انهيار جمهورية البعث والأسد.. وإعلان جمهورية القاعدة
تحوّل الصراع في سوريا، الذي بدأ منذ 14 سنة كحركة احتجاجات شعبية، من حالة صراع بين ميليشيات مسلحة وسلطة منهكة على مستوى أطراف المدن والأرياف إلى صراع طال شكل الدولة ككل. حيث أفرزت الحرب الأهلية واقعًا وعنوانًا جديدًا في 8 ديسمبر 2024: انهيار دولة البعث وإعلان دولة القاعدة.
تميّز حكم البعث، الذي بدأه أمين الحافظ "السني" بعد انقلاب 1963، وكرّسه حافظ الأسد "العلوي" بانقلاب داخلي 1970، ليتحوّل بعد ذلك إلى جمهورية عائلية بتوريث بشار الأسد السلطة في 2000، بمبدأ سلطة الحزب الواحد وقبضة أمنية "دموية"، وفرض الأيديولوجية العروبية واضطهاد الشعب الكردي، مع تسامح محدود تجاه بعض الطوائف، شريطة ألا يمسّ ذلك استقرار النظام الذي رسخ أركانه بشكل دكتاتوري قمعي.
صناعة دولة القاعدة
بدأت جمهورية البعث والأسد في الانهيار كأحجار الدومينو مع دخول الحرب متغيرًا جديدًا متأثرًا بالمتغيرات الإقليمية. ففي نوفمبر 2024، عادت الحرب الأهلية إلى الواجهة بعد أن شنّ تنظيم القاعدة الإرهابي (هيئة تحرير الشام) هجومًا واسعًا على النظام، مستعينًا بمقاتلين أجانب (التركستانيين والإيغور والأوزبك). جاء هذا التصعيد نتيجة صعود النفوذ الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر في غزة، حيث قامت إسرائيل بتدمير "محور المقاومة"، بما في ذلك حزب الله (حليف الأسد) وحماس، وهاجمت نظام الدكتاتور بشار الأسد. تحت الضربات الجوية الإسرائيلية، وتقدم قوات هيئة تحرير الشام انهار النظام فجأة في 8 ديسمبر، وفرّ الطاغية بشار الأسد إلى روسيا، لتدخل سوريا مرحلة جديدة من الحرب الأهلية، تميزت بسيطرة القاعدة على كيان الدولة السورية.
نصّب زعيم القاعدة، الإرهابي أبو محمد الجولاني، نفسه رئيسًا للجمهورية! ومنح رتبًا عسكرية لأمراء الحرب من الفصائل الإسلامية، مؤسِّسًا نظامًا جديدًا يمكن وصفه بـ"جمهورية القاعدة". تم إلغاء الدستور والقوانين، وأصبحت البلاد تُدار من قبل التنظيم، بدعم مباشر من تركيا وقطر. احتكر الجولاني الشرعية المستمدة من القوة والصراع، واعتبر كل من لا ينتمي لنظامه خارج الدولة، مما أدى إلى توتر العلاقة مع الدروز، والقوى الديمقراطية الكردية والإدارة الذاتية، وقادة قوات سوريا الديمقراطية (حلفاء الغرب) الذين رفضوا تسليم سلاحهم لدولة الجولاني، كما رفضوا منحه الشرعية، بل ربطوها بدستور يحفظ حقوق جميع المكونات السورية، ويؤسس لنظام مدني لامركزي "فدرالي" وحالة تشاركية والأخذ بروح القرار 2254.
اتخذت ميليشيات الجولاني إجراءات انتقامية وعقابية ضد العلويين في حمص والساحل السوري، بينما بقي الموقف المسيحي محايدا، نتيجة المنع المفروض عليهم، من النظام البعثي المنهار والتيار الإسلامي الصاعد، وتنشيط قرار غير معلن: يمنع مشاركة المسيحيين في العملية السياسية بهوية ووعي سياسي مسيحي، بل كانوا دائمًا مفروض عليهم أن يكونوا "مسيحيين كما يريد النظام الحاكم"، وهو ما كان سائدًا في عهد البعث، الذي استغلهم لتحسين صورته خارجيا. خلال الحرب الأهلية، تعرّض المسيحيون للقمع من طرفي الصراع؛ من التنظيمات الجهادية كداعش، ومن النظام الأسدي الدكتاتوري الذي استخدم خطاب حماية الأقليات الدينية "المسيحية"! كأداة لتلميع صورته. نتيجة لذلك، عانى المجتمع المسيحي من هجرة ممنهجة أدت إلى فقدانه لركائزه الفكرية والسياسية، وتراجع مركز ثقله.
تحت حكم "جمهورية القاعدة"، غُيِّبت النخب السياسية المسيحية، وبدأت محاولات لإخضاع المسيحيين من خلال تحويل الفضاء العام إلى بيئة إسلاموية، مما أجبرهم على قبول وضع "الذميين" لتجنب الصدام، مع بوادر تقديم خطاب ديني مهادن لتفادي الاضطهاد.
أما الكرد، فهم اليوم يمثلون رأس الحربة في التغيير السياسي في سوريا، حيث عارضوا جميع الأنظمة المستبدة منذ صعود الناصرية، ثم البعث، مرورًا بحافظ وبشار الأسد. خاض الكرد معارك شرسة ضد فصائل المعارضة الإخوانية التابعة لتركيا، التي تبنّت أيديولوجيا "عثمانية"، كما حاربوا داعش والنصرة، وإلى جانب التحالف الدولي دمروا مركز خلافة داعش، مما دفع فلول التنظيم إلى الالتحاق بجبهة النصرة.
جولنة الوعي الجمعي
النظام الجديد الذي تؤسِّسه القاعدة اليوم هو خليط من ميليشيات تابعة لتركيا، "السوركيين"، الذين قاتلوا كمرتزقة في ليبيا وأذربيجان، ومنظمات جهادية بقيادة هيئة تحرير الشام وفلول داعش. في ظل هذا الواقع، أصبحت القوى الكردية رمزًا للخلاص لدى الأقليات الدينية والإثنية، التي ترى في صعود الإسلام السياسي خطرًا على مستقبل الدولة، بل وعلى وجودها أيضا.
أما العلويون، فقد كانوا رهائن لدى النظام الدكتاتوري الأسدي، الذي تفنّن في قمع نخبهم وإفقارهم، ليظلوا تحت سيطرة عائلة الأسد، مُصرًّا على خلق أسطورة تربط مصيرهم بمصيره، بهدف التحكم بمفاصل مجتمعهم. وإلى جانب ذلك، حاولت إيران الهيمنة على المجتمع العلوي عبر نموذج مشابه لحزب الله، من خلال تغييب نخبه وإضعاف مصالحه واحتلال وعيه. واليوم، بعد سقوط النظام، تتعرض الطائفة لعملية "إبادة سياسية" على يد التنظيمات الجهادية، التي تمارس ضدهم انتقامًا ممنهجًا.
بهذا، تدخل سوريا مرحلة جديدة من الصراع، حيث تحكمها سلطة قائمة على التطرف الديني، في ظل غياب أي أفق لحل سياسي شامل يعيد بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية، خاصة بعد تملص أمراء الحرب: المستولين على الدولة من القرار الدولي 2254، الذي كان يضمن انتقالًا سلميًّا للسلطة ومحاسبة أمراء الحرب وكل من تلطخت أيديهم بالدم، وعلى رأسهم الطاغية بشار الأسد والجولاني. وما يزيد الوضع خطورة هو اختطاف الوعي الجمعي لدى المجتمعات السنية، حيث قامت تركيا وأدواتها من الإخوان المسلمين، خلال فترة الحرب الطويلة، بالهيمنة على قطاع كبير منها، عبر غزو ثقافي مكثف يهدف إلى تشكيل هوية جديدة مرتبطة بالهوية العثمانية وربط هذه المجتمعات ثقافيًا وعسكريًا بتركيا.أما السنة الآخرون، فتم وضعهم تحت سلطة تنظيم هيئة تحرير الشام من خلال هيمنة السلاح والأيديولوجية السلفية. في حين تراجع وضع السنة الليبراليين والصوفيين، وأصبحوا في حالة سكون. وهكذا، بات المعبّر عن طموحات السنة والمهيمن على مصالحهم هو هيئة تحرير الشام وحلفاؤها من الجهاديين، الذين نجحوا في مصادرة وعي السنة، كما أسلفنا، وذلك بتواطؤ مع بعض "النخب السورية" التي بررت لنفسها من خلال عملية مفاضلة بين البعث الأسدي والجهاديين، وكأن لا طريق ثالث، مما ساهم في تتويج الجولاني، بدوافع دينية تارة، بسبب مناخ الحرب وطول فترة الصراع الذي عزّز سلطة الميليشيات الإسلاموية والهويات الطائفية في المجال العام، وتارة أخرى بسبب تراجع هذه النخب لافتقارها إلى قوة تأثير سياسي وقبول الأمر الواقع. كل هذه التعقيدات وتحولات الصراع أدت إلى ولادة "جمهورية القاعدة"، التي تعمل على قولبة "جولنة" المجتمع والوعي الجمعي وفق رؤيتها الخاصة، من خلال فرض نمط جديد من المواطنين على مقاس تنظيم القاعدة والجولاني: سني بمقاس الجولاني، ومسيحي بمقاس الجولاني، وعلوي ودرزي بمقاس الجولاني، وكردي بمقاس الجولاني. أي أن "المواطن الجولاني" هو النموذج المثالي! المتماهى مع ذهنية السلطة والمتحرك بعقلها. وبذلك، تصبح سوريا أول بلد يُدار من قبل تنظيم القاعدة، في ظل محاولات حثيثة لتعويم التنظيم وشرعنة قادته المصنفين على قوائم الإرهاب، وكل ذلك نتيجة لتغيير ديناميكيات الصراع السوري، الذي يعكس تحولات ميزان القوى الإقليمية، خصوصًا مع قطع أذرع إيران، التي لعبت دورًا كبيرًا في تأجيج الصراع الطائفي.
الرهان الكبير والبحث عن سوريا الجديدة
الخاسر الكبير في هذه التحولات هي "القومية العربية"، حيث لم يعد هناك اليوم أي وجود للقومية العربية كأيديولوجيا سلطة أو أي محاولة لتأسيس كيان سياسي قومي عربي. فتحت سوريا الباب على الهويات الدينية في المنطقة، وأصبحت بشكل رسمي تحت وصاية النفوذ الديني الجهادي ووصاية تركيا العثمانية بقيادة أردوغان. وسط هذا المشهد القاتم، يبقى الرهان الوحيد للتغيير: تحالف شعوب سوريا، الذي يقوده الكرد نحو سوريا مدنية لامركزية. كما يتوقف على صدق وإلتزام الغرب الذي يهمه ألا تبقى سوريا تحت الظلام. لكن الكابوس الذي علّمنا إياه التاريخ، الحقيقة القائلة: إن حكام دمشق إذا نجحوا في تركيع الداخل، يستطيعون أن يجدوا صيغة تفاهم مع الخارج. لذلك، يبقى الرهان الكبير على وعي السوريين بكل تنوعاتهم: الكرد، والدروز، والمسيحيين، والعلويين، والسُّنّة الليبراليين، بألّا يتخلوا عن سوريتهم القائمة على التنوع، والديمقراطية، واللامركزية. عليهم أن يظلوا مندفعين من أجل سوريا التي ترفض اللون الواحد، وأن تُبنى على هوية تشاركية مدنية.
فهل سيسمحون لحكام دمشق بتغطية سوريا بالسواد، لتحويلها إلى أفغانستان الشرق الأوسط؟! في النهاية، نحن أمام مشهدين متناقضين: الأول يمثل صراعًا بين نموذجين (استمرار صراع جولاني وقسد)، سوريا الظلام: القاعدة في دمشق ومحيطها، وسوريا الجديدة التي تشرق من روجافا في شمال وشرق البلاد. أما المشهد الثاني، فيقوم على مبدأ تقاسم النفوذ بين الجولاني وقسد والشيخ الهجري، ورسم حدود القوة بينهم، مما يؤدي إلى تشكيل نظام سياسي جديد وعلاقات جديدة، بحيث يتوزع النفوذ بين هذه القوى المهيمنة داخل البلاد تحت مسمى "الجمهورية الرخوة "، كمظلة عامة، مع انحصار سلطة جمهورية القاعدة الفعلية في حدود دمشق والمناطق الوسطى! ونتيجةً لهذا الواقع والعهد الجديد، تتشكل اصطفافات وتحالفات وقوى معارضة جديدة لهذا النظام المتشكل، مستندةً إلى بيئة سياسية حديثة، وسرديات وأدبيات جديدة في العمل السياسي الديمقراطي، بهدف تغيير سوريا.