المئات من الهجمات على أهداف عسكرية في الأراضي السورية، سواء كانت سورية أو إيرانية أو قوافل أسلحة متجهة إلى حزب الله، في إطار ما اعتبرته "خطوطا حمراء"، ممثلة في منع نقل السلاح إلى حزب الله في لبنان، ومنع أي عمل عسكري ينطلق من الجولان، وإحباط ما تصفه إسرائيل بالتموضع العسكري الإيراني في سوريا. وزاوجت إسرائيل بين ضرباتها المشددة ضد تلك الأهداف سابقة الذكر نهاية العام الماضي مع تحركات دبلوماسية دولية تدعو لإخراج القوات الإيرانية من سوريا، كي تمنع بناء بنية تحتية عسكرية في سوريا، تعتمد في أساسها على ترسانة الصواريخ، المهددة للجبهة الداخلية الإسرائيلية، والشبيهة بتلك الموجودة اليوم في لبنان وغزة.

إن امتلاك حركة حماس وحزب الله لترسانة الصواريخ غير شروط اللعبة العسكرية في المنطقة، اذ بات بمقدرة الحركتين عبر الهجوم الصاروخي خلق تهديد واسع المدى وطويل المدة للجبهة الداخلية الإسرائيلية الهشة، والتي ليست معتادة على مثل هذه التهديدات، كما أن قدرتها على تحملها مشكوك فيها، خصوصاً في ظل الانخفاض الملحوظ في عدد اليهود المقيمين في غلاف قطاع غزة. ولا يمكن القضاء على الترسانة الصاروخية لحزب الله وحركة حماس بعمليات القصف الجوي، والذي تلجأ اليها إسرائيل في حروبها معهما اليوم، أي بالضربة الخاطفة الحاسمة، كحروب الماضي، اذ تحتاج إسرائيل لخوض معركة برية لتحقيق ذلك. وهو الأمر الذي يبدو مستبعداً في إسرائيل، التي تستصعب خوض معارك طويلة زمنياً ومكلفة بشرياً، على الجبهتين الداخلية الإسرائيلية والجبهة الفلسطينية واللبنانية، ومكلفة سياسياً على المستوى الداخلي الانتخابي والدولي، وغير مضمونة النتائج، اذ تؤكد مدرسة أمنية مركزية في إسرائيل اليوم أنه من الصعب حسم النصر.

لجأت إسرائيل إلى التعامل مع حزب الله وحركة حماس من خلال استراتيجية لضبط الصراع، من خلال تفاهمات وعقد هدنات أو إتفاقيات، ترجمت بتفاهماتها الضمنية مع حزب الله والتي منعت اشتباك الطرفين منذ عام 2013، وباتفاقات الهدنة مع حركة حماس في أعقاب حروبها معها، ضمن قواعد إشتباك محددة، تفرضها الظروف والمعطيات القائمة. إن امتلاك الترسانة الصاروخية لدى حركة حماس أو حزب الله والتي باتت تشكل قوة ردع مهمة تتصدى لقوة ردع إسرائيل، وتخلق حالة من توازن الردع في المنطقة، يفسر حالة التصعيد المحسوب الذي تلجأ اليه حركة حماس وحزب الله، وحالة ضبط النفس التي تتبناها إسرائيل، والتي تحكم عمليات إسرائيل الانتقامية والاستباقية في غزة ولبنان، وتميل في العموم إلى عدم الوصول إلى حالة الحرب، خصوصاً في ظل عدم قدرتها على الحسم. وسواء كانت الضربات إنتقامية أو إستباقية، فانها ضربات محسوبة، لا تسعى لفتح جبهة قتال جديدة أو الحاق هزيمة آنية بالطرف الآخر، مع ضمان عدم التعرض لمخاطرة كبيرة أو حاجة لتعبئة عسكرية كالحروب، الا أنها قد تخرج أحياناً عن السيطرة، كما انتهت الغارات الإسرائيلية المحدودة إلى حرب لبنان الثانية وفي غزة أيضاً إلى حروب واسعة.

جاء الاشتباك الأخير بين حزب الله وإسرائيل على الحدود الجنوبية للبنان مطلع الشهر الجاري في إطار محاولات إسرائيل لتغيير قواعد الاشتباك مع حزب الله، مستغلة الظروف السياسية والاقتصادية المعقدة التي تعيشها لبنان. جاء ذلك من خلال شن إسرائيل هجوم عسكري جوي، لأول مرة منذ عام 2013، رداً على اطلاق صواريخ مجهولة الهوية على إسرائيل، وهي ليست المرة الأولى التي يطلق فيها صواريخ على إسرائيل من لبنان ضمن ذات المعطيات. الا أن حزب الله قوض محاولة إسرائيل، عندما رد بشكل صارم على القصف الجوي الإسرائيلي، باطلاق 19 صاروخ باتجاه إسرائيل، محافظاً على توازن الردع القائم بين الطرفين على الجبهة اللبنانية. وكما هو واضح من هذه المعركة القصيرة، أن كل طرف تجنب الحاق أضرار بشرية أو مادية جسيمة بالطرف الآخر، الأمر الذي يعكس عدم رغبة الطرفين لتحويل عمليات الانتقام إلى حرب واسعة.

من هنا يمكن أن نفهم السر وراء إعلان حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله عن انطلاق سفينة الوقود الإيرانية إلى لبنان قبل أيام في محاولة لتطوير قواعد الاشتباك مع العدو، بعد أن كانت مثل هذه الامدادات الإيرانية تصل فقط إلى سوريا. ويستغل حزب الله عدة عوامل لإحداث هذا التطور على رأسها ضعف وهشاشة الحكومة الاسرائيلية الحالة على المستوى الداخلي وفي إطار علاقتها مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى حالة الحصار الغربي الذي يعاني منه لبنان اليوم، اذ يعد ذلك التحرك اختراقا لكسر هذا الحصار، كما يسترشد الحزب برد فعل إسرائيل الانتقامي المنضبط على الحدود الجنوبية مطلع الشهر الجاري، وحيثيات حرب غزة الأخيرة. وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها حزب الله تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل، اذ سعى لتغييرها عندما أعلن مطلع شهر سبتمبر عام 2019، عن تدمير آلية عسكرية إسرائيلية على الجهة المقابلة من الحدود الجنوبية للبنان؛ رداً على مقتل اثنين من عناصره نهاية الشهر السابق في غارة إسرائيلية قرب دمشق، الا أن هذه المحاولة الان تضع إسرائيل في حرج حقيقي، ونجاح حزب الله في تغيير قواعد الاشتباك، سيعني ترسيخ اعتبارات جديدة ستؤثر حتماً على معادلات الصراع في المنطقة لصالح حزب الله.

أما فيما يخص حركة حماس، فقد تحددت حدود قواعد الاشتباك بين إسرائيل والحركة في إطار الاعتداءات المتبادلة داخل غزة وغلافها المحتل، وحاولت حركة حماس تغيير قواعد الاشتباك تلك في الحرب الأخيرة مع إسرائيل في يونيو الماضي، عندما هددت بأن الاعتداء على الأقصى في الضفة الغربية سيفتح جبهة الصراع بينها وبين إسرائيل. ولا تخرج ضغوط إسرائيل الحالية على حركة حماس في أعقاب الحرب الأخيرة، والتي ألفناها في حروب سابقة، عن الإطار المحسوب، حيث أنها تفرض عقوبات على الحركة وفي نفس الوقت تقدم لها تسهيلات في سبيل جني أكبر فائدة ممكنة، في إطار عمليات المساومة بين الطرفين، ضمن الوساطة المصرية. في المقابل، وفي إطار معادلة توازن الردع، تقوم حركة حماس بتصعيد محسوب لتحسين شروط الهدنة، بعد فشل مساعي مصر بترسيخ تهدئة تحسين شروط الحياة في غزة. ورغم تأكيد الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني عدم الرغبة في الانزلاق إلى جولة حرب جديدة، فالرد الإسرائيلي على التصعيد الفلسطيني الأخير ما زال محدوداً، الا أن ذلك الانزلاق ممكن جداً.