الهادي يدعونا إلى "ليالي الرقص في الجزيرة"

محمد عبدالله الهادي: درجة الوضوح لتداخل الأنواع الأدبية يصعب عليَّ ككاتب أن أحددها بدقة، كونها واضحة وجلية ومهيمنة أو متوارية بين السطور حد التلاشي.


الرواية تحتاج إلى تخطيط، بمعنى أن يكون للعمل من خلال الفكرة الرئيسية هيكل عظمي يشتمل على الخطوط الرئيسية التي ستسير فيها الأحداث


القصة القصيرة الآن لها ألف تعريف بحيث لا يمكنك أن تقول إن هذا هو التعريف الذي اتفق عليه الجميع

هذه الشهادة الموسومة بـ "تداخل الأنواع وروايات ليالي الرقص في الجزيرة" عن روايات "ليالي الرقص" في الجزيرة (ثلاث روايات) هي: "العبد" ـ "البحَّاري" ـ "المجنس". صدرت الأولى والثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والثالثة ما زالت تحت الطبع، وعلاقة هذه الروايات بتداخل الأنواع.
هكذا يبدأ شهادته الأدبية الكاتب المصري محمد عبدالله الهادي في جلسة الشهادات الأدبية التي ترأسها الكاتب التونسي حبيب السالمي ضمن جلسات ملتقى القاهرة الدولي السابع للإبداع الروائي العربي "الرواية في عصر المعلومات" (دورة الطيب صالح) خلاف الفترة 20 – 24 أبريل/نيسان 2019.
وقال الهادي: الحقيقة أن تداخل الأنواع في الأدب بصفة عامة موجود منذ وجد الأدب، لأنه ببساطة وجد مع كل قلم يكتب بتلقائية دون تقيد بحدود، فتختلط تلقائيًّا الفنون اختلاطا عفويًّا يجعل الفصل التعسفي بينها يكاد يكون مستحيلًا، وأظن أنني في معظم ما كتبت، سواء في القصة القصيرة أو الرواية، كان هناك دومًا شيء من هذا التداخل غير المقصود، الذي أعني به الضرورات الفنية التي تحتِّم وجوده في النص السردي، ولا ينفي أيضًا ابتعاد العمل عن التصنيف كونه عملاً ينتمي إلى القصة القصيرة التي تعددت مصطلحات تسميتها، فصارت بالقدر الذي يصعب فيه الاتفاق على مصطلح محدد، أو عملًا ينتمي إلى جنس الرواية بما تعنيه الكلمة، فدرجة الوضوح لهذا التداخل يصعب عليَّ ككاتب أن أحددها بدقة، كونها واضحة وجلية ومهيمنة أو متوارية بين السطور حد التلاشي، فهي تختلف من قصة إلى أخرى ومن رواية إلى أخرى، فهناك الشعر والموسيقى والفن التشكيلي وتقنيات الكتابة السنيمائية، التقطيع والفلاش باك والتكرار والتأمل والأقوال الفلسفية والأغاني الشعبية والموال والحكايات التراثية شعبية أو غير شعبية... إلخ، وكلها كما أسلفت جاء بها القلم في سياق العمل في تمرد بلا قصد أو تكلف أو إقحام أو حتى كحيلة يلجأ إليها بعض الكتاب لتجميل ما يكتبون، وبالتالي فإن تداخل الأنواع في روايات "ليالي الرقص" موجود بدرجات متفاوتة.  

Cairo forum for creative fiction
عادة القراءة ليست عادة عربية 

منذ فترة اتصل بي ناقد شاب، يخبرني أنه يكتب عن روايتي الأولى "العبد" أولى روايات "ليالي الرقص في الجزيرة" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بحثًا يشملها مع ثلاث روايات أخرى لأدباء آخرين، أبديت سعادة حقيقية، رغم ما كتب عنها وما طرحه الأصدقاء من الأدباء والنقاد من آراء مكتوبة أو شفهية في مناسبات مختلفة، كان أهمها الندوة التي عقدت بفرع اتحاد الكتاب بالشرقية، ليلتها قدم د. عزت جاد ـ أستاذ الأدب والنقد ـ دراسة لم يجمعها كتابة حتى الآن، ووصلتني آراء من د. محمود عبدالحفيظ يقول: أغبط نفسي وأنتظر باقي الأجزاء، ومن الأديب الكبير فؤاد قنديل يقول "كل سنة وأنت قادر تكتب رواية جميلة مثل التي قرأتها مؤخرًا"، وفي حديث هاتفي معه فيما بعد حول الرواية أبدى تحفظه حول بعض الصفحات التي خرج القلم فيها عن مسار الأحداث، والحقيقة أنني الذي جعلته يخرج عامدًا عن هذا المسار، بمعنى الوعي المقصود، فالرواية تتوقف أحيانًا لتأخذ القارئ في ساحات الجزيرة وتطوف بهم في وصف مفرداتها، أو تعود عامدة إلى صفحات تاريخها، قبل أن تعود إلى بؤرة الأحداث لتستأنف السرد، أي التقنية التي يمكن أن تحسب على تداخل الأنواع كانت موجودة فيما أشرت إليه بالإضافة إلى أشياء أخرى كثيرة كان أهمها الاحتفاء بالتراث البدوي المختلط بتراث الفلاحين في جزيرة مطاوع.
وأوضح الهادي أن الناقد الراحل د. حسين علي محمد، كان قد أبدى إعجابه بالرواية وقال إنه سيكتب عن الجنس فيها ذلك أنه توقف أمامه، هذا بالإضافة إلى آراء د. محمد غنيم وبهي الدين عوض ومجدي جعفر وإبراهيم عطية والعربي عبدالوهاب، وغيرهم من الأدباء والنقاد.
ويرى الهادي أن الوصف مكون أساسي في النص يقود إلى فهمه، والخيال الخصب يكون موازيًا على الأقل في أعمالي للواقع الذي ينطلق منه النص تحديدًا ليحيله إلى واقع فني.
وتتأكد أهمية الوصف في الرواية كونه يقود مخيلة القارئ نحو الأحداث، لكنه الوصف الموظف جيدًا لخدمة النص، فالإسفاف يقود إلى الملل، فوصف الشخصية مثلاً لا يتأتى دفعة واحدة، بل يتوزع على جزيئات العمل (شخصية العبد كشخصية رئيسية في العمل لا أظنها تكتمل إلا باكتمال العمل)، ذلك أن التركيز على وصف الشخصية الروائية وصفًا كليًّا مسهبًا يستغرق عدة صفحات في جزء واحد يصرف القارئ عن الحدث نتيجة الملل.
وصف مدخل الجزيرة في بداية الرواية ليضع القارئ قدمه في المكان الذي ستدور عليه أحداث الرواية. وصف الرقصة التي تؤديها (زوبة) في حلقة الرقص لتبيان مدى تجاوب القرويين معها. وصف الحجرة التي استضافت فيها (زوبة) الإسكندراني بما تعنيه من حجرة ذات مفردات فنية: صور.. آلات موسيقية.. إلخ، لأسرة تحترف الفن. وصف دكان الإسكافي (عرفة المفش) بمفرداته الحرفية وهواية الفن. غرزة زيدان وروادها.. إلخ. 
كلك يتسيَّد الوصف في الفصل الثامن عشر (قبل الأخير) بطريقة مقصودة لكثير من الجزيئات وكأنه استراحة لالتقاط الأنفاس قبل الدخول في نهاية الأحداث... إلخ.
وأضاف الهادي: الرواية تدور أحداثها في قرية (جزيرة) من جزر محافظة الشرقية التي تتصف بسمات معينة تميزها عن القرى الطينية الأخرى (أرض رملية ليست مستوية تمامًا، بل بها مرتفعات ومنخفضات، حدائق وتلال أثرية، ساحات متسعة، دور طينية مختلفة تتناسب مع ساكنيها وأصولهم البدوية، أو غير ذلك... إلخ، كما أن الأحداث التي تجري على الألسنة ستكون مرتبطة بالقطع ببعض اللهجات خاصة البدوية أو القروية أو حتى أبناء المدن حسب كل شخصية، فالمكان والشخوص يؤثران على اللغة من خلال الصورة ومدى اختلافها أو تباينها.
وأوضح الكاتب أن السرد في هذا العمل بالفصحى والحوار تتخلله كلمات عامية لكنها ليست غارقة في الغموض عن المتلقي، لكنها العامية التي تميز البدوي عن الفلاح عن ابن المدينة.

ويرى الهادي أن الرواية تحتاج إلى تخطيط، بمعنى أن يكون للعمل من خلال الفكرة الرئيسية هيكل عظمي يشتمل على الخطوط الرئيسية التي ستسير فيها الأحداث، وعند بناء العمل فإن هذه الخطوط لا تظل مقدسة إلى آخر المطاف، فكثيرًا ما تأخذ هذه الخطوط مسارات جديدة لم تكن في الحسبان، وها ما يحدث معي في كل عمل أكتبه، فالخيال هنا يمكن أن يحذف أو يضيف أحداثًا جديدة، فروايتي "عصا أبنوس ذات مقبض ذهبي" كانت فكرتها لديَّ لا تتعدى قصة قصيرة لكنها أخذتني معها أثناء كتابتها لتكون رواية، كما أن تصوراتي لبقية أجزاء "ليالي الرقص في الجزيرة" هي تصورات عامة تحمل أفكارًا رئيسية لا أدري على وجه اليقين كيف ستكون عند كتابتها. 
وعن الفرق بين القصة القصيرة والرواية، قال محمد عبدالله الهادي في شهادته: المشكلة في التعريف، فالقصة القصيرة الآن لها ألف تعريف بحيث لا يمكنك أن تقول إن هذا هو التعريف الذي اتفق عليه الجميع، لكنني في كل الأحوال أرى أنه إذا كانت الرواية بناءً ضخمًا فإن القصة القصيرة مجرد حجرة صغيرة، وأعتقد أن عنصر الزمن هو العنصر الحاكم في القصة القصيرة بمحدوديته حتى ولو كثرت صفحات القصة، فكاتب القصة القصيرة كلاعب الكرة الذي يسدد ضربة الجزاء، إما أن تطيش الكرة أو تستقر داخل الخشبات الثلاث، فيهلل الجمهور، لكن الرواية بناء ضخم وعالم كبير متعدد الشخصيات التي تأخذ حقها في الوصف والتصوير والحوار... إلخ، من العناصر الروائية.
وأضاف: أحيانًا أكتب أعمالاً قصصية ليست بالقصة القصيرة أو الرواية وأكتب عليها (قصة) فقط، وأظن أن يوسف إدريس وإحسان عبدالقدوس وغيرهما كتبوا هذا النوع من القص الذي يصعب تصنيفه. إنني أريد أن أقول إن العمل يختار شكله في النهاية، فلا تستطيع ككاتب أن تلوي عنق النص ليكون شيئًا آخر لا يريده.
وعن أهمية الصورة داخل الحوار القصصي قال: باختصار تعطي الصورة الحيوية للحوار، وتجعله أكثر مصداقية للمتلقي، كما تعطيه أبعادًا أكثر شمولية، والحوار في "ليالي الرقص" يحتفي بالصورة بكل تجلياتها، وأظن أنني حاولت أن تكون في السياق طبيعية وليست متكلفة أو محشورة أو مقصودة لذاتها.
وقال إن المكان الذي يخلق صورًا وأحداثًا في الرواية هو المكان الذي يصنع فضاءً يتفاعل مع الأحداث وتوظف فيه كل العناصر الروائية، بمعنى آخر: لا يكون مجرد إطار أو حلية تحيط بالأحداث ولا تتفاعل معها، المكان الحقيقي يكون عاملاً مساعدًا على تطور بناء الرواية تتحرك من خلاله الحوادث والشخصيات وتخلق ما بينها من علاقات ويمنحها المناخ الذي تتفاعل فيه، أي أنه باختصار الفضاء الكلي:  

Cairo forum for creative fiction
ليست لديَّ قاعدة بيانات عن قرائي

وأضاف: الحقيقة أنني عندما أكتب سردًا عن صورة ما فإنني لا أتوقف كثيرًا كون هذه الصورة سمعية أو بصرية، فعندما أكتب عن الطبلة ودقاتها في حلقة الرقص فإنني أجتهد لأسمع قارئي دقات هذه الطبلة على الورق التي لو تجاوب معها لاهتزت أعطافه راقصة، أو عندما أصف الشتاء في الجزيرة بعواصفه وبرده وأمطاره فإنني أجتهد في أخذ قارئي إلى هذا الطقس البارد من خلال حاسة البصر عبر السطور التي يمكنها أن تحفِّز بالخيال حاسة السمع، وأظن أن هذه الحالة من الاستغراق يمكنها أن تحدث لدى القارئ عندما يقرأ عملاً جيدًا، نقول إنه يأخذ بلبه وحواسه فيندمج معه فتبتسم شفتاه أو تدمع عيناه. فالصورة التي تكونت في العقل تستدعي أحاسيس أخرى... إلخ.
ويرى الهادي أن سؤال الهوية سؤال مهم في هذا العمل.
ويوضح الهادي أنه يكتب لأنه يحب أن يكتب، وقال: إنني أمارس شيئًا أحبه، ولن أدَّعي البطولة فأقول إنني أطمح إلى تغيير العالم، فهذا وهم كبير يقع فيه كثير من الكتاب وبخاصة في عالمنا العربي الذي لا يقرأ، فأنت تكتب ليقرأك عدة مئات أو عدة آلاف لا أكثر، وأكثر الذين يعرفون نجيب محفوظ مثلاً عرفوه من الأعمال السينمائية التي أخذت عن أعماله، خاصة للمخرج حسن الإمام، وربما كانت جائزة نوبل هي طريقه لقراء كثر عبر العالم.
ويرى محمد عبدالله الهادي أن الواقع الأدبي غني بالمبدعين، لكن عادة القراءة ليست عادة عربية لأسباب كثيرة ليس مجال بحثها الآن، ولا يسعى المترجمون الأجانب إلى الأدب العربي (عكس أدب أميركا اللاتينية) لأسباب كثيرة سياسية أو تقنية. والحقيقة ليست لديَّ قاعدة بيانات عن قرائي، فأنا لا أعرفهم، فقط أعرف بعض الأصدقاء من الأدباء أو غير الأدباء الذين أهديهم أعمالي فيتواصلون معي، أو يقرؤون عملاً لي بالمصادفة فيبحثون عني ليبدوا لي إعجابهم بما كتبت، والحقيقة أن هذا الأمر يسعدني جدًّا.