باحث مصري يؤكد أن نص يسري الجندي تراثي وشعبي وليس حداثيا

أطروحة شريف تمثل إضافة مهمة إلى الأطروحات الأكاديمية التي اشتغلت تنظيرا وتطبيقا على النصوص المسرحية.


محاولة استلهام عناصر شعبية وتراثية لتأكيد الهوية المصرية


ثمة سيمياء للسرد، وسيمائية وصفية وأخرى تأويلية

تأتي الأطروحة التي نال بها الروائي والقاص شريف صالح درجة الدكتوراه أخيرا والمعنونة بـ "التحليل السيميائي للنص المسرحي: يسري الجندي نموذجًا" لتمثل إضافة مهمة إلى الأطروحات الأكاديمية التي اشتغلت تنظيرا وتطبيقا على النصوص المسرحية خاصة مسرح يسري الجندي، حيث تنطلق وفقا لـ "صالح" من فرضة إننا محيطون بالنصوص والعلامات، إنتاجاً وتلقياً، ولا نستطيع أن ندير حياتنا بمعزل عن النصوص التي توجهنا، بدءاً من إرشادات المرور، وصولاً إلى الروايات والمسرحيات. 
ولعل أول تمييز جوهري يحيلنا إلى نوعين أساسيين من النصوص: الأول: نصوص تفرضها الضرورة لتنظيم الحياة والعلاقات بين الأفراد والمجتمع والسلطة. الثاني: نصوص وليدة حافز جمالي، تتجاوز  سقف "الضرورة" والمستوى النحوي المألوف للغة، نحو مستويات جمالية خاصة.
وأوضح صالح أنه "مع غزارة النصوص والخطابات وتعارضها، كان من الطبيعي أن تتعدد ـ من داخل السيمياء نفسها ـ المناهج والرؤى، فثمة سيمياء للسرد، وسيمائية وصفية وأخرى تأويلية. إضافة إلى سيمياء المسرح التي تحاول دراسة النص المسرحي بوصفها مجموعة من العلامات المتنوعة التي تنتمي إلى أنساق مختلفة. 
وجاء اختيار نصوص يسري الجندي المطبوعة وهي 16 نصًا كمحاولة لتقديم قراءة لها، تنبع من تفاعل العلامات داخل النص، وتتجاوز الثنائية التقليدية في قراءة أعماله، ما بين التأثر بالغرب وتحديداً المسرح الملحمي، ومحاولة استلهام عناصر شعبية وتراثية لتأكيد الهوية المصرية.

حضور الجمهور لا يقتصر على من يشاهدون نص العرض فحسب، بل إن كل نص يتضمن جمهوره الخاص، فيكفي أن تتحول الشخصية من متكلم إلى مستمع، كي تصبح بمثابة "جمهور"

حلل صالح مسرحيات: اغتصاب جليلة، وحكاية جحا.. والواد قلة، وعلي الزيبق، وماذا حدث لليهودي التائه؟ وعنترة، ودكتور زعتر، وحكاوي الزمان، وسلطان زمانه، والهلالية، والمحاكمة، ورابعة العدوية، والإسكافي ملكًا، وواقدساه، والطفل الجميل الذي لم يمت، وحدث في وادي الجن، وبغل البلدلية.
وقسم أطروحته إلى بابين أساسيين، الأول "نسق النص" حيث تناول الباحث العلامات التي تشكل هوية أو ماهية أي نص وتجعله مستحقًا لصفة أنه "نص مسرحي" وهذه العلامات هي: القالب، والنص الشارح أو لغة الإرشادات، إضافة إلى نص "الحوار" أو كلام الشخصيات. أما الباب الثاني: "الكون الدرامي" فتناول فيه الباحث العالم المتخيل الذي يقيمه النص ويشمل: الفضاء بكل عناصره المتنوعة، الفعل الدرامي، الفواعل التي تقوم بإنجاز الفعل، وأخيرًا الرواة الذي يرون هذا الفعل للجمهور.
وقال صالح "باستقراء هذه النصوص ـ موضع البحث ـ فإن ما يحدد اشتغال برنامجها الدرامي، ويوجه مسارها هو "قالب" المسرح الملحمي بالدرجة الأولى، بطبيعته السردية المتجاوزة للمسرح الأرسطي. كما تظهر قوالب أخرى بدرجة أقل مثل المسرح الشعبي، والتسجيلي، إلى جانب ملامح وسمات من المسرح الكوميدي والتراجيدي. من ثم فإن تأويل أي علامة سيظل مرهونًا بطبيعة القالب، وإكراهاته، فهو بمثابة الكون السيميائي الذي توجد وتتفاعل داخله. كما ينقسم النص المسرحي ـ أيًا كان ـ إلى نسقين أساسيين: الأول: نسق شارح  يُنسب إلى المؤلف، عبارة عن إرشادات. والثاني: نسق حواري يعبر عن منطوق الشخصيات.
ولاحظ صالح أنه عبر نصوص الجندي تتحقق لغة الإرشادات على مستويات متنوعة، بعضها يتعلق بالعنونة، والتجنيس، والإهداء، والهوامش، وعلامات التقسيم. ومعظمها علامات خارج المتن، في مقابل اللغة الإرشادية المتضمنة داخل المتن والتي تؤطر كلام وأفعال وانفعالات الشخصيات.
وقال "إجمالًا لم يكن النص الشارح يزيد عن 25% مقارنة بنص الحوار. ولعل قلة الإرشادات ـ نسبيًا ـ تعود إلى سببين: حرص الجندي على كتابة نصوص ذات طبيعة تراثية وشعبية، وليست حداثية أو ذات طبيعة وصفية. والسبب الآخر إعطاء الصدارة للحوار لمناقشة وعرض الأفكار التي تأخذ غالبًا طابعًا سياسيًا عروبيًا. أما نسق الحوار، فمن أهم سماته قلة السرد والوصف، فجسد النص في الأساس عبارة عن حوار بين شخصيتين أو أكثر. وقد تجلى "الحوار" في النصوص، عبر صيغ مختلفة أبرزها "تبادل الدور" بين شخصتين أو أكثر، و"التحقيق" عندما يمارس أحد المتكلمين السلطة على آخر، و"التجنيبة" أو الحوار الجانبي الهامس، والحوار مع الذات "المناجاة"، أو عبر استحضار مستمع صامت، أو جمهور عام.
وأشار صالح إلى أن لغة الحوار اشتملت على تقابلات دلالية متنوعة مثل: الفصحى/العامية، الكلام/الصمت، السلامة/تشوه النطق، الجد/الهزل، العملية/الشاعرية، والطول/القصر.
ورأى أن نسقا الإرشادات والحوار ساهما معًا في تشكيل "فضاء" النص، حيث لا تتحرك الشخصية في فراغ، ولا يقع الفعل إلا في زمكانية، فهو بمثابة كون سيميائي يمكن تحليله وفق ثلاثة مستويات:
الأول: تحليل مكوناته، في صيغتها الإفرادية والتي تشمل: الزمان، المكان، الحركة، الديكور، الإضاءة، الأزياء، الموسيقى.. إلخ.
الثاني: وضع تلك العناصر في حزم من التقابلات الدلالية مثل: مفتوح/مغلق، مقدس/ مدنس، مركزي/ هامشي، خاص/عام، ثري/ فقير، ظاهر/ مخفي، معتم/ مضاء، خال/ مزدحم.
الثالث: قراءة الفضاء كمعطى كلي حيث تهيمن على النصوص فضاءات: خشبة المسرح، المحكمة، والساحة/ الحي. وجميعها تتسم بكونها تجسد فضاء مفتوحًا يتيح إمكانية حشد الشخصيات الممثلة للشعب والسلطة واستدعاء نماذج البطولة من التاريخ والتراث الشعبي.
وأضاف صالح أنه عبر هذا الفضاء يتبين الفعل الدرامي ويقصد به سلسلة الأحداث التي تُنظم وفق حبكة معينة، تتفاعل في بوتقتها جميع الشخصيات. ويمكن وضع ترسيمة للأفعال حيث تنقسم إلى: أفعال استهلالية لإطلاق البرنامج الدرامي، وأخرى ثانوية لملء الفجوات، ورسم الشخصيات، إضافة إلى الفعل الرئيسي نفسه.
ولفت إلى أنه وفقًا لترسيمة بروب الخاصة بوظائف الأفعال الرئيسية، فإن أبرز الأنماط المتكررة في النصوص موضع البحث، هي: المنع، خرق المنع، الافتقار، بداية الفعل المضاد، تسلم الأداة السحرية، الرحيل، تغير الهيئة، وخوض المعركة ضد المعتدي. وتسند هذه الأفعال إلى الفواعل حيث لا يكاد يخلو نص من "ذات" فاعلة على الأقل، مع الأخذ في الاعتبار أن النظام الفاعلي يتجاوز مفهوم "الشخصية" المتعارف، حيث يمكن للمعاني المجردة والأشياء أن تلعب دورًا فاعلا. كذلك يمكن أن تتنوع وتتحول أدوار ووظائف الفاعل نفسه.
وقال صالح إن النموذج الفاعلي يتأسس حسب ترسيمة غريماس، على ستة نماذج: المرسل، الذات، المرسل إليه، الهدف، المعارض، والمساعد. وفي معظم النصوص تمثل "المرسل" في الرواة، الحكواتية، والممثلون، ما يعني بالضرورة أن "المرسل إليه" هو "الجمهور"، وهو ما يتماشى مع تكنيك "مسرح داخل مسرح" أو إقامة لعبة مسرحية. وهيمنت "الذوات" الفاعلة ذات المرجعية التاريخية على معظم النصوص مثل: عنترة، الصحصاح، وعلي الزيبق. وهو ما يتماشى مع المنطق الذكوري لمفهوم البطولة، والاكتفاء بحضور المرأة في الدرجة الثانية من الأهمية.

رسائل جامعية
شريف صالح

ورأى أنه عبر هذه النماذج تم تمرير خطاب أيديولوجي يسائل قيم الحرية والعدالة والخلاص، والاشتغال على تصورات السلطة وعلاقتها بالشعب، وما يُحاك ضد الوطن من مؤمرات وتربص "الهمج" به. لا تفصل النصوص مفهوم الوطن عن امتداده وسياقه العربي والإسلامي، وهو ما يظهر في وجود نصين عن القدس وفلسطين هما "ماذا حدث لليهودي؟"، و"واقدساه"، ونص ثالث عن الجزائر "الطفل الجميل الذي لم يمت". كما يظهر في تنوع النماذج البطولية من زمكانيات عربية وإسلامية متباينة.
وأكد صالح أنه رغم محاولات إشراك عامة الشعب في النقاش، وفي الفعل الدرامي لمسرح الجندي، إلا أن الإنجاز ظل مرهونًا على الدوام بالبطل المخلص، القادر على تصحيح علاقة الشعب بالسلطة. وغالبًا كانت تلك المحاولات تنتهي إلى الفشل، بسبب فرديتها. فالرهان على "بطل خارق" مُنتظَر، يضع الشعب غالبًا في خانة المتلقي السلبي، والقابل للانخداع بأي وجه ديكتاتوري يقدم نفسه كبطل مخلص. 
ولعل من النصوص القليلة التي أنجزت فيها "الذات" هدفها في الحرية والخلاص من الديكتاتورية، كان نص "معروف الإسكافي" ليس فقط لأنه مثل نموذج الرجل العادي من عامة الشعب، بل أيضًا لأنه تراجع للوراء خطوتين وترك السلطة لأهل جزيرة النعاس أنفسهم. كما كان النجاح حليف "جحا" عندما أصبح كبير القضاة، لأنه في الأساس رجل هزلي. وهنا المفارقة أن الذاتين الأكثر ضعفًا، أنجزتا ما لم يستطع إنجازه عنترة، والزيبق، وأبو زيد الهلالي!
وأشار إلى أنه "إذا ما تم ربط النصوص بسياقها التاريخي، عقب نكسة يونيو، ذلك الجرح الهائل في نظام عبدالناصر بأحلامه القومية، فإنها جميعًا، كانت محاولات متكررة لعلاج ذلك الجرح، للتأكيد على قناع عبدالناصر كمخلص وبطل شعبي طال انتظاره، إذا ما التف الشعب حوله، في مقابل رفض قناع عبدالناصر كديكتاتور، وما يرتبط به من فساد الحاشية والانتهازية. هذا التصور ـ في أفضل أحواله ـ عاجز عن تجاوز مفهوم "المستبد العادل" بل يعيد إنتاجه وتكريسه، أكثر مما يتيح للناس مشاركة حقيقية في اللعبة المسرحية، أو في تقرير مصيرها".
وأوضح صالح أنه "بحكم انتماء معظم النصوص إلى المسرح الملحمي، فهي بالتالي لا تلتزم ولا تتقيد بالمنظور الأرسطي، لذلك فإنها لا تقبل دائمًا الإخضاع للنموذج الفاعلي، بل على الدوام ثمة فجوات، ونقص، واستطراد. فقد يتسع النموذج الفاعلي ليضم عددًا من الذوات المتكافئة نسبيًا كما في "الهلالية"، أو يضيق كما في "بغل البلدية". وثمة نصوص أنتجتها مناسبات بعينها، مثل "حدث في وادي الجن" التي تحتفي بمرور خمسين عامًا على وفاة شوقي وحافظ، كانت الأكثر ضعفًا في بنائها الفاعلي".
وختم صالح إلى أن حضور الجمهور لا يقتصر على من يشاهدون نص العرض فحسب، بل إن كل نص يتضمن جمهوره الخاص، فيكفي أن تتحول الشخصية من متكلم إلى مستمع، كي تصبح بمثابة "جمهور" والجوقة في المسرح اليوناني قد تلعب أيضاً دور الجمهور المعلق على الحدث. من ثم، يصعب تخيل المسرح نصاً أو عرضاً، دون وجود جمهور ما.. ومن أبرز صيغ حضور الجمهور في النصوص: الكورس، الكورال والمغنون، الرواة والمجموعة، المُقَنعون، المؤرخون والممثلون، العبيد والفقراء. وقد لعب هؤلاء جميعًا أدوارًا مهمة في تلخيص الأحداث، والربط بينها، والتعليق عليها، وطرح الأسئلة، والتحاور مع الفواعل، إضافة إلى الإدلاء بالشهادة، والمراقبة، والإنشاد والغناء، بوصفهم قناعًا للشعب نفسه الذي من حقه أن يحاسب أبطاله ويصدر الحكم عليهم. مثلما من حقه أن يعيد قراءة التاريخ وكشف المسكوت عنه.