انتفاضة فلاحي العراق تنكأ جراح ملف الزراعة المهمل من 2003
بغداد - شهدت العاصمة بغداد، الأحد تظاهرات للعشرات من الفلاحين الذين خرجوا للمطالبة بتحسين واقع القطاع الزراعي وتوفير دعم حكومي أكثر فاعلية، في وقت تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية والبيئية التي تضرب هذا القطاع الحيوي.
وعلى وقع هذه الاحتجاجات، وجّه رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بمتابعة مطالب الفلاحين والتحقيق في كيفية تعامل القوات الأمنية مع تجمعاتهم، مؤكداً أهمية دورهم في دورة التنمية الاقتصادية وضرورة تلبية احتياجاتهم.
لكن هذه التحركات، التي تبدو في ظاهرها استجابة رسمية سريعة، تفتح الباب لقراءة أعمق تتجاوز الحدث الآني، لتضع ملف الزراعة في العراق مجدداً تحت المجهر، باعتباره أحد أكثر الملفات إهمالاً منذ عام 2003. فانتفاضة الفلاحين لا تعبّر فقط عن مطالب معيشية آنية، بل تكشف عن أزمة بنيوية تراكمت على مدى سنوات، حتى تحوّل القطاع الزراعي من ركيزة للأمن الغذائي إلى حلقة ضعيفة في الاقتصاد الوطني.
ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم ليس سوى عودة متأخرة لصرخة ظلت تتردد في الأرياف العراقية دون أن تجد آذاناً صاغية، فالفلاح، الذي كان يوماً حارس الأرض ومخزن الغذاء، بات يواجه سلسلة من التحديات المتشابكة، تبدأ من شح المياه وارتفاع كلف الإنتاج، ولا تنتهي عند غياب الدعم المؤسسي وتراجع دور الجمعيات الفلاحية.
وحذر محللون من أن ضعف التنظيم وغياب إدارة الأزمة بكفاءة داخل هذه الجمعيات أسهما في تفكك البنية التنظيمية للقطاع الزراعي، ما أدى إلى فقدان دورها كجسر بين الدولة والفلاحين. ومع انشغال بعض إداراتها بمصالح ضيقة، تراجع دورها الرقابي والتوجيهي، تاركة الفلاح وحيداً في مواجهة سوق قاسٍ وظروف إنتاج متدهورة.
والمفارقة أن هذه الأزمة تتفاقم في وقت تتجه فيه دول العالم إلى تعزيز استثماراتها في الزراعة، باعتبارها خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي. أما في العراق، فقد أدى الاعتماد المتزايد على الاستيراد إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية، خاصة أن المنتجات الزراعية المستوردة من تركيا وايران على وجه الدقة، سريعة التلف وتزيد من نسب الهدر، ما يثقل كاهل الاقتصاد بدلاً من دعمه.
وفي خضم هذه التحديات، تبدو إجراءات الحكومة أقرب إلى محاولة احتواء الغضب الشعبي منها إلى معالجة جذرية للأزمة، فالتوجيهات باستلام الطلبات والتحقيق في سلوك القوات الأمنية، رغم أهميتها، لا تمس جوهر المشكلة المرتبطة بغياب رؤية استراتيجية شاملة لإعادة بناء القطاع الزراعي.
وتشبه الاستجابة الحكومية "حبة تخدير" تهدئ الألم مؤقتاً دون أن تعالج المرض المزمن، فالأزمة الزراعية ليست معزولة، بل تأتي ضمن حزمة أزمات أوسع تعصف بالعراق منذ عام 2003، تشمل ضعف الإدارة، واستشراء الفساد في مفاصل الدولة وتآكل المؤسسات، وتراجع التخطيط طويل الأمد.
وتعيد تظاهرات الفلاحين طرح سؤال قديم جديد: هل تمتلك الحكومة الإرادة والقدرة على إنقاذ الزراعة من الانهيار؟ أم أن هذا الملف سيظل عالقاً في دائرة الوعود، بينما تتآكل الأرض ويغادرها أهلها؟ بينما يوحي المشهد اليوم بأن الغضب لم يصل بعد إلى ذروته، وأن ما جرى في بغداد قد يكون مجرد بداية لصوت أوسع، يطالب بإعادة الاعتبار لقطاع كان يوماً قلب الاقتصاد العراقي النابض.