انتخابات العراق 2025: فرصة ثانية للسوداني وصدارة للديمقراطي الكردستاني

النتائج أظهرت أن الحزب الديمقراطي الكردستاني أظهر ليس القوة الأولى في كردستان، بل في مقدمة القوى الفاعلة على مستوى العراق كله، ويمنحه الفوز الكاسح ثقلا تفاوضيًا مختلفًا في بغداد.

منذ 2005 والعراقيون يتجهون إلى صناديق الاقتراع أكثر مما يتجه أثر تلك الصناديق إلى حياتهم اليومية. تعاقبت برلمانات وحكومات، وتغيّرت الأسماء والعناوين، لكن جوهر النظام ظل يراوح مكانه بين المحاصصة والصفقات والمال السياسي والسلاح المنفلت.

انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 لم تخرج عن هذه القاعدة، لكنها أعادت توزيع الأوزان داخل المشهد، ووجّهت أكثر من رسالة في صندوق واحد. أولى هذه الرسائل أن جزءًا واسعًا من الشارع قرّر أن يمنح محمد شياع السوداني وائتلافه فرصة ثانية، فبرغم أن برنامجه في مكافحة الفساد وتحسين الخدمات وتسوية العلاقة مع إقليم كردستان لم يتحقق منه إلا الجزء الأقل، فإن مقارنة حكومته بما سبقها جعلته يبدو، في نظر كثيرين، الخيار "الأقل سوءًا" أو "الأكثر واقعية" في لحظة إنهاك عام للدولة. هكذا صوّتت شرائح واسعة لصالح بقاء الاستقرار النسبي، لا اقتناعًا بكمال الأداء، بل خشية العودة إلى الفوضى أو المغامرة المجهولة.

لكن هذا التفويض المتجدّد ليس شيكًا على بياض، فالبرلمان الجديد ظل فسيفساء من الكتل والتيارات، بعضها يحمل خلفه ظلال السلاح، وبعضها الآخر يختبئ وراء شعارات الإصلاح من دون استعداد لدفع أثمانه. سيجد السوداني، إن عاد إلى رئاسة الحكومة، نفسه مرة أخرى أسير معادلة التفاهمات الواسعة، بين قوى تريد الحفاظ على قواعد اللعبة كما هي، وشارع لم يعد يصدّق الخطابات. نجاحه أو فشله لن يُقاس بعد اليوم بعدد الاتفاقات داخل الغرف المغلقة، بل بقدرته على لمس هموم الناس في الكهرباء والوظيفة والبيئة وفرص العمل.

الرسالة الثانية جاءت من الصندوق الكردي والعربي معًا: الحزب الديمقراطي الكردستاني خرج الرابح الأكبر، متجاوزًا خصومه التقليديين، ومتصدّرًا نتائج الإقليم ومحافظة نينوى، بعد أن تجاوز حاجز المليون ومئة وثمانين ألف صوت. هذا الرقم لا يعني فقط أنه القوة الأولى في كردستان، بل يضعه في مقدمة القوى الفاعلة على مستوى العراق كله، ويمنحه ثقلًا تفاوضيًا مختلفًا في بغداد. وفي نينوى بالذات، حيث الأغلبية عربية سنية، يحمل صعود الديمقراطي دلالات عميقة؛ فهو يكشف أزمة تمثيل مستمرة لدى كثير من القوى السنية التي استهلكها الصراع الداخلي والمنافسات الشخصية، ويدل في الوقت نفسه على أن خطاب الاستقرار والإعمار الذي رفعه الحزب في المناطق المنكوبة وجد صدًى لدى جمهور يبحث عمن يعيد بناء مدنه قبل أن يرفع شعاراته على المنابر. هنا يظهر رصيد الحزب في علاقته مع هذه المناطق، وتظهر أيضًا هشاشة البدائل الأخرى.

كرديًا، ثبت أن المزاج العام يميل إلى منطق الدولة والمؤسسات في أربيل أكثر من ميله إلى مغامرات الشعارات في السليمانية، من دون أن يعني ذلك انعدام الوزن عن الاتحاد الوطني أو غيره، لكنه يكرّس واقعًا سياسيًا جديدًا: مركز ثقل واضح للديمقراطي في الإقليم، وتمدد مؤثر في بعض المحافظات العراقية، بما يجعل أي معادلة أغلبية في بغداد صعبة من دون حضوره أو على الأقل التفاهم معه. هذا الثقل ينعكس على الملفات العالقة بين أربيل وبغداد؛ من قانون النفط والغاز وتطبيقات الموازنة الاتحادية، إلى إدارة المنافذ والملف الأمني في المناطق المتنازع عليها. فإذا أضيف إلى ذلك التحول المرتقب في علاقة العراق بالتحالف الدولي، وانتقالها إلى صيغ ثنائية أمنية، يصبح واضحًا أن أي استقرار داخلي يحتاج إلى تسوية اتحادية ـ إقليمية راسخة، لا إلى هدنة مؤقتة بين جولات تفاوض.

في الخلفية، ما زالت جذوة احتجاجات تشرين وامتداداتها المطلبية حاضرة، عبر مقاطعة هنا وتصويت عقابي هناك. هؤلاء لم يمنحوا النظام السياسي "صك براءة"، لكنهم تركوا للنتائج أن تقول إن الشارع العراقي لم يخرج بعد من دائرة المفاضلة بين السيئ والأسوأ، وإنه يبحث عن حدٍّ أدنى من الدولة الطبيعية قبل أن يحلم بدولة المثاليات.

انتخابات 2025 لم تُسقط النظام ولم تجدد له بالكامل، لكنها قالت بوضوح إن هناك فرصة ثانية لحكومة السوداني، وفرصة أكبر للحزب الديمقراطي الكردستاني كي يتحول من لاعب إقليمي إلى رقم صعب في بغداد. ما سيُكتب في السنوات المقبلة لن يحدده عدد المقاعد وحده، بل قدرة هذه القوى على الانتقال من إدارة الأزمة إلى جرأة الإصلاح، ومن اقتصاد الريع والولاءات إلى دولة مواطنين لا رعايا.