المواطنة الرومانسية ودوي الرحيل

قصائد ديوان "مسافر في قطار الوداع" للشاعر محمد صلاح لها حضورها التعبيري المشمول بالبساطة الآسرة، والأداء الوجداني الذاتي.


صيغ المبالغة تأتي لبيان حجم مأساة الرحيل وهولها، ومردودها النفسي المدمر على الذات الشاعرة.


تنويعات التجربة الشعورية المفعمة بالإغتراب والرحيل

قصائد ديوان "مسافر في قطار الوداع" للشاعر محمد صلاح لها حضورها التعبيري المشمول بالبساطة الآسرة، والأداء الوجداني الذاتي، بحيث تحقق سمت الاتجاه  الوجداني عبر ثيمة المحب المعذب الحالم. وجاءت التجربة الشعرية واحدة بالديوان حتى كأنه نص واحد، وأيد هذا – بدون قصد - شأن طباعي بعدم ترك مسافات بين عناوين القصائد ومتنها ذاته، بحيث يصعب شيئًا علي القارئ تمييز عنوان القصيدة، خاصة أنه نفس نوع الخط دون تشغيل تشكيلي يميز العناوين بشكل أوضح.
كانت القصيدة التي حمل الديوان عنوانها، هي قصيدة الإفتتاح، ولا شك أن اختيار عنوان الكتاب الإبداعي فن ضخم، وقد يحتاج إبداعه بمفرده جهدًا يماثل تأسيس المتن الإبداعي أو يزيد. هنا وقع اختيار الشاعر على عنوان القصيدة الأولي والتي تمثل نضجًا فنيًا معبرًا عن المفاهيم المركزية بالديوان. ومفردات العنوان تمثل الصورة الشعرية المركبة "المشكاة"، بقصد مضاعفة الإحساس بمفردة "الرحيل" المركزية بالكتاب الشعري. فشمل العنوان فعل السفر، ووسيلته، وصفة هذه الوسيلة أنه قطار للوداع، فإضافة إلي توقيت رحيله، فإنه يمثل رحلة واحدة فقط "ذهاب بلا عودة".
قيل: "تكلم حتي آراك"، وكذلك الشاعر مخبوء تحت قاموسه الشعري، بمعني أن رأس المال الشعري العامل يعني أكثر المفردات دورانًا وترديدًا في الأفق الشعري عبر حقول دلالية محددة، تكشف عن دواخل وعذابات واغتراب الذات الشاعرة. وهنا نجد بالديوان هيمنة استبدادية شديدة الجلاء والإفصاح من مفردة الرحيل، ومشتقاتها، وفروعها: حيث يرحل الجميع – الذات الشاعرة والمحبوبة - فهو الرحيل المركب لتجسيم المأساة، يقول ص 25: (فرحيلي عنك .. / ورحيلك عني)، كما نجد رحيل السفن والقطارات، والرحيل الجبري للفرار من الذكريات، والرحيل الآمر في قصيدة "ارحلي"، والتنويع الآخر برحيل القلب، ص 83: "قد تاه قلبي ولم أعد .. / أجد له .. أي أثر / مذ رحل عن صدري"، 
وجاء الرحيل أيضًا بمعني الابتعاد والذهاب في قصيدة "لو تفهمي"، وحضور معاني الإختباء والإحتواء والإختفاء، نموذجًا قصيدة "سأخفيك في نحري"، ومحاولات النزع، يقول ص 17: "كم حاولوا نزعي منك / وفتشوا في كل بقعة فيك عني"، حتي قال في خاتمة القصيدة ص 18: "لكني لن أقتل حبي / ولن أطعن صدري / ساظل أحبك عمري / وسأُخفيك في نحري / حتي نلتقي غدًا، / أو يأذن الله في أمري). 
وجاء طلب الرحيل لوجود ما هو أشق، فأصبح الرحيل حتميًا، في قصيدة "ارحلي" ص 19: "ارحلي .. / فالموت أهون من جراح عينيك الحسان". وفي ص 50 جاء باعث الرحيل الحتمي ناتج إرادة نفي الغرور الظالم: "فلتخلعي عنك .. / ثوب الغرور الظالم / فلقد نزعتك مني .. / وطهرت منك دمي"، وفي قصيدة "حريتي ..!" ص 39 كان الشاعر نفسه هو الراحل كي يسترد حريته.
كما مس الرحيل مفردات عدة بنيران عذاباته، فالطير الشادي الرحل نجده ص 23 "جثة طير مخنوق" رغم أنه "والطير المغرد بلا قيود"، ومفردة "الرماد" سائدة حيث تعني الأثر الباقي من أطلال الرحيل.
ونجد بالديوان تنويعات التجربة الشعورية المفعمة بالإغتراب والرحيل، ففي قصيدة "الرحيل والعودة" توضح الذات الشاعرة وكشفت عن معني يماثل الإغتراب بمفارقة وطن "المحبة" والتعرض لمحنة "الرحيل"، يقول بقصيدة "الرحيل والعودة" ص 21: "في غربتي .. عن نفسي / حاول الشيطان أن يغويني / أو يسلخني عن جلدي"، و"العودة" بالقصيدة مقابل "الرحيل" لم تكن حالة سعيدة بمفهوم أنها الحالة العكسية للرحيل، حيث عند العودة يحدث رحيل آخر يتمثل في حدوث ثلمة أو كسر أو التسمم النفسي بالأحزان، يقول ص 24: "قد عدت إليك .. مدينتي / بأحزان ليس لها حدود، / وأوجاع بلا دواء".  

ديوان شعر
اجعل قلبك دارًا .. يأوي الحائرين

ومن مفردات المعجم النفسي للذات الشاعرة المصاحب كمعادل موضوعي للإغتراب  المتحقق بالرحيل، تسريب البرودة، ويتجلي المذاق النفسي هنا في الثنائية الضدية ص 21: "ولكنا في أرض .. تتزين بالشمس / وُتخفي خلف الدفء، / البرودة الأحزان"، إذن هي برودة نفسية قولًا واحدًا، حيث الخوف الذي يغطي القلوب بالجليد. وفي تحليل معني "الفراق" بقصيدة "ستبقي منارتي .."، ص 66: "إن للفراق معني / غير الشعور بوقوف الأرض عن الدوران / والإحساس بالبرودة والأحزان"، ويحضر الشتاء بطبيعة الحال ص 73: "وجاء الشتاء .. / يمحو عبير الربيع. / يسلب منا دفء الهوي .. / ويبعث فينا الصقيع"، فهنا تخلية من الدفء، وإكساب المرارة بالصقيع.
وأتت صيغ المبالغة لبيان حجم مأساة الرحيل وهولها، ومردودها النفسي المدمر علي الذات الشاعرة، وتجسدت في المفارقات، والتشظي الذاتي، فهناك صخب داخلي "ثار الدم"، فانقسمت الذات الشاعرة تعقد حوارات داخلية بالقصائد وتعاني اغترابًا مرهقًا، فجاءت المفارقة ص 29: "فأنت الداء وأنت الدواء"، ومفارقة أخرى أنه لو لم تسافر أنت لسافرت هي، فهناك ثبوت لوضعية الرحيل.
وجاء "تشخيص الجوارح" أيضًا في إطار فكرة "الإنقسام الداخلي" والصراع المشتعل في الذات الشاعرة، خاصة فيما يتصل برحيل العيون، والحديث الدائم عن أنسنة العيون "العيون إنسانًا"، في ص 9: "ولما سئلت / عن فراق عينيك"، وص 14: الرموش غطاء يحقق الدفء من الصقيع، وكتابة رسالة إلى عيون راحلة ص 13، والحبيبة تسكن الذات الشاعرة حتي لو رحلت، والسفن "العيون" جاهزة للرحيل أو قادمة من سفر، ص 70: "فلو غبت عني ألف عام، / ثم عدت ولم تبطئي / ستجدي عينيك مرسومتين .. سفينتين علي مرفأي"، وتبرير هذا الحضور الطاغي للعيون المؤنسنة: "لا يوجد في الدنيا / يمكن أن يهواه شاعر / أجمل من عينيك". 
وتتصل الشواهد حول تشخيص الجوارح، "لكن شفتيك .. آثرت الضياع"، ثم تبحر الذات الشاعرة في مرحلة أخرى أكثر تقدمًا من التشخيص بتدويل الجوارح، فيصبح الدم في الجسد شعبًا ثائرًا يهتف بالرحيل، ص 9: "وجاء قطار الوداع .. / وما ظننت يومًا أنه آت / وشاع الخبر بداخلي / فثار الدم / وبعثت الآهات / وتمردت داخل رأسي / آلاف الذكريات / ودوت الأصوات / تأبي الرحيل". 
وجوارح الحبيبة هي الطبيعة ذاتها، ص 16: "فحبيبتي .. / ذات قلب من حرير / وعيون من ضياء الفجر / وأنفاس من عبير"، ص 35: "وعيونك فجري"، وص 36: "عيونك مرساتي". وفي أدب الوصية بقصيدة "الحب يا أماه .. تحرف .."، ص 79: "واجعل قلبك دارًا .. يأوي الحائرين".
وسمة التشخيص للجوارح وتدويلها سمة أسلوبية مستقرة في الأفق الشعري، ففي صور شعرية طريفة استحالت فيها جوارح الحبيبة إلى مدينة وطرق، والذات الشاعرة تسكنها، يقول ص 17: "وفتشوا في كل بقعة فيك عني / وأقتفوا آثاري من فوق يديك / حتى شفتيك / وعندها صاحوا: هنا توقف الأثر"، وص 31: "وذراعاك مداري / وعيناك دومًا بئر أفكاري"، "وكفاك مرفأ انتظاري"، وفي مواضع آخرى تحدث المبادلة، فنحر الشاعر هو مأوي الحبيبة "سأخفيك في نحري"، ثم في موقف مناقض "وحولت عنك .. مجرى دمي" فكأنه مجرى للري والتثمير للأرض. وص 72: "فجعلت أعيني لك دارًا / وصدري مدارًا / ولهفتي أحداق".
ويحتدم بالديوان الحوار القائم في متنه على السؤال والجواب في غالبية القصائد، فنجد دائمًا فقالوا لي، وقلت، وسؤال الآخر دليل حيرة ولهفة، يمثل هذا الموقف النفسي للرحيل وطلبًا للاتجاه والتفسير والراحة من عذاب الإغتراب، ص 14: "أسالهم ملهوفًا عنك / فقالوا رحلت ..".
كما وجدنا التوريق في الصورة أو التداعي والتوليد الشعري، ص 13: "عيوني وداري .. / روضي وأزهاري .. / سنوني وعمري .. / قلاعي، سفينتي وبحاري"، وص 18: "وغايتي أنتِ .. / ومنيتي .. ومأربي / وأمسي أنتِ .. ويومي وغدي / ومولدي أنت وموتي ومرقدي"، وص 26:" بل رأيتك واحتي .. ونبعي .. / ودربي .. وعالمي / وانطلاق أفكاري .. / ووحي الملهم". بل يأتي هذا التداعي في شحن مفردات مترادفة، ص 25 "ذنبان علينا ... بلا خطئتان"، فهنا الذنب الفعل المستوجب للعقوبة، والخطيئة من الخطأ أو عدم الإصابة.
وجاء بناء زهر الأنين من الذنوب، ص 10: "ويومًا ستقسو عليك السنون / إذا ما تركت ذنوبك تنمو .. / وينبت منها زهور الأنين"، والصورة الشعرية منسوجة من صورة التائب، وفي الأثر الهجرة تعني مفارقة أرض المعصية إلى أرض جديدة، بمعني يقين الذات الشاعرة بمواطنة المحبة، وأن الهجر معصية جسيمة تستوجب الاستغفار منها، وسداد الدية، ص 25: "سأكفر عن كل ذنوبي / وسأدفع دية هجراني".