لا شرعية لترامب في غزة ولا لـ "مجلس السلام"
في السابع عشر من تشرين الثاني الماضي، أقرّ مجلس الأمن الدولي مشروع قرار تقدّمت به الولايات المتحدة الأميركية بشأن قطاع غزة. ويؤسس القرار، الذي يحمل رقم 2803، لإنشاء "مجلس السلام" بصفته إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، تضطلع بوضع الإطار وتنسيق التمويل لإعادة تطوير غزة، وذلك إلى أن تُتمّ السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مُرضٍ، وبما يمكّنها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعّال.
وحدد القرار رئاسة المجلس بالرئيس ترامب. ويربط القرار استئناف المساعدات الإنسانية بالتعاون مع مجلس السلام ومن خلال المنظمات المتعاونة، كالأمم المتحدة. كما يأذن القرار للدول الأعضاء المشاركة في مجلس السلام بالدخول في الترتيبات اللازمة لتحقيق أهداف الخطة، بما في ذلك الامتيازات والحصانات لأفراد القوة المنشأة، وإنشاء كيانات تشغيلية تتمتع بسلطات تصرّفية لتنفيذ وظائفها، من بينها لجنة فلسطينية غير سياسية من سكان القطاع تتولى مسؤولية التسيير اليومي للخدمة المدنية والإدارة في غزة تحت إشراف مجلس السلام.
ويأذن القرار لمجلس السلام بإنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة تحت قيادته، تُسهم فيها قوات من الدول المشاركة، إلى جانب قوة شرطة فلسطينية جديدة مُدرَّبة ومُدقَّق في أفرادها، للمساعدة في تأمين المناطق الحدودية واستقرار البيئة الأمنية في غزة عبر ضمان نزع السلاح في القطاع.
ويشير القرار إلى أن تمويل الكيانات التشغيلية سيتم عبر مساهمات طوعية من الجهات المانحة، ومن آليات تمويل مجلس السلام، ومن الحكومات. ووفق القرار، سيظل الحضور المدني والدولي لمجلس السلام مستمراً حتى نهاية العام 2027، ورهناً بأي إجراء لاحق من قِبل المجلس.
إن مجلس السلام، الذي أشير إليه في القرار الأممي رقم 2803، ليس هيئة دولية ذات شخصية قانونية؛ فقد تشكّل بقرار فردي أميركي، وليس إدارة انتقالية مفوّضة ومحايدة، لأنه يعكس مصالح الولايات المتحدة وأهدافها.
كما أنه ليس احتلالاً رسمياً، لأنه ينسّق ويدعم وجود وأهداف احتلال آخر هو الاحتلال الإسرائيلي. ويخلق وجود هذا المجلس منطقة قانونية رمادية تتجاوز ما هو متعارف عليه قانونياً، وكأنه كيان فوق القانون، يستمد مكانته من قوة الولايات المتحدة، ويضعف فرص الفلسطينيين في إدارة بلدهم ورسم مستقبلهم.
ويطرح ذلك عدداً من الأسئلة: هل تتوافق السلطة الانتقالية وفق القرار الأميركي مع شروط الانتقال المشروع أم تُعدّ شكلاً من فرض سلطة خارجية على مجتمع خاضع للاحتلال، على غرار تجربة العراق عام 2003؟ وهل يمكن لقوة احتلال أو دولة راعية له أن تمنح كياناً فوق محلي كمجلس السلام صلاحيات دستورية داخل أرض محتلة؟ وهل يعمل القرار على إعادة إنتاج سلطة الاحتلال بصيغة مؤسساتية جديدة؟
ويُلفت ذلك النظر أيضاً إلى مخاطر بنيوية مثل إمكانية تكريس وصاية سياسية على فلسطين من قبل الولايات المتحدة من خلال احتكار القرار في غزة، وتقسيم الشرعية الفلسطينية، وتحويل غزة إلى نموذج أمني–اقتصادي وفق تطلعات أميركية.
ورغم إشارة القرار إلى القرارات الأممية ذات الصلة، فإن ذلك جاء دون تحديد لها، وفي الحقيقة جاء متبايناً معها. فلم يذكر القرار الأميركي المرجعيات القانونية المتعلقة بالقرار 242 لعام 1967.
وعندما تحدّث عن الدولة الفلسطينية، جاء ذلك مشروطاً بإصلاح السلطة الفلسطينية، وربطه بالخطة الأميركية لعام 2020، بدلاً من ربطه بالقرار الأممي 1515 لعام 2003 الذي أقرّ "خارطة الطريق" وأشار صراحة إلى حلّ الدولتين.
كما لم يشر القرار إلى رفض أي تقليص لأراضي غزة، الوارد في القرار 2735 العام الماضي، والقرار 1860 لعام 2009، الذي دعا إلى انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من غزة. وربط القرار الحالي تنسيق المساعدات والممرات الإنسانية بإشراف مجلس السلام، بينما ربطت القرارات الأممية السابقة تلك المهام بآليات دولية وإنسانية، كما ورد في القرار 2720 لعام 2023.
ويخالف القرار قواعد قانونية آمرة، فمع أنه يشير إلى حق تقرير المصير، فإنه يجعله مشروطاً، رغم أنه مبدأ أصيل ورد في المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة وأكّدت عليه المحاكم الدولية. فقد اعتبرت محكمة العدل الدولية في حكمها الخاص بالجدار العازل عام 2004 أن أي عمل يفرض على الشعب الفلسطيني ترتيبات سياسية دون إرادته يشكل انتهاكاً لمبدأ تقرير المصير. وينتهك القرار اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وبروتوكولها الأول لعام 1977، التي تُلزم قوة الاحتلال باحترام القوانين القائمة في البلاد المحتلة، وعدم نقل السيادة أو إنشاء ترتيبات سياسية جديدة، وتحظر فرض هياكل سياسية وإدارية على السكان المحتلين، وهو ما يتناقض مع القرار الأميركي الذي ينص على تغيير جذري للنظام السياسي والإداري القائم، بما يوحي بإعادة هندسة النظام برمّته.
كما تقرّ قواعد البروتوكول بوجود حركات التحرر الوطنية كطرف في النزاع، ما يحظر إعادة صياغة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. ويحظر العرف الدولي على قوة الاحتلال استخدام مؤسسات محلية مفروضة لإدارة السكان، ما يشير إلى عدم شرعية ما نصّ عليه القرار.
ويُعدّ اقتراح إنشاء مجلس السلام برئاسة شخصية سياسية، كالرئيس ترامب، ترتيباً غير مسبوق، يطعن في فكرة الحياد التي تعتمدها عادة الأمم المتحدة في عمليات السلام. فالولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً بالنسبة للفلسطينيين، بل هي حليف أقوى لإسرائيل. كما أن القرار أُنشئ بالتنسيق مع إسرائيل، القوة المحتلة لغزة، لفرض إدارة في أرض محتلة دون موافقة الشعب الفلسطيني ودون صدور قرار أممي، بل تحت غطاء قرار لوقف الحرب. ولا يسمح القانون بإنشاء "إدارة في إقليم محتل" إلا عبر قرار أممي أو اتفاق دولي متعدد الأطراف أو موافقة واضحة من الشعب أو السلطة الشرعية. كما استخدم القرار عبارة "اتخاذ جميع التدابير اللازمة" لتحديد صلاحيات القوة الأمنية التابعة لمجلس السلام، وهو تعبير لا يستخدم عادة إلا للسماح باستخدام القوة تحت الفصل السابع، كما حدث في القرار 1031 لعام 1995 بشأن البوسنة. أي أن هذا القرار يفوض القوة الأمنية باستخدام القوة في غزة دون تفويض أممي.
وحتى لو افترضنا مجازاً أن مجلس الأمن منح الشرعية لمجلس السلام والقوة الأمنية التابعة له من خلال القرار 2803، وهو أمر غير صحيح لأنه يتطلب ترتيبات ضمن الفصل السابع، فإن مجلس الأمن لا يمتلك سلطة إنشاء كيان لا يتوافق مع قواعد القانون الدولي، خصوصاً عندما تكون قواعد آمرة، كما أكد رأي محكمة العدل الدولية في قضية ناميبيا عام 1971. وبالتالي، لم يمنح القرار 2803 تفويضاً دولياً بإنشاء مجلس السلام أو القوة الأمنية التابعة له وفق الأصول الدولية.
وتستنبط فكرة مجلس السلام من كيانات السلام الدولية المستندة إلى نماذج "بناء السلام" التي تنشئها الأمم المتحدة، لكن القرار الحالي يتعارض مع جوهر تلك النماذج. فالأمم المتحدة قادرة على إنشاء كيانات تساعد على إحلال السلام عقب النزاعات، دون أن تمتلك صفة دائمة، وقد عُيّنت حكومات انتقالية أو إدارات دولية مؤقتة عبر قرارات مجلس الأمن أو بموافقة الدول المعنيّة، كما حدث في كوسوفو وتيمور الشرقية عام 1999.
وتختلف جميع تلك النماذج عن مجلس السلام، إذ تشكلت جميعها تحت قيادة أممية ممثّلة بالمبعوث الخاص للأمين العام، وصدر القرار بإنشائها عن منظمة دولية، وفق أهداف واضحة، ولم تكن خاضعة لسيطرة دولة واحدة. أما مجلس السلام فتأسس بإرادة منفردة لدولة واحدة ويخضع لها بالكامل، ولا يستند إلى تفويض أممي، ويعمل داخل أرض محتلة تسيطر عليها دولة أخرى، ما يجعله نموذجاً جديداً لكيان سياسي وظيفي مرتبط بالولايات المتحدة وإسرائيل.
ويحمل مجلس السلام نمطاً مؤسسياً مختلفاً عن الأنماط المتداولة؛ فله خصائص الكيان الدولي الانتقالي شكلياً، لكنه تأسس ويدار بشكل فردي برئاسة الولايات المتحدة. وتتداخل في إطاره أشكال السيادة: سيطرة الولايات المتحدة، وسلطة الاحتلال الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع، وسلطة دولية مقيدة بتقديم المساعدات، إلى جانب السيادة الشرعية للشعب الفلسطيني، ما يجعل المشهد شديد الضبابية. كما يعمل المجلس وفق مستويات متعددة: سلطة مدنية عليا فوق إقليمية، وأمنية منبثقة عنها، ومحلية تابعة لها، وهي تركيبة تختلف عن تراتبية الكيانات الدولية. ولا يمتلك المجلس آليات المراقبة والشفافية والمحاسبة المعروفة، ما يعقّد تقييم عمله، خصوصاً في ظل غياب مصدر شرعيته.
ويوصف مجلس السلام في القرار 2803 بأنه هيئة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، إلا أنه لم يُنشأ بقرار من مجلس الأمن مثل الكيانات الدولية الأخرى، بل ورد ضمن قرار لوقف الحرب على غزة. كما أن امتلاك الشخصية القانونية يتطلب شروطاً عدة، منها وجود صك تأسيسي وبنية مؤسسية واضحة واستقلال وظيفي عن الدول العاملة في إطاره، وتحديد الحقوق والواجبات وحدود المسؤولية وآليات المساءلة، وهي شروط لا تتوفر فيه.
ورغم عدم نجاح خطوات بناء المجلس والقوة الأمنية التابعة له حتى الآن، يقوم مجلس السلام على تنظيم قواعد تشريعية، وهو ما يعد مخالفة قانونية واضحة. فمع أن بعض الكيانات الدولية المؤقتة مُنحت ولاية شبه دستورية تسمح بسنّ قواعد تنظّم السلطتين التنفيذية والتشريعية بشكل مؤقت، وبناء مؤسسات، ووضع مسار دستوري وانتخابي واضح، فإن ذلك تمّ دائماً عبر قرارات مجلس الأمن وتحت الفصل السابع، كما في كوسوفو وتيمور الشرقية. ويضع قانون الاحتلال حدوداً صارمة لأي هندسة دستورية تفرضها قوة الاحتلال أو أي جهة تعمل معها؛ فلا يجوز تعديل البنية القانونية إلا بالقدر الضروري أمنياً أو لتلبية التزامات القانون الدولي، مع إبقاء القوانين الجزائية المحلية نافذة. وأي محاولة لإعادة تشكيل نظام الحكم المحلي خارج هذه الضرورات تُعدّ تجاوزاً للقانون الناظم للاحتلال. وتبقى مسؤولية الإقليم المحتل لدى قوة الاحتلال في ظل حق تقرير المصير غير القابل للانتقاص، ونقل الهندسة المؤسسية إلى كيان غير أممي بلا تفويض دولي واضح يتجاوز القانون.
ويمكن للفلسطينيين التحرّك فوراً لإحباط المحاولات الأميركية–الإسرائيلية لتجاوز شرعيتهم، في ظل الزخم الدولي المتجسد بالاعترافات الأخيرة بالدولة الفلسطينية، عبر رسم مسار واضح لتسريع إقرار الدستور والإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية ضمن آلية انتخابات تحت مظلة دولية، وفق نظام يقوم على استفتاء الدستور أولاً، ثم انتخابات لاحقة، باستخدام منصة رقمية آمنة مرتبطة بالهوية أو الرقم الوطني الفلسطيني، وتحت إشراف لجنة خبراء أمن سيبراني دولية، لإحباط محاولات الاحتلال منع التصويت في القدس أو غزة أو أي مكان تحت سيطرته.