عن إعادة ضبط مصطلحات الحرب ووسائلها

إسرائيل لا تحارب الفلسطينيين فقط باحتلال أرضهم وتغيير واقعها، بل أيضًا بسحق إنسانيتهم وانتهاك كرامتهم لتدمير الإنسان الفلسطيني، وهو ما تثبته الممارسات السابقة.

بعد مواصلة الاحتلال تسليم مئات الجثامين لفلسطينيين قُتلوا تحت التعذيب، وقد وُجدت عليها عصبات للعيون وقيود للأطراف وعلامات تعذيب ورصاصات قاتلة، إلى درجة فقدان بعضها الملامح واضطرار السلطات لدفنها كجثامين مجهولة الهوية، بات من الواجب فتح ملف اختطاف الفلسطينيين من غزة، وتعذيبهم وقتلهم، والتحرك العاجل بجميع الوسائل المتاحة لإنقاذ عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

لم تكن مشاهد القتل الدموي بحق أسرى الحرب الفلسطينيين تحت التعذيب وحدها ما هزّ مشاعر الفلسطينيين، بل أيضًا روايات المختطفين المدنيين الذين أفرجت عنهم سلطات الاحتلال بعد تأكدها من عدم ارتباطهم بقوات المقاومة الفلسطينية. يخضع هؤلاء المدنيون لأهوال من التعذيب وانتهاكات للكرامة والإنسانية والشرف، في مجتمع شرقي محافظ، وبوسائل تذهل العقل وتسحق الروح بفعل شناعتها. وقد كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن أحد معسكرات التعذيب تحت الأرض، فيما فضحت إفادات عدد من المدنيين الذين سُمِح لهم بالعودة إلى غزة وجود معسكرات تعذيب أخرى.

تتحكم إسرائيل بمصير آلاف المدنيين والعسكريين الذين اختفوا من غزة ومحيطها، من دون الإبلاغ عن أسمائهم أو أعدادهم الحقيقية، ولا تسمح بزيارتهم، وفق تأكيدات الصليب الأحمر الذي لم تمكّنه سلطات الاحتلال من زيارتهم. ويُعدّ ذلك جريمة اختفاء قسري وتعذيبًا لأشخاص محميين وفق القانون الدولي، سواء كانوا من أسرى الحرب العسكريين أو من المدنيين الذين اختطفهم جيش الاحتلال خلال المعارك في أرض محتلة، تخضع لتنظيم قواعد اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949 وبروتوكوليهما لعام 1977.

عمدت إسرائيل إلى تعديل قانونها المحلي بعد أحداث السابع من أكتوبر قبل عامين، بما يمكّن سلطات الاحتلال من تمديد مدة الاعتقال والتحقيق قبل المثول للقضاء. وأكد عدد من المحامين الإسرائيليين الذين سُمح لهم بزيارة السجون خلال فترة الحرب الأخيرة أن كثيرًا من المعتقلين مدنيون، وتُمدد فترات اعتقالهم في جلسات قصيرة تُعقد عبر الفيديو، من دون حضور محامين.

يأتي ذلك في ظل نظام قانوني إسرائيلي عنصري، يتنكر لواقع الاحتلال للأراضي الفلسطينية الذي يقرّ به العالم أجمع بمحاكمه الدولية ومنظماته العالمية واعترافات الغالبية العظمى من دوله. وقد أدرج الاحتلال مصطلح "مقاتل غير شرعي" في قوانينه عام 2002، لحرمان المقاومين الفلسطينيين المنتمين إلى حركات تحرر فلسطينية مسلحة من الحماية التي وفرها لهم القانون الدولي في اتفاقية جنيف الثالثة وبروتوكولها الأول، وهو إجراء إسرائيلي فردي لا ينسجم مع قواعد القانون الدولي والتزاماته التعاقدية والعرفية. كما يعمل الكنيست حاليًا على إجراء تعديلات قانونية توسّع من صلاحيات اعتقال الفلسطينيين، وتقرّ تشريعات تسعى إلى شرعنة إعدامهم، في ظل منظومة قانونية داخلية تتنكر لواقع الاحتلال وتتحدى القواعد الدولية الحاكمة للأراضي الفلسطينية المحتلة.

لا تحارب إسرائيل الفلسطينيين فقط باحتلال أرضهم وتغيير واقعها، بل أيضًا بسحق إنسانيتهم وانتهاك كرامتهم لتدمير الإنسان الفلسطيني، وهو ما تثبته الممارسات السابقة. وتواصل إسرائيل كذلك حربها ضد الفلسطينيين إعلاميًا وعالميًا عبر قلب الحقائق وتبديلها، وبثها للعالم وفق روايتها ومنطقها. ويتبنى العالم الغربي، خصوصًا الولايات المتحدة، تلك الرواية والمصطلحات بوعي كامل. فقد اعتبرت إسرائيل أن الإسرائيليين الذين احتُجزوا في غزة، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين — مع العلم أن معظمهم عسكريون، حيث يخدم غالبية الإسرائيليين في الجيش — هم "رهائن"، لإضفاء الطابع الإنساني على قضيتهم وجلب التعاطف الدولي، بينما تصنف سلطات الاحتلال الفلسطينيين، مدنيين كانوا أم عسكريين، على أنهم "معتقلون" أو "سجناء أمنيون"، لتحرمهم بذلك من الحقوق التي كفلتها القواعد الدولية ولتنزع عنهم التعاطف العالمي.

قد يكون التزام الإعلام الإسرائيلي، وحتى مراكز حقوق الإنسان الإسرائيلية، باستخدام المصطلحات الرسمية مفهوماً في وصف حالات الأسر والاحتجاز خلال الحرب الأخيرة، في إطار المقارنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن ما يثير الاستغراب هو التزام الإعلام الغربي، خصوصًا الأميركي، بهذه التصنيفات الإسرائيلية. فبعد مراجعة وتتبع تغطية عدد من الصحف الأميركية الكبرى لقضايا الأسر والاحتجاز لدى الجانبين، يتبين التزامها التام بالمصطلحات الإسرائيلية؛ إذ تُطلق صفة "الرهائن" حصريًا على الإسرائيليين في غزة، بينما يُحظر استخدام صفة "أسير الحرب" على المقاتلين الفلسطينيين، كما نادرًا ما يُستخدم وصف "الاعتقال التعسفي" بحق المدنيين الفلسطينيين، ويُكتفى غالبًا بتوصيفهم بالمعتقلين أو المحتجزين أو حتى "الإرهابيين".

ولم يقتصر التمييز على المصطلحات، بل شمل أيضًا حجم التغطية وطبيعتها؛ إذ غطّت أكثر الصحف الأميركية ليبرالية وتعاطفًا مع الفلسطينيين أخبار المحتجزين الإسرائيليين في غزة بنسبة تزيد بثلثين عن تغطيتها لأخبار أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين الفلسطينيين، فيما بلغت النسبة نحو 90 في المئة في الصحف المؤيدة لإسرائيل مثل نيويورك تايمز. أما من حيث طبيعة التغطية، فقد حرصت تلك الصحف على إضفاء الطابع الإنساني الفردي على حالات احتجاز الإسرائيليين، بينما تناولت قضايا الأسر والتعذيب والقتل بحق الفلسطينيين بشكل جماعي سطحي مقتضب، يركّز على الأعداد والنسب وفق تقارير أممية أو حقوقية.

خلاصة القول، إن الحرب مستمرة ومتصاعدة بلا هوادة، وحرب المصطلحات لا يمكن إغفالها ضمن هذا السياق. لذلك، فإن ما يحدد مصطلحات الفلسطينيين ليس القانون وحده، بل أيضًا الهدف السياسي. ويبدو أن ضبط المصطلحات بات ضرورة ملحة في ظل صراع البقاء القائم، كما أن الكشف عن الجرائم التي تُرتكب بحق الأسرى الفلسطينيين من خطف وتعذيب وقتل يُعد واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا لا يحتمل التأجيل.