الولايات المتحدة والعالم: مَن يقلق على مَن؟


التاريخ لم يصدر رسالة شفاء لأميركا المصابة بتصلب الشرايين السياسي.


لم يكن قلق بوش على الدول الأخرى من أجل ترويج الديمقراطية، كما كشفت كل أكاذيبه لاحقا، ولم يكن قرار بايدن التخلي عن الدول الملتهبة للتكفل بنفسها في مصيرها تحت هجمات المتشددين، وقبول إيران وطالبان، بذريعة استقلالية هذه الدول وحق تقرير مصيرها بنفسها

عندما كان جورج بوش الابن يعد لتدمير العراق كان يرسم صورة أميركا الأم الرؤوم للعالم برمته، وتحت ذريعة أن الولايات المتحدة وهي تقود العالم لن تسمح بوجود كفة اختلال يمثلها الزعماء المستبدون.

ندرك بعدها ما الذي حصل للعالم منذ عهد بوش الابن حتى نهاية عصر دونالد ترامب “هل انتهت الترامبية؟”. وبتنا اليوم نترقب ما الذي سيحصل للولايات المتحدة؟ وعندما اقتحم الغوغاء مبنى الكونغرس، فتح العالم فمه مندهشا من الذي يجري في معقل الديمقراطية. وبقيت الدهشة مستمرة حتى قبول ترامب هزيمته في الانتخابات الرئاسية. بيد أن الطب السياسي لم يصدر رسالة شفاء لمختبر الديمقراطية. فأميركا ما زالت مريضة باعتراف الرئيس جو بايدن نفسه.

اليوم الأم الرؤوم مصابة بتصلب الشرايين السياسي، وتتحول إلى كائن يريد حماية نفسه وترك العالم لطالبان وإيران والميليشيات الشيعية المتطرفة! فلم تعد كفة التوازن التي كان يلوح بها بوش بيدِ قائدة العالم.

يمكن أن نتفهم مرض ماكنة الديمقراطية في بلد ما، إلا أن توعك الديمقراطية الأميركية يعني أن الأعراض تؤثر على العالم برمته، فلا تظهر الأعراض على أي دولة إن مرضت الديمقراطية في جنوب أفريقيا أو البرتغال مثلا، لكن بمجرد مرض الديمقراطية الأميركية، فإن الأعراض تظهر على دول العالم الأخرى.

لذلك يتردد هذا السؤال بكثافة عند خبراء السياسة في الولايات المتحدة بنفس درجة تردده عند المحللين والإعلاميين، عمّا إذا كان العالم يشعر بالقلق على أميركا.

بعد قرار الإدارة الأميركية الانسحاب من أفغانستان، استعاد صناع فن الممكن السؤال الأكثر طلبا اليوم وبعد سنوات من تراجعه، عما إذا كانت الولايات المتحدة بحاجة حقا لمراقبة العالم، والتصرف السياسي وفق فلسفة جورج بوش الابن “أميركا تقود العالم”، أم أن عليها استبدال الدبلوماسية الجادة بالقوات المسلحة في تعاملها السياسي مع دول العالم.

الأميركيون اليوم يناقشون أكثر من أي وقت مضى ما إذا كان من مسؤولية بلدهم إسقاط الأنظمة بالقوة، أم الاهتمام أكثر بصحة الكوكب الذي تهدده انبعاثات الكربون، والعمل على إغلاق القواعد الأميركية الخارجية من أجل توفير المال على دافعي الضرائب.

يعتقد المحلل السياسي الأميركي عزرا كلاين أن الآخرين أكثر من الأميركيين معنيون بالإجابة على هذه الأسئلة بعد سنوات من الفشل الأميركي من العراق حتى أفغانستان، لذلك استعان برأي ديفيد ألتمان أستاذ العلوم السياسية في تشيلي الذي عبر عن اعتقاده بأن الديمقراطية الأميركية ليست كما يعتقدها الأميركيون. فهناك تنافر معرفي بين ما يعتقده المواطنون الأميركيون بمؤسساتهم وما هي في الواقع.

لم يستشهد الباحث التشيلي بحادثة اقتحام مبنى الكونغرس واحتجاجات مناصري ترامب على تزوير الانتخابات الرئاسية. لكنها بالضرورة تعبر عما ذهب إليه.

أما ستافان ليندبرغ الباحث السياسي السويدي ورئيس معهد الديمقراطية، فوصل به الأمر إلى تشبيه ما يحدث في الولايات المتحدة مع بلدان تسببت فيها “الديمقراطية” بخسائر فادحة، بل ماتت بالفعل تحت حكم رجب طيب أردوغان في تركيا، وفيكتور أوربان في المجر وناريندرا مودي في الهند.

ويبدو اليوم أن الأصوات الأميركية التي تحذر من مخاطر تراجع الديمقراطية في بلادهم، أكثر من أن ينظر إليها بعين ضيقة، الأمر الذي يوصل القلق إلى أوروبا أقرب الحلفاء التاريخيين لواشنطن.

كما يبدو تقسيم الكاتب آري بيرمان مؤلف كتاب “حق الاقتراع: الكفاح من أجل حقوق التصويت في أميركا” للمجتمع الأميركي إلى مستويين بالنسبة إلى التصويت أحدهما يزداد سهولة والآخر يزداد صعوبة، نوعا من الاعتراف بمرض الديمقراطية هناك.

الأمر الذي دفع المحلل السياسي في صحيفة نيويورك تايمز عزرا كلاين إلى القول إن تفاخرنا بأننا أقدم ديمقراطية في العالم، وهذا صحيح بما فيه الكفاية بالمعنى التقني. ولكن إذا كنت تستخدم تعريفا أكثر حداثة للديمقراطية، وهو تعريف يتضمن حقوق التصويت للنساء والأقليات كشرط مسبق، فنحن إذن إحدى الديمقراطيات الأصغر سنا في العالم.

أما السويدي ليندبرغ بوصفه باحثا مرموقا في تاريخ الديمقراطية فوصف مقولة “أميركا أقدم ديمقراطية في العالم” بالسخيفة.

فلم تصبح الولايات المتحدة دولة ديمقراطية إلا بعد حركة الحقوق المدنية في الستينات على الأقل. وبهذا المعنى، وفق الباحث السويدي، فإنها تمثل نوعا من الديمقراطية الجديدة مثل البرتغال أو إسبانيا.

من سوء حظ العالم العربي لا توجد ديمقراطية مقبولة في الحدود الأدنى، كي أستشهد بأحد منظريها، كما فعل كاتب نيويورك تايمز مع السويدي والتشيلي.

فلا يتعلق الأمر في العالم العربي بكيفية انتخاب الناس لحكوماتهم، بل بما تريده الحكومات العربية وما تثبته في النهاية بغض النظر عن النتائج الحقيقية للتصويت. وهناك ذريعة جاهزة للتزوير والاحتيال تندرج تحت مسميات الديمقراطية.

مع أنه لم ترسل الديمقراطية الأميركية إلى غرفة العناية المشددة، إلا أن وجهة النظر التي ترى أن الديمقراطية نفسها مشكلة، تتطور في الولايات المتحدة وتجد لها داعمين في الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء. وهذا سبب كاف يجعل عنوان هذا المقال مقبولا من القراء.

فإذا كان القلق على ديمقراطية الولايات المتحدة صادرا من دولة ديمقراطية أخرى، فإنها تخشى أن تصاب بالعدوى، بينما ستجد دول مستبدة فرصتها للاستمرار بالاستبداد تحت ذريعة فشل الديمقراطية الأميركية.

فلم يكن قلق بوش على الدول الأخرى من أجل ترويج الديمقراطية، كما كشفت كل أكاذيبه لاحقا، ولم يكن قرار بايدن التخلي عن الدول الملتهبة للتكفل بنفسها في مصيرها تحت هجمات المتشددين، وقبول إيران وطالبان، بذريعة استقلالية هذه الدول وحق تقرير مصيرها بنفسها.

لكن هذه العقلية أبقت على “الحرب الأبدية” مستمرة كما يحدث في العراق وأفغانستان، فأولئك الذين يحملون السلاح للدفاع عن قراهم من كابول حتى قندهار بمن فيهم النساء يشعرون بالخيانة من قبل الأميركيين المغادرين.

وهذا سبب كاف يجعل العالم يتساءل، فالولايات المتحدة نجت من جرائمها السابقة، واليوم تريد أن تنجو من ترك دول لمصيرها بعد أن دمرت بنيتها.